الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 تقارير سياسية
3جواسيس واشنطن وألغام الخليج

جهاز لاب توب يكشف أسرار طهران

السبت 16 / 2 / 2008

إيمان عمر الفاروق


لعبة الأمم تحددها موازين القوة‏,‏ وليس تسلل الجواسيس‏,‏ لذا فإن تقرير الاستخبارات الأمريكية الذي برأ ساحة طهران النووية كان بمثابة ضربة‏,‏ إجهاضية لسفينة التعاون الإيراني‏-‏ الخليجي‏,‏ بإظهار طهران كنمر ورق ليس من مبرر لخطب وده أمنيا واقتصاديا‏,‏ وإن يكن من المحتمل أن تكون له أنياب خفية تستدعي نشر درع للدفاع الصاروخية علي حد دعوة وزير الدفاع الأمريكي التي كشفت عن توجس واشنطن من احتضان الخليج لإيران‏..‏ وقد لا تكون تلك التطورات هي الوقود الذي فجر هذا التقرير إلا أنها أصبحت ضمن الرماد الذي خلفه‏.‏
الأنياب الخفية هي ما حرص بوش وروبرت جيتس‏,‏ وزير دفاعه وجون بولتون سفير الولايات المتحدة السابق لدي الأمم المتحدة‏,‏ علي الإشارة إليها وإشاعة الرعب في العالم من شراستها‏,‏ ففي تصريح خطير لجيفري لويس‏,‏ مدير مبادرة الحد من انتشار الأسلحة النووية بمؤسسة نيو‏-‏ أمريكا بواشنطن‏-‏ قال‏:‏ إن الأهم في هذا التقرير هو الاعتقاد السائد بين أرباب المجتمع الاستخباراتي الأمريكي بأن إيران كان لديها برنامج للتسلح النووي قبل‏2003,‏ وهو الاعتقاد الذي بني علي معلومات تم الحصول عليها من خلال لاب توب خاص بمهندس إيراني‏,‏ والذي حصلت عليه الولايات المتحدة عام‏2004,‏ وكان يحتوي علي وثائق خطيرة تتضمن معلومات تفصيلية عن برنامجين نوويين إيرانيين‏,‏ أطلق عليهما من قبل الإيرانيين‏L-102‏ و‏1-101,‏ وتمت الإشارة إلي أنهما يتعلقان بأعمال التسلح‏,‏ إلا أن لويس أعلن صراحة‏,‏ وبشكل أكثر دقة بأنهما يتعلقان بجهود تطوير صاروخ حامل للرءوس النووية‏.‏
ويستطرد لويس قائلا‏:‏ لقد تشكك العديد من الخبراء في مصداقية تلك المعلومات إلي درجة أننا أطلقنا عليه اللاب توب القاتل‏.‏
ويدعو المؤرخ الأمريكي والصحفي المشهور بكتاباته عن الأمن القومي الأمريكي‏,‏ جاريث بورتير‏,‏ المسئولين بالإدارة الأمريكية للاستقالة‏,‏ وفاء بتعهداتهم بعدم تكرار فضائح العراق بشأن زيف المعلومات وتأكيدهم صدق بياناتهم بشأن إيران في جميع شهاداتهم بالكونجرس‏.‏ والأخطر في التقرير ذاته من وجهة نظر بورتير أن هذا التقرير يتولد عنه توأمان متناقضان‏,‏ ففي الوقت الذي أفرز فيه تجميدا مؤقتا للخيار العسكري‏,‏ أسفر عن تهديدات أمريكية لمواجهة الخطر الإيراني المحتمل طالما أنه كان لديها برنامج سري قبل‏2003,‏ وهذا في حد ذاته متطورا ينذر بمزيد من الانزلاق نحو هاوية الجحيم‏.‏ إن المعني الضمني الذي يحمله كلام بورتير‏,‏ بأن هذا التقرير لا يمثل تغيرا جوهريا في النسق الفكري للإدارة الأمريكية بشأن إيران بتحولها في صورة الدولة المارقة الأيديولوجية إلي لاعب سياسي ذكي يستجيب ويتوافق مع المتغيرات العالمية‏,‏ بقدر ما يعتبر هذا التقرير حركة تكتيكية تنسجم مع تغير أولويات الأجندة الأمريكية‏.‏ هذا المعني يتأكد أكثر وأكثر عبر رواية كل من دافنالينزر وجوب واربيكبـ الواشنطن بوست‏,‏ والتي تفيد بأن هذا التقرير تمت إعادة صياغته ثلاث مرات‏,‏ بناء علي طلب نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني‏,‏ وأنه كان جاهزا بشكل نهائي منذ خريف‏2006,‏ والأدهي من ذلك أن الإدارة الأمريكية كانت علي علم بفحوي هذا التقرير والأدلة الجديدة التي جاء بها منذ يوليو‏2003,‏ لكنها تحدت تلك النتائج لأنها لا توافق هوي في نفسها‏,‏ وادعت أنها معادلة للخداع من الجانب الإيراني‏.‏
فإذا كانت الإدارة الأمريكية علي علم به منذ أمد بعيد‏,‏ فلماذا تم تسريبه في هذا التوقيت بالذات؟ يري الدبلوماسي الهندي إم باهدراكومار‏,‏ سفير سابق بأوزباكستان وتركيا أنه لم تكن مصادفة أن يتزامن تسريب هذا التقرير مع حزمة من التطورات‏,‏ سواء كان ذلك مقصودا أم لا‏,‏ إلا أن التزامن لافت للنظر فقد كان الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في قطر للمشاركة في أول سابقة من نوعها في قمة دول مجلس التعاون الخليجي‏,‏ ولقد هز التقرير من صورة إيران بوضعها في إطار دولة تقوم برسم سياساتها وفقا لحسابات نفعية تعلو علي المصلحة الإستراتيجية‏,‏ والخطير في ذلك الأمر الآثار الجانبية التي تترتب عليه في تحطيم أشرعة التعاون الإيراني‏-‏ الخليجي‏,‏ وربما التراجع عن أية صفقات لانتفاء دافع الخوف من القنبلة الإيرانية‏,‏ فضلا عن كبح جماح ألسنة أسعار النفط التي باتت تحرق بلهيبها الاقتصاد الأمريكي الذي يتجه نحو الركود‏.‏
ويتفق مع هذا الرأي بول بيلار‏,‏ مسئول سابق بالاستخبارات القومية الأمريكية عن ملف الشرق الأوسط‏,‏ والذي قام عام‏2005‏ بإعداد التقرير الخاص بالبرنامج النووي الإيراني‏,‏ حيث يقول‏:‏ إن التفسير المناسب لهذا التقرير يتمثل في أنه يفتح المجال لإجراء حوار أمريكي‏-‏ إيراني‏,‏ والدخول في مفاوضات تلوح لإيران بعوائد أمنية‏,‏ ويضيف قائلا‏:‏ ربما جاء توقيت تسريبه لصرف الأنظار عن القوة النووية الإسرائيلية عقب ما أثير في مؤتمر أنابوليس‏.‏
أما الدكتور محمد السعيد عبدالمؤمن ـ خبير في الشأن الإيراني ـ فيختلف معهما قائلا‏:‏ أعتقد أن التقرير وقت تسريبه لم يكن في اعتبار الدوائر الاستخباراتية الأمريكية بأن دول الخليج وإيران سوف تتفق علي التعاون أو التقارب‏,‏ وأنه يمثل شكلا من أشكال المهادنة المؤقتة مع إيران‏,‏ وصعوبة الدخول في مواجهة معها في ظل تأزم الوضع في العراق والذي لن تستطيع واشنطن أن تجد لنفسها مخرجا منه دون وساطة إيران‏,‏ وما يؤكد ذلك الحوار الجاري بينهما بشأن الأمن في العراق وثمة اجتماع بعد أقل من شهر‏,‏ من ثم فإن هذا التقرير قامت المخابرات الأمريكية بتسريبه لتبعث رسالة إلي طهران تفيد بأنها تنظر بإيجابية لمساهمتها في الملف العراقي‏,‏ وبالطبع سوف يتزامن ذلك مع التلويح بعصا العقوبات الاقتصادية‏.‏
ويضيف الدكتور عبدالمؤمن قائلا‏:‏ فيما يتعلق بالقول إن هذا التقرير يدشن لانفصال السياسة الأمريكية عن الإسرائيلية‏,‏ فأنا أخالف هذا الرأي وأعتقد أن السياسة الإسرائيلية ستظل في اتصال دائم وتصديق علي مواقف السياسة الأمريكية ولن تستطيع توجيه ضربة أحادية لإيران‏.‏
وعزفا علي ذات النغمة عبر روبرت كاجان‏,‏ أحد أكبر منظري المحافظين الجدد والقريب من دوائر صنع القرار عن المعضلة التي تواجه واشنطن في أعقاب صدور هذا التقرير قائلا‏:‏ لقد تحطمت أدوات السياسية الأمريكية‏,‏ ومن ثم فإما أن تجلس الإدارة الأمريكية مكتوفة الأيدي‏,‏ معزولة حتي العام المقبل‏,‏ وإما أن تقتنص الفرصة وتحسن صنيعا للإدارة المقبلة بفتح قنوات الحوار مع طهران والتي يجب أن تكون متعددة الجوانب وتشمل قضايا الإرهاب‏,‏ القاعدة‏,‏ حزب الله‏,‏ وحماس‏,‏ وبالطبع العراق يتصدر الأجندة‏*‏
خطايا الاستخبارات الأمريكية‏..‏ سيف للصقور
ظن بعض أقطاب الدوائر الاستخباراتية الأمريكية بأن التقرير الأخير يمثل انتصارا للعناصر المعتدلة‏,‏ علي نحو أزاح شبح سيناريوهات الجحيم العسكري‏,‏ إلا أنه علي العكس قدم حججا لصقور الإدارة الأمريكية أمثال نورمان بودهورتيز‏,‏ ولوري ميلروي الذي يعتقد أن صدام حسين كان خلف تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر‏,‏ فبما أن التقرير الجديد يخالف تأكيدات التقارير السابقة‏,‏ خصوصا تقرير‏2005,‏ والذي أكد أن طهران علي مشارف صنع القنبلة النووية‏,‏ فإنه يهز الثقة بالجهاز الاستخباري بشكل عام‏,‏ ولاسيما أن إلقاء نظرة خاطفة علي تاريخ هذا الجهاز تشهد له بالتضارب‏,‏ والإخفاق في كثير من الأحيان‏.‏
فعلي سبيل المثال عجزت الاستخبارات الأمريكية عن تقييم القدرات الفعلية للاتحاد السوفيتي السابق عام‏1946,‏ وأصدرت تقريرا آنذاك يؤكد أن الاتحاد السوفيتي لن يستطيع صناعة قنبلة نووية قبل حلول عامي‏1950-1953‏ وكانت المفاجأة المذهلة عندما أعلن الاتحاد السوفيتي عن قنبلته بعد صدور التقرير بخمسة أيام فقط‏.‏
وطبقا لتصريحات دونالد ستيوري‏-‏ مؤرخ الـ سي آي إيه والتي يستند إليها الصقور‏,‏ فإن مكتب التقارير والتقديرات كرر فشله في كارثة بيرل هاربور‏,‏ وعجز عن التنبؤ ببداية الحرب الكورية‏,‏ الأمر الذي يعني أنه لم يكن له وجود فعلي‏,‏ علي الرغم من جميع التحقيقات التي أجريت لتلافي الفضائح السابقة‏.‏
وفي عام‏1950,‏ فشلت الاستخبارات الأمريكية في تقييم حجم القدرات السوفيتية لإنتاج قنبلة هيدروجينية‏,‏ فبدأت منذ ذلك الحين تتبع نهجا مختلفا معاكسا كرد فعل للإحراج الذي تعرضت له‏,‏ فبالغت في قدراته الصاروخية‏,‏ اعتمادا علي معلوماتها بأن الاتحاد السوفيتي يحتجز في معامله علماء ألمان‏,‏ وطبقا للمحلل سيدني جرايبيل‏,‏ فإن الاستخبارات الأمريكية توصلت إلي أن هناك فجوة بينها وبين الاتحاد السوفيتي في مجال الصواريخ‏,‏ ولكن تبين فيما بعد عندما تولي جون كيندي الرئاسة‏,‏ عبر صور بالأقمار الصناعية‏,‏ أنه لا توجد فجوة بينهما لصالح الاتحاد السوفيتي بفعل أزمة الصواريخ الكورية‏.1962‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 16 / 2 / 2008
رقم العـدد
569
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg