|
إيمان عمر الفاروق لعبة الأمم تحددها موازين القوة, وليس تسلل الجواسيس, لذا فإن تقرير الاستخبارات الأمريكية الذي برأ ساحة طهران النووية كان بمثابة ضربة, إجهاضية لسفينة التعاون الإيراني- الخليجي, بإظهار طهران كنمر ورق ليس من مبرر لخطب وده أمنيا واقتصاديا, وإن يكن من المحتمل أن تكون له أنياب خفية تستدعي نشر درع للدفاع الصاروخية علي حد دعوة وزير الدفاع الأمريكي التي كشفت عن توجس واشنطن من احتضان الخليج لإيران.. وقد لا تكون تلك التطورات هي الوقود الذي فجر هذا التقرير إلا أنها أصبحت ضمن الرماد الذي خلفه. الأنياب الخفية هي ما حرص بوش وروبرت جيتس, وزير دفاعه وجون بولتون سفير الولايات المتحدة السابق لدي الأمم المتحدة, علي الإشارة إليها وإشاعة الرعب في العالم من شراستها, ففي تصريح خطير لجيفري لويس, مدير مبادرة الحد من انتشار الأسلحة النووية بمؤسسة نيو- أمريكا بواشنطن- قال: إن الأهم في هذا التقرير هو الاعتقاد السائد بين أرباب المجتمع الاستخباراتي الأمريكي بأن إيران كان لديها برنامج للتسلح النووي قبل2003, وهو الاعتقاد الذي بني علي معلومات تم الحصول عليها من خلال لاب توب خاص بمهندس إيراني, والذي حصلت عليه الولايات المتحدة عام2004, وكان يحتوي علي وثائق خطيرة تتضمن معلومات تفصيلية عن برنامجين نوويين إيرانيين, أطلق عليهما من قبل الإيرانيينL-102 و1-101, وتمت الإشارة إلي أنهما يتعلقان بأعمال التسلح, إلا أن لويس أعلن صراحة, وبشكل أكثر دقة بأنهما يتعلقان بجهود تطوير صاروخ حامل للرءوس النووية. ويستطرد لويس قائلا: لقد تشكك العديد من الخبراء في مصداقية تلك المعلومات إلي درجة أننا أطلقنا عليه اللاب توب القاتل. ويدعو المؤرخ الأمريكي والصحفي المشهور بكتاباته عن الأمن القومي الأمريكي, جاريث بورتير, المسئولين بالإدارة الأمريكية للاستقالة, وفاء بتعهداتهم بعدم تكرار فضائح العراق بشأن زيف المعلومات وتأكيدهم صدق بياناتهم بشأن إيران في جميع شهاداتهم بالكونجرس. والأخطر في التقرير ذاته من وجهة نظر بورتير أن هذا التقرير يتولد عنه توأمان متناقضان, ففي الوقت الذي أفرز فيه تجميدا مؤقتا للخيار العسكري, أسفر عن تهديدات أمريكية لمواجهة الخطر الإيراني المحتمل طالما أنه كان لديها برنامج سري قبل2003, وهذا في حد ذاته متطورا ينذر بمزيد من الانزلاق نحو هاوية الجحيم. إن المعني الضمني الذي يحمله كلام بورتير, بأن هذا التقرير لا يمثل تغيرا جوهريا في النسق الفكري للإدارة الأمريكية بشأن إيران بتحولها في صورة الدولة المارقة الأيديولوجية إلي لاعب سياسي ذكي يستجيب ويتوافق مع المتغيرات العالمية, بقدر ما يعتبر هذا التقرير حركة تكتيكية تنسجم مع تغير أولويات الأجندة الأمريكية. هذا المعني يتأكد أكثر وأكثر عبر رواية كل من دافنالينزر وجوب واربيكبـ الواشنطن بوست, والتي تفيد بأن هذا التقرير تمت إعادة صياغته ثلاث مرات, بناء علي طلب نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني, وأنه كان جاهزا بشكل نهائي منذ خريف2006, والأدهي من ذلك أن الإدارة الأمريكية كانت علي علم بفحوي هذا التقرير والأدلة الجديدة التي جاء بها منذ يوليو2003, لكنها تحدت تلك النتائج لأنها لا توافق هوي في نفسها, وادعت أنها معادلة للخداع من الجانب الإيراني. فإذا كانت الإدارة الأمريكية علي علم به منذ أمد بعيد, فلماذا تم تسريبه في هذا التوقيت بالذات؟ يري الدبلوماسي الهندي إم باهدراكومار, سفير سابق بأوزباكستان وتركيا أنه لم تكن مصادفة أن يتزامن تسريب هذا التقرير مع حزمة من التطورات, سواء كان ذلك مقصودا أم لا, إلا أن التزامن لافت للنظر فقد كان الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في قطر للمشاركة في أول سابقة من نوعها في قمة دول مجلس التعاون الخليجي, ولقد هز التقرير من صورة إيران بوضعها في إطار دولة تقوم برسم سياساتها وفقا لحسابات نفعية تعلو علي المصلحة الإستراتيجية, والخطير في ذلك الأمر الآثار الجانبية التي تترتب عليه في تحطيم أشرعة التعاون الإيراني- الخليجي, وربما التراجع عن أية صفقات لانتفاء دافع الخوف من القنبلة الإيرانية, فضلا عن كبح جماح ألسنة أسعار النفط التي باتت تحرق بلهيبها الاقتصاد الأمريكي الذي يتجه نحو الركود. ويتفق مع هذا الرأي بول بيلار, مسئول سابق بالاستخبارات القومية الأمريكية عن ملف الشرق الأوسط, والذي قام عام2005 بإعداد التقرير الخاص بالبرنامج النووي الإيراني, حيث يقول: إن التفسير المناسب لهذا التقرير يتمثل في أنه يفتح المجال لإجراء حوار أمريكي- إيراني, والدخول في مفاوضات تلوح لإيران بعوائد أمنية, ويضيف قائلا: ربما جاء توقيت تسريبه لصرف الأنظار عن القوة النووية الإسرائيلية عقب ما أثير في مؤتمر أنابوليس. أما الدكتور محمد السعيد عبدالمؤمن ـ خبير في الشأن الإيراني ـ فيختلف معهما قائلا: أعتقد أن التقرير وقت تسريبه لم يكن في اعتبار الدوائر الاستخباراتية الأمريكية بأن دول الخليج وإيران سوف تتفق علي التعاون أو التقارب, وأنه يمثل شكلا من أشكال المهادنة المؤقتة مع إيران, وصعوبة الدخول في مواجهة معها في ظل تأزم الوضع في العراق والذي لن تستطيع واشنطن أن تجد لنفسها مخرجا منه دون وساطة إيران, وما يؤكد ذلك الحوار الجاري بينهما بشأن الأمن في العراق وثمة اجتماع بعد أقل من شهر, من ثم فإن هذا التقرير قامت المخابرات الأمريكية بتسريبه لتبعث رسالة إلي طهران تفيد بأنها تنظر بإيجابية لمساهمتها في الملف العراقي, وبالطبع سوف يتزامن ذلك مع التلويح بعصا العقوبات الاقتصادية. ويضيف الدكتور عبدالمؤمن قائلا: فيما يتعلق بالقول إن هذا التقرير يدشن لانفصال السياسة الأمريكية عن الإسرائيلية, فأنا أخالف هذا الرأي وأعتقد أن السياسة الإسرائيلية ستظل في اتصال دائم وتصديق علي مواقف السياسة الأمريكية ولن تستطيع توجيه ضربة أحادية لإيران. وعزفا علي ذات النغمة عبر روبرت كاجان, أحد أكبر منظري المحافظين الجدد والقريب من دوائر صنع القرار عن المعضلة التي تواجه واشنطن في أعقاب صدور هذا التقرير قائلا: لقد تحطمت أدوات السياسية الأمريكية, ومن ثم فإما أن تجلس الإدارة الأمريكية مكتوفة الأيدي, معزولة حتي العام المقبل, وإما أن تقتنص الفرصة وتحسن صنيعا للإدارة المقبلة بفتح قنوات الحوار مع طهران والتي يجب أن تكون متعددة الجوانب وتشمل قضايا الإرهاب, القاعدة, حزب الله, وحماس, وبالطبع العراق يتصدر الأجندة* خطايا الاستخبارات الأمريكية.. سيف للصقور ظن بعض أقطاب الدوائر الاستخباراتية الأمريكية بأن التقرير الأخير يمثل انتصارا للعناصر المعتدلة, علي نحو أزاح شبح سيناريوهات الجحيم العسكري, إلا أنه علي العكس قدم حججا لصقور الإدارة الأمريكية أمثال نورمان بودهورتيز, ولوري ميلروي الذي يعتقد أن صدام حسين كان خلف تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر, فبما أن التقرير الجديد يخالف تأكيدات التقارير السابقة, خصوصا تقرير2005, والذي أكد أن طهران علي مشارف صنع القنبلة النووية, فإنه يهز الثقة بالجهاز الاستخباري بشكل عام, ولاسيما أن إلقاء نظرة خاطفة علي تاريخ هذا الجهاز تشهد له بالتضارب, والإخفاق في كثير من الأحيان. فعلي سبيل المثال عجزت الاستخبارات الأمريكية عن تقييم القدرات الفعلية للاتحاد السوفيتي السابق عام1946, وأصدرت تقريرا آنذاك يؤكد أن الاتحاد السوفيتي لن يستطيع صناعة قنبلة نووية قبل حلول عامي1950-1953 وكانت المفاجأة المذهلة عندما أعلن الاتحاد السوفيتي عن قنبلته بعد صدور التقرير بخمسة أيام فقط. وطبقا لتصريحات دونالد ستيوري- مؤرخ الـ سي آي إيه والتي يستند إليها الصقور, فإن مكتب التقارير والتقديرات كرر فشله في كارثة بيرل هاربور, وعجز عن التنبؤ ببداية الحرب الكورية, الأمر الذي يعني أنه لم يكن له وجود فعلي, علي الرغم من جميع التحقيقات التي أجريت لتلافي الفضائح السابقة. وفي عام1950, فشلت الاستخبارات الأمريكية في تقييم حجم القدرات السوفيتية لإنتاج قنبلة هيدروجينية, فبدأت منذ ذلك الحين تتبع نهجا مختلفا معاكسا كرد فعل للإحراج الذي تعرضت له, فبالغت في قدراته الصاروخية, اعتمادا علي معلوماتها بأن الاتحاد السوفيتي يحتجز في معامله علماء ألمان, وطبقا للمحلل سيدني جرايبيل, فإن الاستخبارات الأمريكية توصلت إلي أن هناك فجوة بينها وبين الاتحاد السوفيتي في مجال الصواريخ, ولكن تبين فيما بعد عندما تولي جون كيندي الرئاسة, عبر صور بالأقمار الصناعية, أنه لا توجد فجوة بينهما لصالح الاتحاد السوفيتي بفعل أزمة الصواريخ الكورية.1962
|