|
صلاح عيسي
عاد شعار فلسطين قضية العرب المركزية للبروز مرة أخري في أعقاب الحصار الإسرائيلي لقطاع غزة, والاجتياح الغزاوي لحدود مصر, بعد أن اختفي وتراجع هذا الشعار, منذ توقيع اتفاقيات أوسلو, في بداية تسعينيات القرن الماضي. ولا أعرف- علي وجه التحديد- متي دخل شعار فلسطين.. قضية العرب المركزية إلي قاموس الشعارات العربية, ولا من الذي صكه, لكن الغالب أن ذلك حدث مع تصاعد المد القومي في ستينيات القرن الماضي, وأن الذي صاغه هو أحد فصائل الحركة القومية الراديكالية. أما المؤكد فهو أن الجميع قد تلقفوه بحماسة والتفوا حوله, من دون اتفاق علي تعريف دقيق له, ليصبح حجر الزاوية في الموقف الشعبي من المسألة الفلسطينية, وبالتالي جوهر الموقف الرسمي منها, بصرف النظر عما تخفيه صدور, وكواليس الأنظمة. الحقيقة التاريخية التي استند إليها وانطلق منها الشعار, تقول إن خطة زرع إسرائيل في المنطقة, هي- بالأساس- خطة استعمارية, عبر عنها عام1840, اللورد بالمرستون, وزير خارجية بريطانيا آنذاك, الذي قال: ستكون فلسطين اليهودية سدا في وجه أي محاولات شريرة لإنشاء دولة عربية تضم مصر والشام, وتهدد مصالحنا من جديد, أما الهدف الاستعماري وراء دعم إنشاء دولة للصهاينة في فلسطين, هو إقامة دولة حاجز تحول دون توحيد العالم العربي, فمن المنطقي أن تكون إزالة هذا الحاجز, هي هدف الساعين لتوحيد العالم العربي, وأن يكون تحرير فلسطين هو قضية العرب المركزية. في التطبيق تحول هذا الشعار المنطقي إلي سلوك غير منطقي تماما. فالعرب- أنظمة ومنظمات- الذين لم يتفقوا خلال أكثر من نصف قرن علي رؤية واحدة تجاه توحيد العالم العربي. كان طبيعيا ألا يتفقوا كذلك علي وسائل التعامل مع قضيتهم المركزية, وأن يختلفوا أو أن يتعمدوا الاختلاف حول هذه الوسائل, ليتحول الشعار- مع الزمن- إلي مجرد فزاعة, تستثمرها الأنظمة والمنظمات في الحروب الدعائية فيما بينها وترفعها في وجه أصحاب القضية الأصليين, وهم الفلسطينيون, الذين لم يعد من حقهم أن ينفردوا بالتعامل مع قضية بلادهم, أو حتي أن يكون لهم مجرد رأي في التعاطي مع تداعياتها, إذ هي- طبقا للمفهوم السائد للشعار- ليست قضيتهم, بل قضية العرب المركزية. وحتي بعد أن تنبه العرب متأخرا وعلي مشارف وفي أعقاب هزيمة1967 إلي خطئهم, وإلي أهمية وضرورة تأسيس كيان سياسي ينطق باسم أصحاب القضية الأصليين, يسعي لحشد تأييد دولي لها, ويكون طرفا في أية تسوية تتعلق بها, هو منظمة التحرير الفلسطينية, فقد ظلت المنظمة تعاني تدخلات بعض الأنظمة العربية, التي حرصت علي أن تؤسس فصائل للمقاومة الفلسطينية, تتبني سياساتها, ولا تكف عن محاولة جذب منظمة التحرير لتبني هذه السياسات, لتتحول المنظمة مع الزمن من كيان فلسطيني يتبني خيارات أصحاب القضية إلي ساحة للحروب الباردة والساخنة والتحرشات التافهة بين الأنظمة العربية. وكان لابد وأن يأتي الوقت الذي يشعر فيه الفلسطينيون بأن شعار فلسطين قضية العرب المركزية قد عطل إرادتهم في التعامل مع قضيتهم, ورهنها بإرادة عالم عربي يستثمرها لمصالحه قبل مصالحهم, وربما ضد هذه المصالح, فقرروا أن يأخذوا الأمر بأيديهم, وشدوا رحالهم إلي أوسلو, ليوقعوا مع الإسرائيليين علي أسس لتسوية قضية العرب المركزية من دون أن يعرف أحد من العرب. وبصرف النظر عن الصواب والخطأ في موقف الفلسطينيين الذين شدوا الرحال إلي أوسلو, فإن ما فعلوه هو النتيجة المنطقية للفهم المغلوط, الذي ساد في مرحلة المد القومي العروبي, لطبيعة الموقف الصحيح الذي يتوجب علي العرب- أنظمة ومنظمات وشعوبا- أن يتخذوه لمساندة بعضهم البعض في صراعهم من أجل الحصول علي حقوقهم الوطنية, وللمنهج الخاطئ في فهم العلاقة بين ما هو قومي وما هو قطري. جوهر الخطأ في هذا المنهج, هو أن يخلق نوعا من البطريركية القومية تفرض وصاية شبح, اسمه الأمة, علي شعوب الأقطار العربية المختلفة, عبر الضغوط الإعلامية, التي يمارسها الذين يزعمون لأنفسهم بأنهم يتكلمون باسم هذه الأمة. واستنادا إلي هذه البطريركية القومية, وقعت أخطاء وخطايا في حق الشعب الفلسطيني, كان من بينها مثلا, أن الأنظمة العربية قررت أن تخوض حرب1948, ضد ما كان يعرف آنذاك بالعصابات الصهيونية, بجيوشها الرسمية, بينما كان كثيرون, بما في ذلك قادة الحركة الوطنية الفلسطينية آنذاك, يرون أن مشاركة سبعة جيوش عربية في مواجهة عسكرية مع مجرد عصابات صهيونية, يتيح لهذه العصابات فرصة واسعة للحصول علي عطف شعوب العالم, وعلي دعم حكوماتهم. وكان من بين ما ترتب علي هذا الخطأ, أن الجيوش العربية التي دخلت فلسطين, وجدت نفسها أمام قري وبلدات ومدن مختلطة, تجمع في تركيبتها السكانية بين أصحاب الأرض الأصليين, وبين المهاجرين الصهاينة, فقد زعمت بأن وجود الفلسطينيين في هذه البلدات يعرقل مجهودها الحربي, خشية أن تطولهم قذائفها أو رصاصاتها, ونصحتهم بمغادرتها, لتسهيل مهمة تحريرها, علي وعد بأن يعودوا إليها خلال أيام, فخرجوا ولم يعودوا, وتوزعوا بين مخيمات اللاجئين في داخل فلسطين, أو في دول الجوار العربي, واستولي الصهاينة علي بيوتهم وأراضيهم, وتخلصوا منهم إلي الأبد. في التطبيق انتهي شعار فلسطين قضية العرب المركزية إلي حرمان الشعب الفلسطيني من أن يناضل لتحرير وطنه المحتل, لأن قرار الحرب ضد المحتلين لم يعد في يده, بل أصبح في يد الأمة كلها, ولأن مهمة التحرير لم تعد مهمته, ككل شعب يخضع للاحتلال, بل أصبحت مهمة هذه الأمة, فكانت النتيجة أن تحول من شعب صاحب قضية إلي مجموعة من اللاجئين المجردين من السلاح, ينتظرون قرار مركز الأمة, بشن الحرب علي إسرائيل, لتسترد لهم وطنهم المغتصب, بينما لا يعرفون ولا يعرف أحد في الأمة كلها, أين يقع هذا المركز علي خريطتها التي تمتد من الخليج الثائر إلي المحيط الهادر. ما تجاهله كل الذين ظلوا لسنوات يرفعون هذا الشعار, هو إدراك الفارق بين البطريريكية القومية, والتضامن القومي, فتحرير أي شعب أو بلد عربي من الاحتلال أو الضغوط الأجنبية, هو أساس مهمة القوي الوطنية في هذا البلد, وهي حرة في أن تحدد الأسلوب الذي تتبعه لتحقيق هذا الهدف, طبقا لإمكاناتها وظروفها وتقديراتها السياسية, وليست من حق أحد غيرها أن يرسم لها, أو أن يملي عليها خططه, لكن علينا جميعا كعرب أن نلتف من حولها, وأن ندعم خياراتها السياسية, وأن نساعدها في الحدود التي تطلبها, وبالإمكانات التي يستطيعها كل منا. وقد يبدو غريبا أن ترتبط محاولة إحياء شعار فلسطين قضية العرب المركزية هذه الأيام, بالحصار الإجرامي الذي تعرض له سكان قطاع غزة, وأن تصدر عن حكومة غزة وحدها, وعن المتعاطفين معها, في محاولة لدفع الحكومات والشعوب العربية, لفك هذا الحصار, وهو مطلب مشروع, وأحد واجبات التضامن مع الشعب الفلسطيني, لكن ذلك لا صلة له بالشعار, الذي لم يعد له أي معني, علي أي صعيد, لأن فلسطين لم تعد منذ زمن طويل قضية العرب المركزية, ولم تعد كذلك قضية الفلسطينيين المركزية.
|