الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 المحطة الاخيرة
3

قضية الفلسطينيين المركزية

السبت 16 / 2 / 2008

صلاح عيسي


عاد شعار فلسطين قضية العرب المركزية للبروز مرة أخري في أعقاب الحصار الإسرائيلي لقطاع غزة‏,‏ والاجتياح الغزاوي لحدود مصر‏,‏ بعد أن اختفي وتراجع هذا الشعار‏,‏ منذ توقيع اتفاقيات أوسلو‏,‏ في بداية تسعينيات القرن الماضي‏.‏
ولا أعرف‏-‏ علي وجه التحديد‏-‏ متي دخل شعار فلسطين‏..‏ قضية العرب المركزية إلي قاموس الشعارات العربية‏,‏ ولا من الذي صكه‏,‏ لكن الغالب أن ذلك حدث مع تصاعد المد القومي في ستينيات القرن الماضي‏,‏ وأن الذي صاغه هو أحد فصائل الحركة القومية الراديكالية‏.‏
أما المؤكد فهو أن الجميع قد تلقفوه بحماسة والتفوا حوله‏,‏ من دون اتفاق علي تعريف دقيق له‏,‏ ليصبح حجر الزاوية في الموقف الشعبي من المسألة الفلسطينية‏,‏ وبالتالي جوهر الموقف الرسمي منها‏,‏ بصرف النظر عما تخفيه صدور‏,‏ وكواليس الأنظمة‏.‏
الحقيقة التاريخية التي استند إليها وانطلق منها الشعار‏,‏ تقول إن خطة زرع إسرائيل في المنطقة‏,‏ هي‏-‏ بالأساس‏-‏ خطة استعمارية‏,‏ عبر عنها عام‏1840,‏ اللورد بالمرستون‏,‏ وزير خارجية بريطانيا آنذاك‏,‏ الذي قال‏:‏ ستكون فلسطين اليهودية سدا في وجه أي محاولات شريرة لإنشاء دولة عربية تضم مصر والشام‏,‏ وتهدد مصالحنا من جديد‏,‏ أما الهدف الاستعماري وراء دعم إنشاء دولة للصهاينة في فلسطين‏,‏ هو إقامة دولة حاجز تحول دون توحيد العالم العربي‏,‏ فمن المنطقي أن تكون إزالة هذا الحاجز‏,‏ هي هدف الساعين لتوحيد العالم العربي‏,‏ وأن يكون تحرير فلسطين هو قضية العرب المركزية‏.‏
في التطبيق تحول هذا الشعار المنطقي إلي سلوك غير منطقي تماما‏.‏
فالعرب‏-‏ أنظمة ومنظمات‏-‏ الذين لم يتفقوا خلال أكثر من نصف قرن علي رؤية واحدة تجاه توحيد العالم العربي‏.‏ كان طبيعيا ألا يتفقوا كذلك علي وسائل التعامل مع قضيتهم المركزية‏,‏ وأن يختلفوا أو أن يتعمدوا الاختلاف حول هذه الوسائل‏,‏ ليتحول الشعار‏-‏ مع الزمن‏-‏ إلي مجرد فزاعة‏,‏ تستثمرها الأنظمة والمنظمات في الحروب الدعائية فيما بينها وترفعها في وجه أصحاب القضية الأصليين‏,‏ وهم الفلسطينيون‏,‏ الذين لم يعد من حقهم أن ينفردوا بالتعامل مع قضية بلادهم‏,‏ أو حتي أن يكون لهم مجرد رأي في التعاطي مع تداعياتها‏,‏ إذ هي‏-‏ طبقا للمفهوم السائد للشعار‏-‏ ليست قضيتهم‏,‏ بل قضية العرب المركزية‏.‏
وحتي بعد أن تنبه العرب متأخرا وعلي مشارف وفي أعقاب هزيمة‏1967‏ إلي خطئهم‏,‏ وإلي أهمية وضرورة تأسيس كيان سياسي ينطق باسم أصحاب القضية الأصليين‏,‏ يسعي لحشد تأييد دولي لها‏,‏ ويكون طرفا في أية تسوية تتعلق بها‏,‏ هو منظمة التحرير الفلسطينية‏,‏ فقد ظلت المنظمة تعاني تدخلات بعض الأنظمة العربية‏,‏ التي حرصت علي أن تؤسس فصائل للمقاومة الفلسطينية‏,‏ تتبني سياساتها‏,‏ ولا تكف عن محاولة جذب منظمة التحرير لتبني هذه السياسات‏,‏ لتتحول المنظمة مع الزمن من كيان فلسطيني يتبني خيارات أصحاب القضية إلي ساحة للحروب الباردة والساخنة والتحرشات التافهة بين الأنظمة العربية‏.‏
وكان لابد وأن يأتي الوقت الذي يشعر فيه الفلسطينيون بأن شعار فلسطين قضية العرب المركزية قد عطل إرادتهم في التعامل مع قضيتهم‏,‏ ورهنها بإرادة عالم عربي يستثمرها لمصالحه قبل مصالحهم‏,‏ وربما ضد هذه المصالح‏,‏ فقرروا أن يأخذوا الأمر بأيديهم‏,‏ وشدوا رحالهم إلي أوسلو‏,‏ ليوقعوا مع الإسرائيليين علي أسس لتسوية قضية العرب المركزية من دون أن يعرف أحد من العرب‏.‏
وبصرف النظر عن الصواب والخطأ في موقف الفلسطينيين الذين شدوا الرحال إلي أوسلو‏,‏ فإن ما فعلوه هو النتيجة المنطقية للفهم المغلوط‏,‏ الذي ساد في مرحلة المد القومي العروبي‏,‏ لطبيعة الموقف الصحيح الذي يتوجب علي العرب‏-‏ أنظمة ومنظمات وشعوبا‏-‏ أن يتخذوه لمساندة بعضهم البعض في صراعهم من أجل الحصول علي حقوقهم الوطنية‏,‏ وللمنهج الخاطئ في فهم العلاقة بين ما هو قومي وما هو قطري‏.‏
جوهر الخطأ في هذا المنهج‏,‏ هو أن يخلق نوعا من البطريركية القومية تفرض وصاية شبح‏,‏ اسمه الأمة‏,‏ علي شعوب الأقطار العربية المختلفة‏,‏ عبر الضغوط الإعلامية‏,‏ التي يمارسها الذين يزعمون لأنفسهم بأنهم يتكلمون باسم هذه الأمة‏.‏
واستنادا إلي هذه البطريركية القومية‏,‏ وقعت أخطاء وخطايا في حق الشعب الفلسطيني‏,‏ كان من بينها مثلا‏,‏ أن الأنظمة العربية قررت أن تخوض حرب‏1948,‏ ضد ما كان يعرف آنذاك بالعصابات الصهيونية‏,‏ بجيوشها الرسمية‏,‏ بينما كان كثيرون‏,‏ بما في ذلك قادة الحركة الوطنية الفلسطينية آنذاك‏,‏ يرون أن مشاركة سبعة جيوش عربية في مواجهة عسكرية مع مجرد عصابات صهيونية‏,‏ يتيح لهذه العصابات فرصة واسعة للحصول علي عطف شعوب العالم‏,‏ وعلي دعم حكوماتهم‏.‏
وكان من بين ما ترتب علي هذا الخطأ‏,‏ أن الجيوش العربية التي دخلت فلسطين‏,‏ وجدت نفسها أمام قري وبلدات ومدن مختلطة‏,‏ تجمع في تركيبتها السكانية بين أصحاب الأرض الأصليين‏,‏ وبين المهاجرين الصهاينة‏,‏ فقد زعمت بأن وجود الفلسطينيين في هذه البلدات يعرقل مجهودها الحربي‏,‏ خشية أن تطولهم قذائفها أو رصاصاتها‏,‏ ونصحتهم بمغادرتها‏,‏ لتسهيل مهمة تحريرها‏,‏ علي وعد بأن يعودوا إليها خلال أيام‏,‏ فخرجوا ولم يعودوا‏,‏ وتوزعوا بين مخيمات اللاجئين في داخل فلسطين‏,‏ أو في دول الجوار العربي‏,‏ واستولي الصهاينة علي بيوتهم وأراضيهم‏,‏ وتخلصوا منهم إلي الأبد‏.‏
في التطبيق انتهي شعار فلسطين قضية العرب المركزية إلي حرمان الشعب الفلسطيني من أن يناضل لتحرير وطنه المحتل‏,‏ لأن قرار الحرب ضد المحتلين لم يعد في يده‏,‏ بل أصبح في يد الأمة كلها‏,‏ ولأن مهمة التحرير لم تعد مهمته‏,‏ ككل شعب يخضع للاحتلال‏,‏ بل أصبحت مهمة هذه الأمة‏,‏ فكانت النتيجة أن تحول من شعب صاحب قضية إلي مجموعة من اللاجئين المجردين من السلاح‏,‏ ينتظرون قرار مركز الأمة‏,‏ بشن الحرب علي إسرائيل‏,‏ لتسترد لهم وطنهم المغتصب‏,‏ بينما لا يعرفون ولا يعرف أحد في الأمة كلها‏,‏ أين يقع هذا المركز علي خريطتها التي تمتد من الخليج الثائر إلي المحيط الهادر‏.‏
ما تجاهله كل الذين ظلوا لسنوات يرفعون هذا الشعار‏,‏ هو إدراك الفارق بين البطريريكية القومية‏,‏ والتضامن القومي‏,‏ فتحرير أي شعب أو بلد عربي من الاحتلال أو الضغوط الأجنبية‏,‏ هو أساس مهمة القوي الوطنية في هذا البلد‏,‏ وهي حرة في أن تحدد الأسلوب الذي تتبعه لتحقيق هذا الهدف‏,‏ طبقا لإمكاناتها وظروفها وتقديراتها السياسية‏,‏ وليست من حق أحد غيرها أن يرسم لها‏,‏ أو أن يملي عليها خططه‏,‏ لكن علينا جميعا كعرب أن نلتف من حولها‏,‏ وأن ندعم خياراتها السياسية‏,‏ وأن نساعدها في الحدود التي تطلبها‏,‏ وبالإمكانات التي يستطيعها كل منا‏.‏
وقد يبدو غريبا أن ترتبط محاولة إحياء شعار فلسطين قضية العرب المركزية هذه الأيام‏,‏ بالحصار الإجرامي الذي تعرض له سكان قطاع غزة‏,‏ وأن تصدر عن حكومة غزة وحدها‏,‏ وعن المتعاطفين معها‏,‏ في محاولة لدفع الحكومات والشعوب العربية‏,‏ لفك هذا الحصار‏,‏ وهو مطلب مشروع‏,‏ وأحد واجبات التضامن مع الشعب الفلسطيني‏,‏ لكن ذلك لا صلة له بالشعار‏,‏ الذي لم يعد له أي معني‏,‏ علي أي صعيد‏,‏ لأن فلسطين لم تعد منذ زمن طويل قضية العرب المركزية‏,‏ ولم تعد كذلك قضية الفلسطينيين المركزية‏.‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 16 / 2 / 2008
رقم العـدد
569
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg