|
د. عبدالعاطي محمد من المتعارف عليه بين المعنيين بالشأن العربي منذ عهد الاستقلال الوطني أن هناك تناقضا بين التوجه العام والسلوك في السياسة الخارجية لكل دولة عربية, وأن هذا التناقض كان دائما هو مبعث الأزمات والخلافات والكوارث التي وقعت بين هذه الدول أو ألمت بها, بينما شهدت المراحل القليلة التي ضاق فيها هذا التناقض ـ ولا نقول اختفي ـ نجاحا ملحوظا في كبح هذه الأزمات ووأدها أيضا وتحقيق قدر كبير من الاستقرار وحرية الحركة ودعم السيادة الوطنية. فالتوجه العام الذي تعلنه كل دولة بل وتسجله في مواثيقها وتكرره دائما في خطابها السياسي نحو شعبها والشعوب العربية جمعاء, هو أنها تعتز بقيمة القومية العربية أو بالعروبة وأنها لا تخطو خطوة في الساحة العربية سياسيا أو اقتصاديا أو ثقافيا إلا وبررتها بأن ذلك هو من أجل التأكيد علي هذا التوجه العام, أي ترسيخ قيمة القومية العربية, وبالمقابل فإنه من حيث التطبيق غالبا ما كانت للدول ـ كل علي انفراد ـ اهتماماتها الخاصة أو مصالحها الوطنية المختلفة عن هذا التوجه العام ومن ثم تتم ترجمة ذلك إلي مواقف متناقضة مع التوجه العروبي! وقد أعادتني هذه الحقيقة التي يتسم بها الوضع العربي العام إلي واقع ما يجري في الوقت المعاصر علي خلفية التدخلات الخارجية القوية في الشأن الداخلي العربي, وما تجدد من أزمات بين الدول العربية بخصوص الوضع في العراق ولبنان. ولكن ما يعيد مناقشة هذه الحقيقة بشكل أكثر إثارة هو التوقف عند ما يشوب العلاقة المتوترة بين مصر والفلسطينيين بسبب ما جري عند اقتحام معبر رفح وتحريك ملف الأمن القومي المصري وضبط الحدود والبحث في ترتيبات أمنية تتخذها كل من إسرائيل ومصر لتجنب انفجار قنبلة سياسية كانت إسرائيل في الحقيقة هي التي صنعتها وحاولت تفجيرها في وجه مصر, وأقصد بحث تصدير أزمة غزة إلي مصر إلي درجة التفكير في اقتطاعها عن الأرض الفلسطينية المحتلة ثم رد مصر بإعلان رفضها لسياسات العقاب الجماعي الإسرائيلية للفلسطينيين وتحديدا لأبناء غزة بغض النظر عن الخلاف القائم بين مصر وحماس.. *** ومع أن حقيقة التناقض بين التوجه العام والاهتمامات الخاصة ليست وليدة اليوم فالتاريخ العربي مليء بمشاهد عديدة تؤكدها, إلا أن ما استجد عليها منذ غزو العراق للكويت عام1990 وما تلي الاحتلال الأمريكي للعراق عام2003 أدي إلي تطورين بالغي الخطورة فمن ناحية تواري التوجه العام نحو الالتزام بقيمة القومية العربية وأصبح بمثابة الديباجة الشكلية التي تتقدم كل موقف عربي معاصر, ومن ناحية أخري تعمقت التناقضات علي صعيد السلوك بين الدول العربية. ولعل هذا التطور الثاني هو السبب الرئيسي الذي أطاح بمفهوم الأمن القومي العربي وزاد من هشاشة مفهوم الأمن الوطني لكل دولة عربية علي حدة. وأزيد علي ذلك أن استمرار الصراع العربي الإسرائيلي دون حل زاد من عمق التناقضات علي صعيد السلوك لكل دولة, وأعاد المنطقة العربية إلي نقطة الصفر من حيث كيفية صياغة الأمن القومي لها ككل, في ظل ضغوط دولية بالغة القسوة من ناحية وغياب المشروع الوطني الواضح والمستقل لكل دولة من ناحية أخري, بما يعني أن المنطقة أصبحت أكثر عرضة للتهديد بينما قدراتها أقل علي المواجهة قياسا علي ما يحتمه العصر من استعدادات. ومن المنطقي وسط هذه الظروف أن تزداد الحملة علي الانتماء القومي لكل دولة عربية وكأنها محاولة للهروب إلي الأمام, تزيد الوضع العربي هشاشة وتضعف في الوقت نفسه المصالح الإستراتيجية لكل دولة علي حدة.. ومن المنطقي أيضا أن ترتفع بعض الأصوات لتدفع في اتجاه جر المنطقة العربية إلي مواجهة مع القوي الأجنبية التي تهدد أمنها القومي ومع إسرائيل باعتبار أن ذلك هو الحل للخروج من الوضع المتأزم للدول العربية, فرادي أو جماعات, طالما أن فترات التقارب الوثيق بين المد القومي والاهتمامات الخاصة للدول العربية كانت شاهدا علي استقرار وأمان المنطقة وتعزيز سيادتها الوطنية. ولكن دعاة الانعتاق من العروبة ودعاة الدفع نحو تثوير وقومجية المنطقة لا يقدم كل منهما الاختيار الممكن والأفضل للتخلص من الوضع العربي المأزوم, فمستجدات الحاضر لا تبرر هذا الانعتاق كما أنها لا تبرر إعادة التاريخ إلي الوراء, وإنما تتطلب تصحيح المشروع الوطني لكل دولة عربية لأن هذا التصحيح سيقود في النهاية إلي إعادة الاعتبار لقيمة القومية العربية من ناحية وتخفيض درجة ومظاهر التناقضات علي صعيد السلوك للدول العربية فرادي وجماعات من ناحية أخري.. *** إن الذين يريدون إهالة التراب علي قيمة القومية العربية وتحميلها مسئولية كل ماجري من كوارث عربية, عليهم أن يقدموا الحقيقة متكاملة للرأي العام لا أن يعرضوها مجزأة وعلي طريقة ولا تقربوا الصلاة. لقد غزا صدام الكويت باسم القومية العربية وفقا لما كان يقول ويردد, ولكنه كان يريد حل مشكلاته الاقتصادية علي حساب دولة شقيقة هي الكويت بأن يلتهمها لكي يبقي نظامه المتهالك ويوفر القدرات الاقتصادية لشعبه بعد ثماني سنوات من الحرب مع إيران. ولم يعقل أحد ادعاءاته بأنه غزا الكويت لدواع قومية, وبالمثل فإن من ساروا خلفه برروا تضامنهم معه لأسباب قومية, بينما في الحقيقة كانوا يريدون تحقيق اهتمامات خاصة لأنظمتهم وشعوبهم. في تلك الواقعة الخطيرة في حياة أمتنا العربية كان التناقض صارخا بين التوجه العام نحو قيمة القومية العربية وبين السلوك, أو بين ما يسمي بإدراك الدور وأداء هذا الدور. وعلي النقيض من ذلك تماما كان موقف مصر عندما حاول عبدالكريم قاسم احتلال الكويت في بدايات الستينيات من القرن الماضي, حيث استطاعت أن تجمع كلمة العرب علي رفض هذه المحاولة, بل عملت علي التصدي لها عمليا مما أدي إلي إفشالها, وآنذاك كان هناك توجه عام عربي نحو الالتزام بقيمة القومية العربية من ناحية ومشروع جيد للدولة الوطنية ممثل في النموذج المصري آنذاك انتصر لقيمة السيادة ورفض التدخل الخارجي وبناء القدرات الذاتية دون أي صورة من صور التبعية. وحتي في غزو العراق للكويت, كان الدور المصري واضحا في الانتصار لقيمة القومية العربية وتعزيز السيادة الوطنية في الوقت نفسه, وذلك عندما استطاع أن يجعل القمة العربية تتخذ موقفا جادا في مواجهة الغزو العراقي للكويت بما أسهم في عملية التحرير. ومن المنطلق نفسه خاطبت الدول العربية صدام حسين ونظامه قبل وقوع الاحتلال الأمريكي لتجنيبه الكارثة ولم يستمع لأحد لأنه كان قد وضع اهتماماته الخاصة الضيقة والمضادة للتوجه القومي في صدر أولوياته. *** لقد تخلصت الدول العربية من التصور القديم للتوجه القومي الذي كان يرتبط بتبرير التدخل في الشئون الداخلية, وأصبحت علي اتفاق بأهميته, خصوصا أن نماذج الوحدة العربية لم يعد لها وجود أو أي إمكانية للتحقق بما جعل هذه الدول لا تخشي من التوجه القومي وتعتبره بمثابة البديهيات التي لا نقاش حولها, ولكن المشكلة التي واجهتها في العقدين الأخيرين هي اتساع التناقضات بين مصالحها الخاصة وخوفها علي وحدتها الداخلية واستقرارها بعد أن ازدادت الضغوط الخارجية, وتم الترويج لمشاريع التقسيم وتفتيت المنطقة وبعد أن تفجرت في بعضها المشكلات العرقية والطائفية واحتدم الخلاف السياسي بين القوي المحلية الناشئة( سواء بفعل الاحتلال أم بحكم اهتزاز مكانة الدولة الوطنية). لم تعد الدول العربية تجادل حول مجموعة من القيم والاهتمامات المشتركة مثل العروبة والمشكلة الفلسطينية, ولكنها مشغولة ببنائها الداخلي أو بالأحري بصياغة مشروعها الوطني الذي يحقق لها الاستقرار والرفاهية والأمن. *** وعندما تتعمد إسرائيل إبقاء الصراع العربي معها دون حل, وعندما يتحدث البعض من الجانب العربي عن المقولة نفسها فإن ذلك يعيد خلط الأوراق مرة أخري لصالح إسرائيل من ناحية ومخطط التفتيت الأمريكي من ناحية أخري, لأن بقاء الصراع دون حل يعني أن طريق المقاومة مسدود, وكذلك طريق التفاوض السياسي ومن ثم تتحول تداعيات حالة عدم حل الصراع إلي عبء ثقيل ومقلق للأطراف العربية المعنية مباشرة بعملية السلام وتحديدا مصر في اتجاه دفع أمنها القومي إلي المجهول وبشكل منفرد طالما أن الأمن القومي العربي غير قائم. والخطأ التاريخي الذي وقعت فيه حماس أنها ساعدت إسرائيل علي تحقيق هذا الهدف, أي السعي إلي تعرية الأمن القومي المصري. فلم تعد الجبهة الشرقية آمنة ليس بفعل تهديدات الحرب حيث لا يعد هذا الاحتمال واردا في ضوء اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل, ولكن بفعل الفشل في تحقيق السلام وما يمكن أن يترتب عليه من تداعيات مثل اقتحام أبناء غزة للحدود أو طرح إسرائيل لفكرة اقتطاع غزة وترحيل مشكلاتها إلي مصر بكل ما يمثله ذلك من ضغوط علي السياسة الخارجية المصرية في المنطقة العربية. إن ما لم تنجح إسرائيل في تحقيقه بالحرب تسعي اليوم إلي تحقيقه بالضغوط السياسية وما لم ينجح الاستعمار الجديد في تحقيقه بتمزيق إرادة الأمة العربية وإقصاء الدور العربي من كل الملفات الساخنة, يسعي إلي تحقيقه اليوم بما يسمي بالفوضي الخلاقة التي من أبرز معالمها دفع أبناء المنطقة إلي التخلي عن عروبتهم.. ولكن الجماهير العربية بمشاعرها وفكرها الفطري تعي المخطط, وبات علي صانعي السياسة العربية أن يحولوا هذه المشاعر وذلك الفكر إلي إستراتيجيات جديدة للصمود وبناء القدرات الذاتية... هذه الجماهير هي التي ترد دائما علي أصوات الهدم ودعاة الفرقة لتقول لهم إن الحقائق تبقي حقائق لأنها جزء من حياة البشر لا يستطيعون اقتطاعه من أجسادهم وأهمها أن مصر تبقي قلب العروبة النابض وأن العروبة بالنسبة لها ليست عبئا عليها بل هي مطلب التاريخ والجغرافيا والمصلحة الوطنية.. ** من الأجندة: * عرفت رجاء النقاش إنسانا ودودا يترفع عن الصغائر والأحقاد, ومفكرا وناقدا أدبيا من طراز متميز ورفيع, وحكيما وفيلسوفا مؤمنا بالخيروالتقدم لمصر والعرب, وباحثا عن الحقيقة بتجرد المثقف الشامل, وصاحب القضية الذي لا يداري أو يساوم علي الخطأ. شخصية عزيزة النفس والكرامة بنت مجدها الثقافي بكفاحها الطويل في المتابعة والقراءة والتطوير لكل ما تجود به العقلية العربية من أصناف الإبداع. بكاه العالم العربي كله وحزنت مثل غيري من الملايين علي فراقه. تعرفت إليه عن قرب منذ أوائل التسعينيات عندما انضم إلي أسرة كتاب الأهرام بعد مغادرته لدار الهلال, وتوثقت بيننا العلاقة فكريا وإنسانيا حيث كنت مشرفا علي صفحة الكتاب في الأهرام, وكم كانت سعادتي كبيرة في كل الأوقات التي جمعتنا علي المستوي الشخصي في بيته بحدائق الأهرام وهو الذي اختار لي شقتي الجديدة منذ5 سنوات بالقرب منه ـ والتي لم أقم فيها بعد ـ وكنت قد قررت مع نفسي أن يكون هو أول الزائرين, وعندما حان الوقت لم أجده بعد أن اشتد عليه المرض وحرمنا منه.. وضاعت أحلامي التي بنيتها علي تعدد القاءات بحكم الجيرة مستقبلا.. وفي كل الأوقات معه شعرت بأنني في جلسة مع أحد العظماء من رواد النهضة المصرية حيث وجدت فيه الأفغاني ومحمد عبده والشيخ شلتوت ولطفي السيد وأحمد شوقي وطه حسين والعقاد والمازني ونجيب محفوظ ومحمود درويش وسميح القاسم والطيب صالح وصلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي وغيرهم مما تحفل به قائمة المبدعين المفكرين المصريين والعرب. وفي سنواته الأخيرة عاش ناسكا في محرابه الخاص ووسط مكتبته التي لا أبالغ إن قلت إنها تضاهي أكبر المكتبات عند أكبر مؤسساتنا الثقافية, يقرأ الحاضر بعيون ما ترسخ في الثقافة العربية من قيم وأفكار منذ نهضة محمد علي.. ولا يتسع المقام لعرض مسيرته الثرية والغزيرة متنقلا بين موقع وآخر في عالم الكتابة والصحافة. لقد فقدنا رمزا كبيرا من رموز الفكر والثقافة, ولكن أعماله ستبقي حية تخفف عنا آلام الفراق وتضيء للأجيال المعاصرة الطريق إلي عالم أفضل, ظل النقاش يحلم ويبشر به في كل كتاباته.. * أحببت مجدي مهنا مثل غيري من الملايين من قرائه, كاتبا صحفيا مدافعا عن الحق دون أي حسابات شخصية, ليبراليا مستقلا مؤمنا بقيمة الكلمة ومقاتلا شرسا من أجل الحرية والعدالة ونصرة المظلومين والمصلحة العامة. وفي كل معاركه الصحفية التي لم تهدأ يوما حافظ علي نعمة الحب التي وهبها الله له مع أصدقائه وأعدائه في الوقت نفسه, فأجبر الجميع علي احترامه وتقديره.. لم يملك في حياته سوي الكتابة الصادقة والهادفة وعشق مهمته إلي حد تحمله أقصي آلام يتعرض لها إنسان وهو في صراعه مع المرض اللعين حتي إنه كان يملي مقاله في الممنوع وهو في غرفة العناية المركزة. لم يجن مجدي مهنا ثروة مثل غيره من تجار الكلام, ولم يهتم بمنصب مثل كل أبناء المهنة وفضل أن يعيش راهبا في محراب الكلمة. وكان زاده في ذلك الحب والإعجاب والاحترام الذي ناله من الجميع معارضة وموالاة, ومن أكبر القيادات السياسية إلي المواطن البسيط. لقد غادر الحياة شابا وشعلة ظلت تحترق من أجل الآخرين, وهو من النماذج الفريدة التي يتدخل القدر القاسي ليوقف تدفقها, ولكن عزاءنا أنه أثر بالفعل في الرأي العام واكتسب حب الجميع ليبقي اسمه خالدا في بلاط صاحبة الجلالة..
|