|
تحقيق: رشا عامر- جيهان محمود كشفت المشاركة الإسرائيلية كضيف شرف في صالون باريس, الذي انتهت دورته منذ أيام عن أن الأدباء الصهاينة الذين شاركوا في هذه الفعالية وقعوا علي وثيقة رسمية تطالبهم بأن يقوموا بالدعاية اللازمة للدولة العبرية, قبل المشاركة بمناسبة مرور60 عاما علي اغتصابهم فلسطين. وعلي الجانب الآخر كشفت تلك المشاركة عن حالة الغضب والاحتجاج, التي لم تقدم أو تؤخر, أو تجعل هؤلاء الغاضبين أمام كاميرات الفضائيات, والسفارة الفرنسية في القاهرة, يفكرون في كيفية استغلال مناسبتين مهمتين, تحتل فيهما الثقافة العربية موقع ضيف شرف, الأولي في معرض لندن للكتاب الذي يعقد في الفترة من14 إلي16 إبريل الجاري, والثانية تمثل فيها مصر بمفردها ضيف شرف في معرض جنيف الدولي للكتاب في دورته الثانية والعشرين في الفترة من30 إبريل إلي4 مايو. المشاركة المصرية في معرض جنيف تتمثل في أحد وجوهها عبر الندوات, ولنتأمل العناوين: الخصوصية الثقافية والعولمة, مائة عام من الفن التشكيلي, الترجمة وحوار الحضارات, آثار مصر القديمة, المرأة في الثقافة المصرية, وهكذا يذهب المصريون إلي جنيف وكأنهم يذهبون إلي أحد معارض الكتب في العالم العربي, إنها نفس العناوين التي تناقش باستمرار في معرض القاهرة للكتاب..ويضم الوفد المصري عددا من المسئولين عن مؤسسات العمل الثقافي, وعددا من الكتاب مثل: المهندس إبراهيم المعلم, د. جابر عصفور, محمد سلماوي, علي أبوشادي, د. وحيد عبدالمجيد, د. زينب رضوان, د. عماد أبوغازي, د. مصطفي الفقي, بهاء طاهر, إبراهيم أصلان, أحمد عبدالمعطي حجازي, إدوار الخراط, آدم حنين, السيد يسين, وهي أيضا الوجوه ذاتها التي تتكرر من مؤتمر لآخر في عالمنا العربي. د. ناصر الأنصاري, رئيس لجنة الإعداد والتنفيذ لمشاركة مصر في معرض جنيف, يؤكد أن أهم شئ يجب الاضطلاع به في هذه الاحتفالية هو تقديم الثقافة المصرية والعربية للآخرين, والأهم من ذلك توضيح قيمتها الحقيقية, والتأكيد علي أنها ليست ثقافة عنف, فالعالم يعرف أن الحضارة المصرية حضارة, عمرها يزيد علي آلاف السنين, ومن هنا فإن الوفد المصري مهمته تقديم هذه الحضارة بالشكل الصحيح اللائق..وطبقا لوجهة نظر الأنصاري فإنه لا يستطيع أحد الحديث عن الفكر العربي- علي حد تعبيره- غير د. مصطفي الفقي, وكذلك زينب رضوان التي لن يستطيع أحد غيرها أيضا التحدث عن وضع المرأة في العالم العربي, إضافة إلي كل من نازلي مدكور الفنانة التشكيلية والدكتورة فايزة هيكل وفوزية العشماوي, وليلي الوكيل, أما في مجال الأدب فليس هناك أفضل من بهاء طاهر وإدوار الخراط, ويكفينا في المسرح د. سامح مهران, وعلي أبوشادي وسمير فريد في السينما, والسيد يسين في العولمة ومعه الدكتور أنور عبدالملك, وهناك بعض الأسماء الأخري المشاركة أيضا. والسؤال: هل هذه الأسماء هي التي تمثل إذا نظرنا إلي معرض جنيف العام الماضي, سنجد أن روسيا شاركت فيه ضيف شرف عبر17 كاتبا, منهم الروائيون وكتاب السيناريو ورؤساء تحرير المجلات الأدبية, بالإضافة إلي عدد كبير من الكتاب الجدد الذين ظهرت كتاباتهم بعد تقسيم الاتحاد السوفيتي, وتضمنت إبداعاتهم هذا الحدث وتأثيراته, لقد ذهبت بهم روسيا, لأنهم يمثلون موجة جديدة من الكتاب الذين كتبوا أعمالا أرخت لوضع اجتماعي جديد, فأين إذن مصر من كتابها الجدد؟ ولماذا لم يشاركوا في هذه الفعالية؟ يرفض د. ناصر الأنصاري المقارنة مع أية دولة باعتبار أن مصر دولة رائدة في معارض الكتب, والدليل علي ذلك أننا أطفأنا40 شمعة هذا العام في عمر معرض القاهرة الدولي للكتاب, موضحا أنه لا يستطيع أن يقدم الثقافة المصرية للآخر إلا من خلال الخبرات, إذ كيف يواجه هذا الآخر ويقدم له ثقافتنا بكتاب جدد لا يعرفهم أحد ولا يثق هو في مدي استطاعتهم أن يتحدثوا للآخرين؟! بعيدا عن فكرة المقارنة مع الدول الأخري, وإمكانية قبولها أو رفضها دعونا ننظر إلي المشاركة الإسرائيلية في صالون باريس للكتاب, فقد تنوعت أعمار الكتاب المشاركين, وكان بينهم عدد من مصممي الرسوم المتحركة ورسامي الكاريكاتير ومؤلفي كتب الأطفال ومن شاركوا في الحروب الإسرائيلية ضمن صفوف الجيش الإسرائيلي, والجميع يجيد أكثر من لغة, وأيضا معظم أعمالهم إن لم تكن جميعها مترجمة إلي العديد من اللغات الأجنبية..ما نود أن نقوله هو إننا نريد ربط الأدب بقضايا تهم الإنسان, هذا ما أكده أيضا د. حسن طلب, الذي رأي أيضا أنه ليس من الضروري أن يكون صاحب الوظيفة قادرا علي التمثيل, بمعني أن الوفد الذي سيمثل مصر في معرض جنيف هو عبارة عن أصحاب مناصب أي موظفين في الوزارة وتمثيل الثقافة المصرية لا يجب أن يتم عن طريق الموظفين, فضلا عن أن كل المشاركين ينتمون إلي جيل واحد لا يوجد به أي تنوع, وكأن الثقافة المصرية توقفت عند هذا الجيل..المشكلة التي لا يعيها أغلب العاملين بوزارة الثقافة أنه عندما تتم دعوة مصر لهذا المعرض لا يجب التعامل مع الدعوة علي أنها نوع من أنواع الاستعراض, لكن يجب أن يكون هناك تمثيل حقيقي مكون من تيارات مختلفة تعطي صورا متنوعة عن الأدب المصري, أما هذه الطريقة فلن تعطي شيئا سوي صورة غاية في السلبية, إذ كان من الأجدر بهم أن يقدموا كل ما ينفي عن الإسلام شبهة الإرهاب, خصوصا في ظل هذه الهوجة العمياء, تلك التي يتعرض لها العرب والمسلمون في كل مكان..شئ آخر تحدث عنه الدكتور حسن طلب بشأن الندوات المقامة والتي من شأنها التعريف بالثقافة المصرية, إذ أن المشكلة من وجهة نظره ليست في عناوين الندوات, فكلها عناوين إلي حد ما عن الثقافة المصرية, لكن المشكلة تكمن فيما سيقال تحت هذه العناوين, فما المقصود بمائة سنة سينما؟ ما المحاور التي ستطرح تحت هذا العنوان الواسع؟ هل هي أطروحات محددة أم أنها كلام عام؟ كذلك الأمر بالنسبة للفن التشكيلي. المسألة فقط تحتاج إلي بعض التركيز وتحديد دقيق لشتي المحاور وعدم الاعتماد علي الكلام الأجوف. الروائي إدوار الخراط, أحد الأسماء المشاركة, وصف المشاركين بأنهم يمثلون كتيبة قوية واختيارا متوازنا جدا, لأن هؤلاء وحدهم يستطيعون تقديم الثقافة المصرية والعبرية بشكل لائق, كما أن المحاور المطروحة من وجهة نظره قوية جدا, وتحتاج إلي سلسلة معارض لا معرض واحد..ويتمني الخراط أن يستطيع الوفد المشارك تغطية ولو جانب واحد من الجوانب المكلف بها, فالمشكلة أن الكتيبة المشاركة والتي سبق أيضا وصفها بأنها الوحيدة القادرة علي تقديم الثقافة المصرية, يقع عليها عبء كبير وهو تعريف الآخر بثقافتنا المصرية, لذلك فعليهم أن يكتفوا بتقديم قطاع مهم من القطاعات الكثيرة للثقافة العربية..يعترف الجميع بمن في ذلك المشاركون في معرض جنيف, أن الآخر ينظر إلي العالم العربي والإسلامي علي أنه الإرهاب بعينه, هذا الآخر الذي لا يري من صورة المرأة الشرقية سوي المرأة التي تعرضت في طفولتها للختان, ثم عوملت علي أنها كائن درجة عاشرة لأنها أنثي, ثم أصبحت مضطهدة من قبل الجميع وأولهم المجتمع الذي تعيش فيه, هذا الآخر لايزال يتصور أننا في مصر لا نعرف سوي الصحاري في معيشتنا والجمال في تنقلاتنا, وإذا كان البعض يعرف أن هذا التصور خاطئ, فإن البعض الآخر لا يعرف ذلك..هذا الآخر يتصور أن الإسلام يحض علي القتال والعنف وتدمير كل ما هو مخالف له, وإذا كان الآخر لايزال يري كل ذلك, فهل نستطيع تغيير جانب من هذه الأفكار من خلال الفرصة المتاحة لنا في جنيف, أم أننا سنقع في الخطأ ذاته الذي وقعنا فيه إبان معرض فرانكفورت الدولي قبل سنوات عندما كان العرب ضيف شرف المعرض؟ د. رضوي عاشور كانت هناك في فرانكفورت, وأكدت أنه لو حدث في جنيف ما حدث في فرانكفورت لكانت كارثة بكل المقاييس, فقد فشل العرب والمصريون في فرانكفورت فشلا ذريعا, فالوفد المشارك كان أكبر مما يجب, فضلا عن أن الاختيار نفسه كان غير موفق, فالأسماء كما هي, وكأن الثقافة المصرية لم تنجب إلا هؤلاء, الأدهي من ذلك أن التنظيم كان في غاية السوء, وانتهي الأمر بالطبع بأن الكتاب كانوا يتحدثون لبعضهم البعض, بمعني أن المتحدثين والمتلقين كانوا عربا, أما أصحاب البلد أنفسهم فقد انصرفوا عنا. وتري د. رضوي عاشور أنه يجب التركيز علي تسويق الكتاب العربي, لأن هذه هي الفرصة الوحيدة لكي يكون العالم العربي في قلب الأحداث الثقافية, فمن المعروف أن الندوات لن تشهد إقبالا جماهيريا كبيرا, نظرا لأن هؤلاء لا يريدون إضاعة وقتهم في الاستماع إلي خطب, إذن فلنستغل الفرصة ونعمل علي تسويق الكتاب, والأفضل أن تكون هناك مجموعة كبيرة من الكتب المترجمة, فضلا عن عدد كبيرمن المترجمين والأدباء الذين تمت ترجمة كتبهم لكي يستطيع الجمهور التواصل معهم..ولعل هذه النقطة تحديدا هي التي اتفق معها الروائي يوسف أبورية الذي قال عن تصوراته لإمكانية إنجاح دور مصر في معرض جنيف أن يتم ذهاب الأدباء والمبدعين, خصوصا ممن لهم روايات مترجمة إلي الفرنسية والإنحليزية, لكي يحدث تواصل بين الكاتب أو المبدع وبين الجمهور الذي سيقرأ له, لاسيما لو حدث ما يعرف بحفلات التوقيع, فهذه الحفلات لها شأن كبير في الغرب وتعد أحد المسببات الرئيسية في بيع الكتاب من عدمه, خصوصا عندما يكون مؤلف هذا الكتاب يمثل الآخر بالنسبة لهم. يقول أبورية: بالنسبة للمحاور التي ستتم مناقشتها فيجب أن تتناول ما هو أكثر أهمية وهو نظرة الآخر لنا علي أننا تابع في الثقافة باعتبارنا تابعا في الاقتصاد, فالآخر ينظر لنا علي أن الأدب العربي ما هو إلا وثيقة اجتماعية خالية من أي إبداع, كذلك هذا الآخر ينظر إلينا علي أننا منسوبون إلي الإرهاب والختان والاضطهاد, إذن نريد محاور تفند كل ذلك..الكاتبة سكينة فؤاد تري أن الإشكالية تقع في كيفية جعل الحدث الثقافي علي مستوي التحديات العالمية في ظل ندرة تجسيد وزن مصر الثقافي وقلة اتصالها بالرأي العام الغربي, فما أكثر الاحتفاليات التي تكون في النهاية حوارا مع الذات, والإشكالية الأكبر أن الثقافة العربية أصبحت في نظر الغرب ثقافة مهتزة يشوبها الكثير من السلبيات, خصوصا مع الدور الذي تلعبه إسرائيل في تشويه صورة الثقافة المصرية والعربية. عناوين الندوات المطروحة لم تلق اهتماما شديدا من سكينة فؤاد, لأنها رأت أن الأهم هو قوة الوفد الذي سيمثل مصر ومدي قدرته علي لفت أنظار المجتمع الغربي والاتصال بالشخصيات المؤثرة وتحويل الاحتفالية إلي حدث يتصل ويجذب المجتمع كله, فالمسألة ليست في عدد الندوات, ولا ما الذي ستناقشه, المسألة هي كيفية جعل هذا الحدث الثقافي علي مستوي التحديات العالمية, فالحدث جلل ولابد أن يشمل تمثيله جميع المجالات مع تنويع الوجوه والخبرات, وأن يتجاوز الاختيار أصحاب المناصب لكي تستعيد مصر دورها الثقافي*
|