الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 تحقيقات
3من شجرة الخلد‏..‏ إلي رغيف الخبز

رسالة في الفشر‏!‏

السبت 5 / 4 / 2008

محمد هلال


اعلم أيدك الله بروح منه أن هناك خيطا رفيعا أو قل شعرة صغيرة بين الفشر والكذب والمزع‏..‏ تماما مثل الخيط الرفيع بين العبقرية والجنون‏,‏ وعلي فكرة كلمة المزع لغة فصيحة بمعني أخبر ببعض الأمر ثم كتمه أيضا المزاع الذي لا يكتم سرا ومزع فلان يمينا إذا حلف‏.‏
مجرد شعرة أحيانا سوداء وأخري بيضاء وغيرها رمادية أو حتي صفراء‏,‏ حتي إننا أحيانا يختلط علينا الأمر ولا نستطيع التفرقة بين الفشر الذي هو إطلاق العنان للخيال ليحيل قصصا وهمية ولكنها طازجة ولا ضرر فيها بل تجلب الضحك والسعادة لمن يسمعها مثل الفشار العربي القديم ـ وللعرب في الفشر تاريخ عريق ـ الذي كان يباهي أن جده كان طويلا جدا حتي قيل إن رأسه يلامس السحاب‏,‏ فرد عليه من هو أفشر منه قائلا‏:‏ ألم يخبركم أنه كان يشعر بشيء ناعم فوق رأسه‏,‏ فقال دهشا وكيف عرفت ذلك؟‏!‏ فضحك قائلا‏:‏ إنها أقدام جدي‏.‏
أما الفشر الأسود فهو المغلف بالمكر والكذب والخداع وهذا النوع عريق في القدم‏,‏ وقد ارتبط بشجرة الحنطة التي هي القمح‏,‏ فقد قيل إنها شجرة الخلد التي همس بها إبليس في أذن أمنا حواء وأبينا ـ سامحهما الله ـ فطردهما الرحمن من الجنة يحملان تلك الشجرة التي ظلت تتكاثر في الأرض حتي أصبحت الغذاء الرئيسي للبشرية‏,‏ ولكنها اختفت من بر مصر في عهد د‏.‏ نظيف وتابعه الأخ د‏.‏ مصيلحي‏,‏ وقتل المصري أخاه المصري ـ كريم العنصرين ـ في طوابير العيش‏,‏ في الوقت الذي يؤكد فيه الدكتور الرئيس والدكتور الوزير أن الخبز موجود والدقيق علي قفا من يشيل‏.‏
أما الفشرة التي احمرت لها وجوه الصحفيين خجلا وضاقوا بها ذرعا بعد أن فضحهم التليفزيون المصري بقنواته الأرضية والفضائية وظل شريط الأخبار الأحمر أسفل الشاشة يمارس هذا الإذلال لعدة أيام‏,‏ وعرف الناس وخصوصا في أوروبا والدول المتقدمة أننا غلابة وشحاتين وكان الظن أن الصحفيين في أم الدنيا مصر يعيشون عيشة راضية بعيدا عن الاقتتال في جبهة طوابير العيش‏.‏
والمجهودات المضنية التي بذلها نقيب الصحفيين وهو رجل كبير السن والمقام ليعده د‏.‏ نظيف ثم يخلف بزيادة البدل النقدي‏200‏ جنيه يعني كام دولار بمعني أكثر إيضاحا وإيلاما وجبة كنتاكي لا تكفي لفردين هما معالي النقيب الذي زف إلينا الخبر وكأنه أخذ وعدا بعودة القدس السليب‏,‏ ومعالي الدكتور المهندس رئيس الوزراء الذي جعل يبتسم ويبتسم وكأن الـ‏200‏ جنيه سوف ندخل بها الجنة ـ جنة الدنيا ـ وليس الخلد طبعا‏.‏
عموما سامح الله من وعد وأخلف انطلاقا من المثل الشعبي القائل‏:‏ ربنا بيحب عبده الفشار ولا يحب عبده المكار‏..‏ ولكن المسئولين في زماننا جمعوا بين الحسنيين الفشر والمكر‏!!‏
ومن الطرائف ما كان يفعله الدكتور زكي أبوعامر في إعلانه عن الوظائف الخالية لشباب العاطلين‏,‏ فقد أصابتني حمي الإحصاء وقمت بتجميع عدد فرص العمل التي قالها الوزير فوجدتها أكثر عددا من الشعب المصري‏,‏ أذكر أنها كانت‏80‏ مليون فرصة عمل‏,‏ وكان الاقتراح ساعتها هو‏:‏ تصدير باقي فرص العمل للعاطلين في الدول الشقيقة والصديقة وتعود علينا بالعملة الصعبة
أما إمام المبدعين في في هذا المجال عصرنا هذا فهو السيد الرئيس جورج بوش ـ أبا وابنا ـ وما فعلاه بالعراق وأفغانستان وفلسطين من قبلهما لا يحتاج إلي شرح‏,‏ تارة بفشرة أسلحة الدمار الشامل وأخري بالقبض علي أسامة بن لادن‏,‏ وثالثة بالقضاء علي القاعدة‏,‏ ولم تظهر أسلحة ولا تم القبض علي أسامة‏,‏ وازدادت القاعدة تضخما واتساعا‏,‏ ولله في خلقه شئون‏.‏
أما أجمل الفشارين وأعذبهم روحا وأخفهم دما هو صاحب حرفة للتسول في القرية قديما‏,‏ تسمي المواوي وكانت قاصرة علي الرجال ـ ولا أدري لماذا؟ ـ فقد كان الرجل المواوية يأتي وفي يده رق أو طار وخلفه حمار أبيض اللون عليه الخرج الذي يضع فيه الأرز الأبيض والذرة‏,‏ وهكذا يسأل أولا عن اسم صاحب البيت‏,‏ ثم تراه رافعا صوته في غناء جهوري ناقرا علي الدف الذي في يده معددا شمائل الكرم الخيالية وصفات الناس الطيبين التي لا تطاق‏:‏ يا حاج فلان‏,‏ يا مغيث اللهفان‏,‏ ودارك مأوي لكل غلبان‏,‏ ياللي بتطلع تفل الشاي بالكراكة‏,‏ وتفرش اللحمة للمساكين علي عشرة فدادين‏.‏ وهكذا‏,‏ مع أن الحاج فلان يملك قوت يومه بالكاد‏.‏
أما فشر الأجداد عن الجن والعفاريت والتعامل مع الشياطين وأمنا الغولة التي عيونها بالطول وليس بالعرض ويطق منها الشرر‏,‏ ولا أدري لماذا كلمة أمنا مع أن الأم شيء رائع لا يجب أن توصف به الغولة‏,‏ فالحديث فيها طويل جدا‏,‏ بطول ليل الشتاء قبل دخول الكهرباء وفشر الأفلام والمسلسلات‏,‏ فقد كان للفشر ضرورة حتي يحلو السمر والسهر‏.‏
ومن طرائف الفشر المرتبط بالفهلوة تلك النكتة العراقية ـ أيام كانت العراق الوطن الثاني للمصريين ـ التي تقول إن الواحد من إخواننا المصريين إذا طلبت منه طبيبا قال لك أنا طبيب‏,‏ وإذا طالبت مهندسا قال أنا مهندس‏,‏ وهكذا حتي طلب عراقي رجلا كرديا فظنها المصري مهنة أو حرفة فقال بكل ثقة‏:‏ أنا أبوي اشتغل كردي عشر سنين‏.‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 5 / 4 / 2008
رقم العـدد
576
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg