الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 تحقيقات
3مع كثرة الناس والفضائيات والصحف..‏ كل العام أصبح إبريل

الفشارون يتزايدون

السبت 5 / 4 / 2008

أحمد أمين عرفات


رغم أن‏'‏ كذبة إبريل‏'‏ تقليد أوروبي قائم علي المزاح يقوم فيه بعض الناس في اليوم الأول من إبريل بإطلاق الشائعات أو الأكاذيب ويطلق علي من يصدق هذه الشائعات أو الأكاذيب اسم‏'‏ ضحية كذبة إبريل‏',‏ إلا أن للعرب والمصريين تاريخا طويلا في الفشر وهو الكذب غير الضار وربما القصد منه التباهي والفشخرة كما يقول الناس‏.‏ ويري البعض أن هناك علاقة قوية بين الكذب في أول إبريل وبين عيد‏'‏ هولي‏'‏ المعروف في الهند والذي يحتفل به الهندوس في‏31‏ مارس من كل عام وفيه يقوم بعض البسطاء بمهام كاذبة لمجرد اللهو والدعابة ولا يكشف عن حقيقة أكاذيبهم هذه إلا مساء اليوم الأول من إبريل‏.‏ وهناك جانب آخر من الباحثين في أصل الكذب يرون أن نشأته تعود إلي القرون الوسطي‏,‏ إذ إن شهر إبريل في هذه الفترة كان وقت الشفاعة للمجانين وضعاف العقول فيطلق سراحهم في أول الشهر ويصلي العقلاء من أجلهم وفي ذلك الحين نشأ العيد المعروف باسم عيد جميع المجانين‏,‏ أسوة بالعيد المشهور باسم عيد جميع القديسين‏.‏ والواقع أن كل هذه الأقوال لم تكتسب الدليل الأكيد لإثبات صحتها وربما كانت فشرة صحيحة فإن المؤكد أن قاعدة الكذب كانت ولاتزال أول إبريل‏,‏ ويعلق البعض علي هذا بالقول إن شهر إبريل يقع في فصل الربيع ومع الربيع يحلو للناس المداعبة والمرح‏.‏
بإمكانك الآن أن تصبح من الأثرياء وتعيش في القصور الفخمة وتحيط بك الحسناوات من عينة هيفاء وروبي وبنت عجرم واللاتي لا عمل لهن سوي خدمتك والوقوف علي راحتك‏..‏ فقط تابع بعض القنوات الفضائية وجاوب عن أسئلتهم الذكية مثل ما الشئ الذي يطير في السماء وله أجنحة ؟ أو ما الشئ الذي يوجد في المطبخ لنطهوا فيه الطعام ؟ ورغم صعوبة السؤال الأول إلا أن هناك من اتصل بالقناة وأجاب بأنها الحمامة وأصبح الآن يعيش حياة شهريار‏,‏ ورغم تعقيد السؤال التاني إلا أن من أجابت عن السؤال الثاني قائلة‏:'‏ إنها الحلة‏'‏ وأصبحت الآن ولا فشر الأميرة ديانا‏..‏ هذه إحدي صور الفشر التي تمارسها الفضائيات ليل نهار لإقناع الناس بالاتصال بها والاستيلاء علي أموالهم‏,‏ أما باقي صور الفشر فلا تعد ولا تحصي فالكل الآن يمارس الفشر علي الكل وبعد أن كان الفشر يرتبط بتصريحات الحكومة وبياناتها دخل المعارضون وصحفهم دائرة الفشر ولكنه فشر من النوع الأسود الذي يجعلك تري كل شئ لا أمل فيه
وإذا كان فشر المعارضين من النوع الأسود فعلي العكس تماما يكون فشر الحكومة من النوع الوردي الذي يجعلك تري الحياة بمبي وفل الفل وأن من يدعي وجود مشاكل ماهو إلا إنسان حاقد وقلبه أسود‏,‏ فالحكومة مثلا مازالت لا تمل من إعلانها أن الأسعار في انخفاض بينما الأسعار غول يطيح في غالبية الشعب المصري‏,‏ ولا تمل أيضا من كثرة ترديدها أن البطالة في طريقها إلي الانتهاء بسبب ملايين فرص العمل التي تعلن عنها كل يوم‏.‏ في حين أن البطالة أصبحت عفريت كل شاب‏..‏ كذلك تفشر بقولها إن الشفافية أساس التعامل مع الشعب بينما الوساطة والمحسوبية والرشاوي تستشري بشكل جعل الحكومة توزع كتيبا علي الموظفين من تأليف فضيلة المفتي يقول لهم‏:‏ إن الرشوة حرام وكأنها بذلك تريح ضميرها‏.‏
وعلي مدار التاريخ يوجد الفشر والفشارون في كل مكان فمثلا في عصر الدولة العباسية شهد عصرالمأمون الكثير من الفشارين‏,‏ وكان منهم من ادعي أنه يستطيع جعل المرأة العاقر تحمل وبالطبع لم يتجرأ من ينازعه في فشره وحدث أن وجه أحد الأشخاص للقاضي الشهير يحيي بن أكثم سؤالا وكانت له زوجة عاقر عم إذا كان يكذب هذا الفشار أو يصدقه؟ ولكن القاضي الفطن أجاب بأنه مؤمن بالفشار وليس بحاجة لتجربته‏.‏
ويعد جحا من أشهر الفشارين‏,‏ ومما يحكي عن فشره أن شخصا سأله‏:‏ إذا أصبح الصبح خرج الناس من بيوتهم إلي جهات شتي فلم لا يذهبون إلي جهة واحدة؟ فما كان من جحا إلا أن رد عليه بقوله‏:‏ إنما يذهب الناس إلي كل جهة حتي تحفظ الأرض توازنها أما لو ذهبوا في جهة واحدة فسيختل توازن الأرض وتميل وتسقط‏..‏ وعندما حاول صديق له أن ينبهه بأن فشره زاد علي الحد وعليه أن يقلل منه فأخبره جحا بأنه يفعل ذلك دون أن يدري وطلب منه أنه إذا رأه يفشر يسعل أو يتنحنح كأداة تنبيه له حتي يمكنه أن يعود إلي الحقيقة‏,‏ وماهي إلا ساعات حتي كان جحا يجلس وبجواره صديقه وسط جمع من الناس فقال جحا‏:‏ لقد بنيت مسجدا؟ قالوا له‏:‏ خيرا ما فعلت‏..‏ قال‏:‏ أما طوله فهو عشرين كيلومترا فتعجب القوم وقالوا‏:‏ إنه طويل جدا؟‏!‏ فسعل صديقه سعالا شديدا كاد أن يختنق منه فتنبه جحا وقال‏:‏ أما عرضه؟ وهنا أنصت القوم باهتمام فقال جحا‏:‏ فكان مترا‏!‏
ومن النماذج التي كان الناس يضربون بها المثل في الفشل هو أبولمعة فيقولون‏'‏ فشار ولا أبو لمعة‏'‏ وأبو لمعة كما يعرفه الكثيرون هو الممثل الراحل محمد أحمد المصري الذي اشتهر بفشره علي الخواجه‏'‏ بيجو‏'‏ في البرنامج الشهير‏'‏ ساعة لقلبك‏'‏ مثل قوله له‏:‏ بأنه هو الذي بني الأهرمات بمفرده وأنه استطاع هزيمة عشرة أسود بطلقة رصاص واحدة من بندقيته وأنه هرب من اللصوص بأن اختبأ في ماسورة المياه وبعد مغادرة اللصوص خرج من صنبور الماء نقطة نقطة وحكايات كثيرة يخترعها ولا يكتفي بها بل يظل يقدم الأدلة والبراهين التي تثبت صدقه وقد لا يعرف الكثيرون أن أبولمعة هذا شخصية من وحي خيال مؤلف ساعة لقلبك بل هي شخصية حقيقية صادفها محمد أحمد المصري عندما كان طالبا في الجامعة‏,‏ وكان له بعض الأصدقاء يسكنون عند مزلقان اسمه مزلقان المليجي وفي هذا المكان كان هناك رجل اسمه حسن منتصر أبولمعة‏'‏ يبيع بسبوسة ومشبك وحلويات وإلي جواره دكة مكسرة والزبائن كانوا يتزاحمون عليه لأن دمه خفيف وفشار نمرة واحد‏,‏ ووصل في فشره إلي أنه قال‏:‏ إن الملك فاروق جاء إليه وجلس علي الدكة المكسورة وطلب منه أن يذهب معه ليوزع معه بعض الأراضي الزراعية علي الفلاحين‏,‏ ولكن أبولمعة اعتذر لأنه ليس لديه وقت فما كان من الملك فاروق إلا أن استحلفه بحياة الملكة ناريمان أن يأتي معه فذهب معه من أجل عيون الملكة ناريمان‏!‏ ومن شدة إعجاب محمد أحمد المصري بشخصية أبولمعة بائع البسبوسة والذي كان يقول ما يقوله بجد وثقة شديدة قدمها للناس من خلال البرنامج الإذاعي ساعة لقلبك فحقق من خلالها شهرة كبيرة‏.‏
ومن الشخصيات التي اشتهرت بالفشر شخصية‏'‏ أبوالعربي‏'‏ الذي ينتمي إلي مدن القناة‏,‏ وكان يطلق عليه أستاذ الفشارين لدرجة أن أحدهم حاول يوما أن يتحداه في الفشر فقال له‏:‏ إمبارح الحاجة أمي جابت لنا من السوق حوت طوله عشرة أمتار وعملته لنا صيادية عجب‏'‏ فرد أبوالعربي عليه‏'‏ عشان كده بعتوا خدتوا الصينية بتاعتنا‏'‏
وذات يوم قابل أبوالعربي صديقا له يكره أمريكا فأراد أن يخفف عنه حدة غضبه فقال له‏'‏ شوف ياخي من غضب ربنا علي أمريكا خلاها في آخر الدنيا‏,‏ إنما مصر يادوب ساعتين بالبيجو‏'..‏ أيضا في إحدي المرات قابل أبوالعربي أحد الأشخاص فقال له‏:'‏ هو أبوك ماله بيتكبر علينا كده ليه‏..‏ من يوم ما مات ماحدش بيشوفه يعني ولا حتي بيسأل علينا‏'‏
وتردد أيضا أن تشرشل رئيس وزراء بريطانيا كان فشارا فمن القصص التي تؤكد ذلك أنه ذات يوم كان تشرشل جالسا في قطار وحده كالعادة‏,‏ ووجد أمامه رجلا كهلا يحدق فيه النظر ثم تشجع الرجل وسأله‏:‏ هل أنت السيد ونستون تشرشل الذي كان معي في مدرسة هاو الابتدائية المشتركة عام‏1882‏ م ؟ فأجاب تشرشل‏:‏ نعم‏.‏ فقال الرجل الكهل فاتحا ذراعيه بود‏:‏ أهلا يا صديقي القديم أين أنت الآن‏,‏ وماذا تعمل ؟ ستين عاما لم أسمع عنك شيئا‏!‏ فرد تشرشل‏:‏ لا شيء يا صديقي ولكني أعمل أحيانا رئيس وزراء بريطانيا العظمي فسلم الرجل منصرفا وهو يقول‏:‏ لايزال فشارا كما كان في طفولته‏!‏
والفشر نجده أيضا مرتبطا ببعض المهن والفئات في المجتمع وعلي رأسهم السماسرة والباعة ومروجو السلع والساسة وأدعياء العلم وأدعياء التقوي من المتشعوذين والدجالين والنصابين وغيرهم ممن يقسمون بالإيمان المغلظ إنهم لصادقون‏.‏ ولأن الفشر أصبح ظاهرة في حياتنا فقد اخترق أمثالنا الشعبية والأغاني والنكت فمن الأمثال الشعبية التي قيلت في الفشر‏'‏ فين عزمك يا فشار آدي السيف وآدي صاحب التار‏'‏ وأيضا‏'‏ الفشر والنشر والعشاء خبيزة‏'‏
وفي الأغاني هناك الكثير من الفشر ومن لا يصدق عليه أن ينتبه لكلمات الأغاني فعبد الحليم يقول‏'‏ ماسك الهوا بإديا‏'‏ وأيضا‏'‏ إني أتنفس تحت الماء‏'‏ ومحمد رشدي عندما يقول‏'‏ قلبي ياقلبي يابو الحياري والله لعملك شارع وحارة‏'..‏ أليس هذا فشر حتي وإن كان خيال شعراء؟‏!‏
أما النكت التي تقال علي الفشارين فهي كثيرة منها مرة أربعة فشارين واحد منهم قال أنا هشتري البرج والتاني قال أنا هشتري الأهرمات والتالت قال أنا بقي هشتري النيل ضحك الرابع وقالهم مين قالوكوا إن أنا هبعلكوا‏'..‏ أيضا‏..‏ مرة‏*‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 5 / 4 / 2008
رقم العـدد
576
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg