|
فهمي عمر عندما كنت أتلقي العلم طالبا في مدرسة قنا الثانوية, وكان ذلك في مطالع أربعينيات القرن الماضي كان يستفزني منظر جنود الاحتلال الذين كانوا يمرحون في شوارع المدينة ويعاقرون الخمر علي مقاهي شارع الجميل, وهو الشارع الرئيسي بالمدينة وهي المقاهي التي كان يملكها ويديرها الخواجات اليونانيون الذين كانوا ينتشرون انتشار النار في الهشيم في كل مدن مصر, بل وفي قراها أيضا, كانت الحرب العالمية الثانية مشتعلة الأوار في تلك السنوات وكانت منطقة الصحراء الشرقية الممتدة من قنا وحتي ميناء القصير وسفاجا علي البحر الأحمر تعج بمعسكرات جنود الامبراطورية البريطانية من كل صنف ولون, فهؤلاء جنود من أستراليا يمتازون بطول القامة والمناكب العريضة, وأولئك من الهنود أصحاب الذقون الطويلة وآخرون أصحاب بشرة سوداء من إفريقيا, وكانت هذه المعسكرات تملأ مساحات كبيرة من الصحراء الشرقية, حيث تأتي الإمدادات لقوات الإنجليز المحاربة في الساحل الشمالي الممتد من الإسكندرية وحتي حدود ليبيا من الشرق الأقصي من مواد غذائية وعتاد حربي ومجندين جدد فكانت معسكرات الصحراء شرق قنا وحتي موانيء البحر الأحمر تستقبل هذا العتاد وتشحنه في قطارات السكك الحديدية المصرية لتتجه به شمالا إلي القاهرة والإسكندرية ثم إلي المعسكرات علي طول الساحل الشمالي, وكانت فسحة ونزهة جنود الاحتلال في الصحراء الشرقية يقضونها في قنا, وكم من مشاحنات حدثت بينهم وبين الأهالي البسطاء, وكم من معارك كانت تقوم بينهم مع بعضهم البعض عندما تشعشع الخمر وتذهب بعقولهم, وكنا ونحن بعد في السنين الباكرة من عمرنا نري مساخر هؤلاء الجنود, ونحس بالألم النفسي يجتاحنا, ولكن ما حيلتنا وما هو العمل الذي يمكن أن نقوم به لننفس عما نلاقيه من ضيق, المتنفس الوحيد هو أن نقوم بمظاهرات تجتاز شوارع قنا نطالب فيها برحيل المستعمر ونهتف بسقوط إنجلترا, ولم نتنفس الصعداء إلا مع رحيل هذه القوات عندما انحسرت قوات المحور وحدثت هزيمتهم المدوية في العلمين ورويدا رويدا تناقص عدد هذه القوات إلي أن انتهي أمر وجودهم اللهم إلا القليل منهم كان يحتل الغردقة وسفاجا والقصير ولم يعودوا يعبثون ويثيرون الفزع في شوارع قنا. هذه الأحاسيس بعبء الاستعمار الثقيل لم تفارقني بل تضاعفت عندما التحقت بكلية الحقوق جامعة فاروق الأول, التي هي الآن جامعة الإسكندرية فعندما دخلت الثغر الجميل في منتصف الأربعينيات من القرن الماضي كان يعج أيضا بجحافل جنود الاستعمار, وكانت بارات ومقاهي المدينة مليئة بهم يعربدون ويعيثون فسادا وأيضا لم تكن لنا حيلة نحن طلبة الجامعة حيال هذا كله, إلا أن نتظاهر في كلياتنا مطالبين بدحر المستعمر, وكنا نخرج في أعداد طلابية كبيرة تجوب المدينة مطالبين بالاستقلال التام أو الموت الزؤام, ولعل أحداث سنة1946 التي شهدتها الإسكندرية مازالت تعلق بالذهن فقد استشهد فيها أكثر من زميل وللأسف كان الاستشهاد بسبب التحامنا مع الشرطة المصرية وهي تحاول منعنا من التوجه إلي ثكنات الإنجليز في معسكرات مصطفي باشا, وكنت في تلك الأيام أحلم بأن أري أرض الوطن متحررة من الاستعمار, وكانت الأماني تراودني في أنه سيأتي اليوم الذي ستتخلص فيه مصر من ربقة المحتل ولكنني كنت أشعر بالقلق من أن هذا اليوم لن يكون قريبا, إذ كنت أحسب أن هناك أمدا طويلا ستمر أيامه ثقيلة حتي يتحقق الأمل, ورغم أن جنود الاحتلال ابتعدو عن القاهرة والإسكندرية سنة1947 إلا أنهم تمركزوا في قاعدتهم علي ضفاف قناة السويس, وظل الهاجس بجلائهم يروادنا نحن شباب تلك الأيام, وظل الحلم في الجلاء والاستقلال يداعب أذهاننا, ومرت مياه كثيرة تحت الجسور وما بين الضفتين قامت كتائب الفدائيين تقلق مضجع المحتل في مدن القناة وكنت أيامها قد التحقت بالإذاعة مذيعا ومقدما للبرامج, وكان لنا نحن مذيعو تلك الأيام قول برامجي نساند به الفدائيين ونستحثهم علي مزيد من البذل والعطاء واشتعلت القاهرة يوم26 يناير سنة1952 وكأن ذلك كان إرهاصا بميلاد فجر جديد ومن تحت رماد الحريق خرج مولود جديد يبشر بفجر الحرية, ولم أكن أري أنه في فجر الثالث والعشرين من يوليو سنة1952 أني سأكون علي موعد مع الغد وأن أماني التي جاشت بها نفسي وأنا طالب في قنا الثانوية أو في حقوق الإسكندرية قد جاء الموعد لكي تتحقق, ولكن ذلك حكاية أخري.
|