|
د. خليل حسن تمر الولايات المتحدة الأمريكية بأزمة اقتصادية حادة. فقد ارتفعت ديون الخزانة الأمريكية لأكثر من تسعة تريليونات دولار, ومن المتوقع أن تزيد تكلفة حرب العراق وأفغانستان لما يقارب الثلاثة تريليونات. كما ارتفعت نسب البطالة لانتقال الكثير من الصناعات الأمريكية للخارج, وزادت نسبة القروض الإسكانية التي لن تستطيع البنوك تحصيلها والتي ستؤدي لخسارة مليون مواطن أمريكي لبيوتهم. وارتفعت معدلات الفقر لتصل لتسعة وثلاثين مليونا, وزادت تكلفة تأمين الرعاية الصحية ليحرم ستة وأربعون مليون مواطن أمريكي من خدماتها. وترافق كل ذلك بارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي لزيادة الاستهلاك العالمي للطاقة, وزادت أسعار الأغذية بسبب استعمال بعض المواد الغذائية كذرة في إنتاج الطاقة. وانخفضت أسعار سوق الأسهم بشكل مقلق وفقد الدولار قوته التنافسية. والمعروف أنه حينما تعطس الولايات المتحدة يصاب العالم بالزكام, ولكن يبدو للبعض أن الاقتصاد الأمريكي لم يعد بقوته السابقة لتؤثر أزمته الحالية علي الاقتصاد العالمي بسبب دخول منافسين جدد في السوق كالصين والهند والبرازيل. والسؤال: هل فعلا لن تؤثر أزمة كساد الاقتصاد الأمريكي علي الاقتصاد العالمي؟ وقد تكون الحاجة ماسة لمعرفة الإجابة الصحيحة لهذا السؤال إلي أن تستعد دولنا العربية للتعامل مع أية ظاهرة كساد اقتصادية منتظرة لتقليل تبعاتها السلبية. فالأزمات الاقتصادية خطيرة علي تنمية المجتمع واستقراره, لذلك أصبح من الضرورة متابعة مؤشرات النمو الاقتصادي, للتمكن من توقع الأزمات الاقتصادية والعمل علي معالجتها والوقاية من اختلاطاتها. وليس من الحكمة أن تنتظر منطقتنا مرة أخري لتفاجئ بأزمة جديدة كالتي واجهتها سوق المناخ الكويتية في القرن الماضي. والخطورة مما سيرافق هذا الكساد من أزمات إفلاس وبطالة وفقر واضطراب للاستقرار الاجتماعي والأمني في المنطقة, والتي هي مشغولة لركبها بالتعامل مع تحديات أزمة التطرف والإرهاب والحرب العراقية والخلاف العربي الصهيوني والمعضلة النووية الإسرائيلية الإيرانية. لذلك أصبح من الضرورة دراسة الأزمة الاقتصادية الأمريكية بتمعن ومعرفة مدي تأثيرها علي المنطقة لتستعد مؤسساتنا المالية والحكومية والبرلمانية للتعامل معها. ولنتدارس ما كتبه البروفيسور هانس ويرنر سيم, أستاذ علم الاقتصاد بجامعة ميونخ, في صحيفة اليابان تايمز في العاشر من شهر مارس الماضي, بعنوان حفلة الاقتصاد العالمي قد انتهت. فقد أكد البروفيسور أن الولايات المتحدة تتأرجح نحو الكساد بعد أن انتهي الازدهار الاقتصادي العالمي الذي كان طويلا ومستمرا. فقد نمي الاقتصاد العالمي بنسبة5% ولمدة أربع سنوات متواصلة وهو انتعاش لم يشهده العالم منذ سنة.1970 والعلامة الواضحة لانتهاء هذا الانتعاش هو ما أعلنه صندوق النقد الدولي بأن توقعاته بأن الاقتصاد العالمي سينخفض نموه بنسبة1.5% في عام2008. وقد لا يبدو ذلك للوهلة الأولي بأنه كساد اقتصادي, ولكن توقعات صندوق النقد التي وصفها البروفيسور بأنها شبه إيجابية ما هي إلا انعكاس لنسبة النمو الاقتصادي في عام2007, وبدون أية إضافات إيجابية للنمو الاقتصادي لعام2008 حيث لم يتجاوز النمو الاقتصادي في الربع الأول لعام2008 عن نسبة0%. وقد دحض الكاتب بعض الآراء التي تعتقد أن كساد الاقتصاد الأمريكي لن يعد مؤثرا علي الاقتصاد العالمي بسبب مشاركة دعم الصين مع الولايات المتحدة كمحرك لدعم الاقتصاد العالمي. ومع أن نمو الاقتصاد الصيني سيستمر ولكن يعتقد البروفيسور أن تأثيره علي الاقتصاد العالمي سيكون صغيرا جدا بسبب المساهمة الأمريكية بحوالي28% من نسبة الإنتاج الإجمالي المحلي العالمي بينما لا تزيد المساهمة الصينية علي5%. كما لا تزيد مساهمة جميع الدول الأسيوية بدءا من تركيا وحتي الصين عن24% عن إجمالي الناتج المحلي العالمي, والذي تعتبر أقل من المساهمة الأمريكية وحدها. ويعقب البروفيسور بالقول بأنه قد يصل اليوم الذي قد تعطس فيه الولايات المتحدة ولن يصاب العالم بالزكام, ولكن هذه الحقيقة بعيدة حتي الآن حيث تصدر الصين21% والاتحاد الأوروبي23% من صادراتها للسوق الأمريكية. لذلك من المؤكد بأن يؤثر الكساد الأمريكي علي الاقتصاد العالمي, وبالأخص بأن المسح الاقتصادي العالمي لتسعين دولة أخري أكد استمرار انخفاض المؤشرات الاقتصادية لهذه الدول, بل من المتوقع أن تزداد سوءا في النصف الثاني من هذا العام. وقد انخفضت المؤشرات الاقتصادية في أوروبا الغربية والشرقية أكثر من أمريكا اللاتينية والدول الآسيوية. كما ازدادت المؤشرات الاقتصادية العالمية سوءا في النصف الأول من هذا العام لتنخفض بشكل حاد منذ صدمة سوق الأسهم عام2001, كما انخفضت وبشكل حاد مؤشر مشجين لثقة المستهلك. لقد عاشت الولايات المتحدة سنين طويلة تصرف بدون حساب. فالتوفير العائلي الأمريكي انخفضت نسبته للصفر, كما أن جميع الاستثمارات المالية الأمريكية ظلت ضمن صناديق الاستثمار الأجنبية. وارتفعت ديون الحساب الجاري الأمريكي في عام2006 إلي مئة وأحد عشر بليون دولار أي بنسبة6% من الناتج الإجمالي المحلي, وهو الأعلي منذ الكساد الكبير في بداية القرن العشرين. واستمرت الولايات المتحدة في بيع استثماراتها الخارجية سنة تلو الأخري لتستمتع ببذخها في دولتها الكبيرة, ولن يستطيع الاقتصاد العالمي تحمل هذا الإسراف بعد اليوم. وقد تفهمت البنوك في كل مكان بأن الديون التي دفعتها لفترة الازدهار الاستهلاكي الأمريكي لن تستوفيها. كما أن ديون الإسكان المضمونة بالسندات المالية التي باعتها البنوك الأمريكية لدول العالم لا تقارن بمثلها من الأصول الأوروبية. حيث إن الأصول الأوروبية الداعمة لقروض الإسكان مضمونة بتغطيتها التي لا تزيد علي60% من سعر العقار, بينما تغطي البنوك قروض الإسكان الأمريكية100% من سعر العقار بل حتي أكثر من ذلك في بعض الأحيان, بحيث تضم صرف هذه القروض لأشخاص عاطلين عن العمل بل وبدون راتب شهري. ولم تتفهم البنوك الأوروبية هذه الأوضاع في قروض الإسكان الأمريكية بل ولم تدرسها, وأخفتها عن عيون المحاسبين بشكل مريب بوضعها تحت بند استثمارات الدول قليلة الضرائب, مما أدي لخسارة طائلة في الأموال وإفلاس الكثير من هذه البنوك, كما ستظهر خسائر فادحة جديدة في حسابات البنوك لعام2009 كما فقدت الاستثمارات الأمريكية جاذبيتها وانخفضت أسعارها, وانخفض معها سعر صرف الدولار ليصل لأقل من سعر صرفه مقارنة للمارك الألماني في عام1992 بعد أزمة النقد الأوروبية إبان توحيد ألمانيا. وانخفضت أسعار البيوت الأمريكية لأكثر من10% سنويا, مما سيؤدي لخسارة كبيرة لأصحاب القروض السكنية, وخسارة البنوك وإفلاسها. ولم يبق حتي الآن نسبيا إلا سوق الأسهم والتي هي معرضة لازمة قاتلة في أية لحظة مستقبلية. وسيؤدي ذوبان كل هذه الاستثمارات لكساد حاد في الولايات المتحدة, والتي من المؤكد ستشاركه فيها الاقتصاد العالمي. ومع محاولة الحكومة الأمريكية معالجة أزمة الكساد الاقتصادي الأمريكي, سيقل استهلاك المواطن الأمريكي, وسيؤدي ذلك لانخفاض الإنتاج وبطء الاقتصاد, والذي سيقلل صادرات دول العالم لأمريكا مما سيؤدي لبطء نموها الاقتصادي. كما ستنخفض نسب القروض للمشاريع المستقبلية بسبب خسارة البنوك كمية كبيرة من الأموال تقدر بمئات المليارات من الدولارات مما سيعطل الكثير من فرص الاستثمار المستقبلية. وقد حاول البنك الفيدرالي الأمريكي بخفض نسبة الفائدة علي القروض لمنع الكساد, ولكنه لن يستطيع أن يوفر أية أموال إضافية. وقد وعدت الحكومة الأمريكية بخفض نسب الضرائب بما يعادل قيمته المائة والخمسين مليار دولار والتي تمثل1% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي. وقد يبدو هذا الرقم كبيرا, ولكن علينا الانتظار لكي نري إمكانية تعويضه لما خسره أصحاب القروض الإسكانية بسبب انخفاض أسعار ممتلكاتهم وخسارة البعض الآخر لهذه الممتلكات لعدم استطاعتهم دفع قروضها, لوقف استمرار زيادة الكساد الاقتصادي الأمريكي. ويعقب البروفيسور بأنه مهما كانت النتيجة المتوقعة فإن حفلة اقتصاد العولمة قد انتهت بل باءت بالفشل. وتلاحظ عزيزي القارئ كيف تحول العالم لقرية صغيرة بسبب تكنولوجيا الاتصالات والمواصلات, والذي ترافقت بتطور المعاملات البنكية ومعاملات سوق الأسهم لمعاملات إلكترونية عالمية. كما أدي توحيد التشريعات التجارية لدول العالم لتسهل تجارة السوق الحرة وتحول الكثير من الشركات لمؤسسات عالمية عملاقة مملوكة من قبل الملايين من مساهمي دول العالم المختلفة. ولذلك أصبحت الأزمات الاقتصادية متشابكة وتحتاج للعمل المشترك والمتناغم بين الدول وضمن مؤسسات الأمم المتحدة. والسؤال لعزيزي القارئ هل ستضع برلماناتنا العربية تشريعات مدروسة تسهل مراقبة التباطؤ الاقتصادي والوقاية من اختلاطاته المخيفة؟ ولنا لقاء.
|