|
حنان البيلي ألقت أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة الأمريكية بظلالها علي أسواق المال العالمية وكذلك علي البنوك الأوروبية, وفي تطور دراماتيكي فقد الاقتصاد الأمريكي370 ألف فرصة عمل وذلك علي الرغم من إعلان الرئيس الأمريكي عن خطته العاجلة لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي من الانزلاق إلي شبح الركود الاقتصادي. وإن كان الكثير من الاقتصاديين قد شكك في جدوي هذه الخطة التي يرون أنها جاءت متأخرة جدا. ولكن إذا كانت الحال كذلك في اقتصادات الدول المتقدمة, فما هي الحال المتوقعة للسوق المصري خصوصا في مجال التشييد والبناء في ظل أزمة الرهن العقاري الأمريكي, بعد أن بدأنا منذ فترة في الترويج لفكرة التمويل العقاري بعد أن صدر قانون التمويل العقاري, هذا بخلاف دخول عدد من الشركات العقارية العربية للعمل وللاستثمار في قطاع العقارات المصري, وكل تلك التطورات تأتي في ظل الزيادات المتوالية في أسعار مواد البناء, الأمر الذي يلقي بظلاله علي مستقبل القطاع العقاري, الذي يعيش الآن أزمة حقيقية, حيث يشهد السوق حاليا العديد من التطورات فهناك انخفاض شديد في بناء الوحدات السكنية لذوي الدخول المنخفضة والمتوسطة لصالح بناء الوحدات السكنية الفاخرة والمناطق المغلقة مثل مدينة الرحاب ومدينتي وغيرها. وقد أظهر الدليل الأخير للملكية العالمية زيادة جاذبية سوق العقار المصري, حيث تعتبر أسعار الملكيات العقارية منخفضة جدا من وجهة نظر الأجانب, كما أن العائد الإيجاري عليها مرتفع, وتكاليف نقل الملكية ـ في حالة الرغبة في البيع ـ لا تزيد علي11% الأمر الذي زاد من تدفق أموال المستثمرين العرب والأجانب للعمل في السوق المصري..وقد أرجع التقرير جاذبية السوق المصري إلي عدة أمور, الأول أن الاقتصاد المصري يحقق الآن معدل نمو سريعا, هذا بخلاف نمو قطاع العقارات نفسه, الأمر الثاني أن مصر تعد من أقل الدول خطورة في منطقة الشرق الأوسط. الأمر الثالث الاهتمام الأوروبي الكبير بالملكيات في البحر الأحمر, والأمر الأخير هو أن العائدات في ملكية العقارات في مصر كبيرة. ويري التقرير أن قدوم الشركات العقارية العربية وعلي رأسها شركة إعمار والتي تنفذ مشروعا في مرتفعات القمطم بـ1,2 مليار دولار دليل علي جاذبية ملكية العقارات في مصر هذا بخلاف أن أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة وتباطؤ أسواق المنازل في أوروبا الأمر الذي دفع المستثمرين للاتجاه إلي الخارج والاتجاه إلي الأسواق الجاذبة ومنها مصر, ولكن ذلك يطرح تساؤلا حول مدي إمكانية تأثير أزمة الرهن العقاري الأمريكي علي قطاع العقارات المصري؟ وهنا يوضح الدكتور علي شاكر ـ رئيس هيئة التمويل العقاري السابق ـ أن العامل الأساسي في نجاح أي تمويل عقاري أن يكون منخفض التكلفة, أي الفوائد التي تدفع علي قيمة القرض, والمشكلة أن هذه الفوائد لدينا تصل إلي14%, ولكنها تقل مع مرور السنوات وتصل إلي حدود10%, وتوجد لدينا6 شركات تعمل في مجال التمويل العقاري بالإضافة إلي14 بنكا تعمل في هذا المجال أيضا. فإذا افترضنا أن شخصا ما يريد أن يقترض حوالي200 ألف جنيه لشراء وحدة كمقدم لثمن تلك الوحدة, فسنجد أنه خلال مدة سداد القرض والتي تصل إلي20 سنة سنجد أنه سيدفع400 ألف جنيه, وهو ما يعني دفع قيمة القرض مرتين فوائد فقط..ومن هنا يتضح أن مشكلة التمويل العقاري في مصر هي ارتفاع سعر فائدة الإقراض, ولهذا سيظل سوق التمويل العقاري محدودا, خصوصا مع وجود أحد الضوابط المتعلقة به وهي شرط أن يكون العقار مسجلا, ولا تزيد نسبة العقارات المسجلة في مصر علي10% من إجمالي العقارات, وأن90% من إجمالي تلك العقارات غير مسجلة ولا تدخل في إطار التمويل العقاري..والأمر الثاني المتعلق بإمكانية لجوء الشخص إلي التمويل العقاري هي القدرة علي إثبات الدخل حتي تتأكد الشركة المقرضة من القدرة علي السداد, ولكن وفقا للظروف الكثيرة الموجودة في المجتمع المصري نجد صعوبة في إظهار الدخل الحقيقي وإثباته, الأمر الثالث إن نجاح التمويل العقاري يعتمد علي قيمة العقار الحقيقية, ولكن فلسفة السوق العقاري في مصر عدم الإفصاح عن القيمة الحقيقية للعقار وعند كتابة العقد يقلل من السعر للتهرب من دفع الضريبة. العامل الرابع هو الاستعلام الائتماني عن العميل, حيث توجد في الدول المتقدمة هيئات وجهات للاستعلام الائتماني, ولدينا في مصر شركة واحدة وهي الجهة التي تعطي الشخص الجدارة الائتمانية. النقطة الأساسية في منظومة التمويل العقاري أن لها سوقين سوق أولي وسوق ثانوية, السوق الأولي هي سوق عملية التمويل والاقتراض من شركات التمويل العقاري, أما السوق الثانوي فهي سوق مكملة للسوق الأولي والتي تضمن توريق محافظ ديون شركات التمويل العقاري, حيث يسمح لهذه الشركات بتوريق الديون أي تحويلها إلي سندات تطرح في البورصة, حيث نحصل علي القيمة الحالية للديون بسعر اليوم, وهو ما يخلق قيمة نقدية جديدة للشركات التمويل العقاري لاستخدامها في تمويل وحدات عقارية أخري. المفترض أن فترة التوريق لا تستغرق أكثر من عام, وبالتالي فإن أي شركة يصل رأسمالها إلي100 مليون جنيه تستطيع عن طريق التوريق أن تقدم تمويلا عقاريا لا يقل عن5,1 مليار جنيه خلال العشرين عاما. ومن هنا تأتي قوة منظومة التمويل العقاري بسوقيها الأولي والثانوية. وبالنسبة للوضع الحالي في مصر فإننا مازلنا في المرحلة الأولي من السوق الأولي, وليست لدينا الضوابط التي تخلق سوق تمويل عقاري قوي في مصر, ولكن الخطورة الشديدة تتمثل في دخول البنوك التجارية في عملية التمويل العقاري, حيث إن مدد التمويل العقاري طويلة الأجل تصل إلي20 سنة بينما الودائع تكون قصيرة ومتوسطة الأجل. ولهذا فقد حدد سقف الإقراض العقاري داخل البنوك في حدود5% من محفظة البنك, وعند صدور قانون التمويل العقاري تمت إضافة5% أخري تحت مظلة التمويل العقاري, وهو ما يعتبره د. علي شاكر في إطار الحدود الآمنة ولكن إذا زادت النسبة علي ذلك, فإن ذلك يمكن أن يعرض البنوك لتحديات كبيرة جدا, بخلاف ذلك لا توجد مخاوف أخري متعلقة بالتمويل العقاري..أما بالنسبة لدخول شركات العقارات العربية في قطاع العقارات المصري فيري الدكتور علي درغام ـ العضو المنتدب لشركة زهراء المعادي للاستثمار والتعمير ـ أن تلك الشركات أتت إلي مصر لعدة أسباب أولها العوائد البترولية الكبيرة التي توافرت في تلك الدول, والتي لم تجد لها منافذ إلي أسواقها التقليدية للدخول بشكل طبيعي في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية, هذا بخلاف أن البورصات العربية الخليجية وصلت إلي مرحلة التشبع..وكآن لابد لهذه الأموال الساخنة أن تجد لها نفاذية للأسواق, فوجدت السوق المصري, التي تعد من أكبر الأسواق المنطقة كما أنها تنعم إلي إلي حد ما بالربحية فقد حقق الاقتصاد المصري معدل نمو يصل إلي7%, كما أن السوق المصري تتوافر فيه المواد الخام بأسعار تنافسية وكذلك الأرض, بالإضافة إلي أن المنافسة أمام شركات العقارات العربية ضعيفة, فقد حصلت إحدي الشركات العربية علي أرضي في المقطم بسعر90 جنيها للمتر وفي سيدي عبدالرحمن علي أراضي يبلغ سعر المتر فيها165 جنيها, ويعد مجمع سيتي ستارز نموذجا للاستثمار العربي في قطاع العقارات. ولكن بناء مدن مغلقة علي أصحابها يمثل ثقافة انعزالية جديدة داخل المجتمع المصري, وهو أن تنعزل طوائف معينة بناء علي الثروة, يمكن أن يمثل خطورة علي المدي البعيد لأنهم سيكونون أول المستهدفين من الطبقات الفقيرة هذا بخلاف أنهم يعطون نموذجا سيئا لامتلاك الثروة..ويري د. درغام أن أزمة الإسكان في مصر بدأت منذ50 عاما وهي تطال الطبقات المتوسطة والفقيرة, ويرجع ذلك إلي القانون الجائر والذي جمد وحدد القيمة الإيجارية منذ بداية الستينيات, وفي منتصف الثمانينيات انتقلت السوق المصرية في الإيجار إلي التمليك, فالآن يوجد في مصر حوالي5,2 مليون وحدة سكنية مغلقة, في حين يحتاج السوق المصري إلي حوالي5,3 مليون وحدة لحل أزمة السكن, ويتوقع الدكتور درغام في حال دخول قانون الضرائب العقارية حيز التنفيذ أن يطمئن أصحاب العقارات المغلقة ويصبح متاحا منها للإيجار الجديد حوالي مليون وحدة سكنية..أما الدكتور حمدي عبدالعظيم ـ رئيس أكاديمية السادات للعلوم الإدارية السابق وأستاذ الاقتصاد ـ فيري أن هناك عدة أمور أساسية أسهمت في زيادة أسعار العقارات في مصر منها قيام الحكومة ببيع الأراضي عن طريق المزادات, حيث إن المزاد يرفع الأسعار, وقد حدثت بالفعل زيادة غير مبررة في العقارات, وعادة من يدخل المزاد يدخل بهدف المضاربة أو إعادة البيع, حيث يوجد طلب علي العقارات بسبب بدء تطبيق التمويل العقاري في مصر. وكذلك تم تخفيض رسوم التسجيل والتي أصبحت بحد أقصي2000 جنيه, الأمر الذي دفع التمويل العقاري للتوسع في منح الائتمان بضمان العقارات المسجلة ونفس الأمر بالنسبة للبنوك, بالإضافة إلي عملية التوريق العقاري, مما زاد من الأموال المتاحة والموجهة للتمويل العقاري, وأيضا إعادة رسم كردونات المدن, والذي سمح بالبناء في أماكن لم يكن مسموحا بالبناء فيها من قبل. وكذلك شجعت الفوائض البترولية بعض الشركات العقارية العربية الدخول إلي السوق العقاري المصري وكذلك مدخرات المصريين العاملين في الخارج, الأمر الذي يدفع أسعار العقارات للزيادة خصوصا في فصل الصيف, وكذلك وجود العراقيين في بعض المدن الجديدة في مصر وشراء وحدات سكنية لهم, الأمر الذي أدي إلي زيادة الأسعار بشكل غير مسبوق. ولكن الدكتور عبدالعظيم لا يري تأثيرا مباشرا لأزمة الرهن العقاري علي سوق العقارات المصري, ولكنه يري أن تلك الأزمة أثرت علي العالم كله من خلال تأثيرها علي الأسواق المالية وتأثيرها علي الدولار بالانخفاض..ويتوقع أيضا حدوث كساد وركود في سوق العقار المصري بسبب الزيادة الكبيرة في أسعار مواد البناء, والذي كانت نتيجته الأولية توقف بعض شركات المقاولات عن العمل في كثير من المواقع, فالكثير من هذه الشركات كان متعاقدا علي الأسعار القديمة ولكن بعد الزيادات التي طرأت علي مواد البناء, توقفت هذه الشركات عن العمل وبدأت تنسحب من استكمال العمليات والدخول في منازعات قضائية مع جهات الإسناد وبدأت هذه الشركات في تقليل العمالة والتشغيل, وبدأ الطلب علي البناء يقل, حتي بالنسبة للإنشاءات الحكومية لأنها سوف تحمل الخزانة العامة أعباء كبيرة, وهذا يعني حدوث ركود وضعف النشاط داخل القطاع العقاري وتراجع الطلب عليه, بعد أن أصبحت تكلفة الوحدات السكنية فوق طاقة الدخول المتاحة للباحثين عن سكن وهو يعني وجود فائض في العرض ووجود مساحات بدون استغلال, وعجز الشباب الحاصل علي أراض من الدولة عن البناء خلال الفترة المحددة لهم كحد أقصي للبناء, وهي غالبا سنة, وبالتالي ستقوم الحكومة بسحب الأراضي منهم مرة أخري مما سيزيد من حدة الركود والكساد في قطاع العقارات*
|