الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 تقارير سياسية
3انسحاب الجيش من الحياة المدنية في فترته الثالثة

بوتفليقة يعلن عن الجزائر الجديدة

السبت 5 / 4 / 2008

الجزائر ـ أشرف العشري


الجزائر علي موعد مع خارطة طريق جديدة‏,‏ فبعد عام من الصمت وانتشار الشائعات حول الحالة الصحية للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة‏,‏ ومدي قدرته علي الاستمرار في الحكم أو الترشيح لفترة رئاسية ثالثة‏,‏ خرج بنفسه في لحظة نادرة للجزائريين ليبلغ الجميع برسائل حاسمة‏,‏ تحمل إشارات قوية لا لبس فيها بأن الفترة المقبلة ستشهد تعديلات دستورية والترشيح لفترة ثالثة مع توجيه رسالة إلي الجيش بالاستعداد للعودة إلي الثكنات العسكرية والانسحاب من الحياة السياسية الجزائرية‏..‏ فور اكتمال بناء مؤسسات الدولة السياسية والدستورية قريبا والتي باتت علي استعداد لتحمل مسئولياتها كاملة‏.‏
ويبدو أن بوتفليقة قد أراد من وراء رسالته الأخيرة بشأن فك تعقيدات العلاقة الملتبسة بين الرئاسة في الجزائر والجيش أن تكون تلك الخطوة هي إحدي العلاقات الفارقة في فترة حكمه الثالثة طالما أن الجميع من أحزاب وقوي سياسية وغالبية فعاليات المجتمع الجزائري يدشنون الحملات والمسيرات والتوقيعات المليونية هذه الأيام لتحفيزه وإقناعه بالقبول بالفترة الثالثة والبقاء لاستمرار نهجه في الاستقرار الأمني الذي تتمتع به البلاد هذه الأيام نسبيا مقارنة بسنوات التسعينيات وطيلة فترة العشرية الحمراء‏,‏ فضلا عن ضمان استمرار برنامجه للمصالحة الوطنية والإصلاح الاقتصادي الطموح الشامل والذي كان قد رصد له‏150‏ مليار دولار من عوائد الوفرة المالية بعد ارتفاع أسعار البترول لتعويض سنوات الجفاف والتصحر الاقتصادي والتنموي بفعل ضربات الإرهاب الرامي في البلاد لأكثر من‏15‏ عاما‏.‏
وبالرغم من شبه القطيعة مع الإعلام والصحافة الجزائرية منذ سنوات طويلة والتي تحدد وترسم ملامح فترة حكمه طيلة فترتي بقائه وقيادته حكم الجزائر منذ عام‏1999‏ وحتي الآن‏,‏ إيمانا من قناعته الذاتية التي تري بالمطلق أن هذا الإعلام الجزائري كان سببا رئيسيا ومفجرا ومشعلا لأزمة الجزائر طيلة التسعينيات‏,‏ إلا أنه اختار أن يطل عبر وسيلة إعلامية خارجية أيضا في فترة نادرة كذلك ليبلغ الجميع في الجزائروالولايات المتحدة الأمريكية التي جاهرت بالاندهاش عبر تقريرها الأخير عن قضايا حقوق الإنسان وموقف دول الشرق الأوسط منها والموقف في الجزائر عندما أتت لفحصها‏.‏ والتساؤل كيف يمكن لبوتفليقة القبول والنية بتعديل الدستور وإعادة الترشح لفترة ثالثة وهو مازال في الفترة الثانية؟ ناهيك عن التطورات المتعلقة بحالته الصحية؟ ولذا هب بوتفليقة ليبلغ الجزائريين وواشنطن بلغة قوية تحمل من العنفوان والصحة واسترداد العافية أنه بعلم الجميع أنني كنت مريضا بالفعل ولزم علي أن أتابع فترة نقاهة جدية‏,‏ ولكن اليوم استعدت نشاطاتي بشكل عادي ولا أعتقد أن حالتي الصحية داع لاستمرار اختلاف الشائعات والتعليقات والمزايدات‏.‏
وعلي الفور فهم واستوعب العديد في الجزائر سر ومضمون إطلالة بوتفليقة في هذا التوقيت بالذات والعديد من الرسائل التي وجهها للجميع من أجنحة السلطة وكأن لسان حاله يقول لهم ضمنا من الآن لن أقبل أي تدخلات أو لم أسمح بأي تجاوزات أو أي مشاركة في الحكم‏,‏ وأدرك الجميع أن تردي الأوضاع الأمنية تلك والجدل الذي مازالت تثيره حالته الصحية باتا خلف ظهره ولن يثنياه عن تمديد إقامته في قصر الرئاسة في المرادية بالجزائر‏.‏
ولكن اللافت للنظر أنه كان ومازال يرفض أن يعلن أو يحدد حتي لأقرب الناس حوله أو أعلي قنوات أجنحة السلطة التي تدعي قوة قبضتها موعد وتوقيت تعديل الدستور أو مواد وصياغات المواد المقترحة أو شكل الحكم في الفترة المقبلة‏,‏ وحسم مسألة تعيين نائب للرئيس من عدمه وكذلك الإبقاء أو تغيير منصب رئيس الوزراء وتحويله إلي منسق للحكومة فقط‏,‏ علي أن تبقي الرئاسة والحكومة التنفيذية في يد الرئيس بوتفليقة فقط‏.‏
ولكنه في المقابل أراد أن يطمئن الجزائريين بأن ملامح برنامجه في الفترة الثالثة ستكون مفاجأة للجميع وستكون هناك خريطة طريق سياسية جديدة للبلاد تتضمن المزيد من الانفتاح السياسي والإعلام علي العالم وخروج البلاد من شرنقة الانغلاق والعزلة التي سببها لهم الإرهاب‏,‏ خصوصا بعد أن قطعوا شوطا لا بأس به في الفترة الماضية بدليل أن كل الاستحقاقات الانتخابية في الجزائر جرت في موعدها وأكثر من ذلك أن النشاط السياسي يعرف تطويرا مستمرا‏,‏ وبالتالي سيكون هناك دوما أمل وانتعاش في الخروج من المغارة الأمنية والسياسية وليس النفق السياسي فقط طالما أن الغالبية إن لم يكن الجميع قرر مساندته ومؤازرته في إنجاح خطواته للقطيعة بشتي الصور مع الماضي وضبابية وسوداوية مشاهده‏.‏
ولتأكيد اليقين بسطوته وانفراده بقيادة القرار والمشهد السياسي في الجزائر في الفترة الثالثة لم ينس أن يفصل في قضيتين كانتا تسببان كثيرا من الصداع في رءوس الجزائريين بسبب كثرة التحايل والظن والتأرجح لدي البعض‏,‏ وأن هناك أيادي خفية تعبث وتلعب في الجوهر ضد التيار السائد والمقرر للدولة وهما قضية العلاقة مع فرنسا من ناحية ومع المغرب من ناحية أخري والذي يحلو لبوتفليقة القول دوما إنهما من اختصاصه وحدة حيث عمد للتعامل مع الأولي بمنطق براجماتي داعيا لأول مرة إلي تحرير العلاقات الجزائرية ـ الفرنسية والابتعاد عن حصرها في مجرد جيل الثورة الذي يرفض أن يغفر لفرنسا جرائمها‏,‏ فيما يرفض الجيل الآخر في الطرف الآخر الاعتذار عن الجرم‏,‏ ولذا فقد فهم البعض أن ملف مطالبة فرنسا الاعتراف بذنبها والاعتذار عنه طوي نهائيا وهو الذي كان من أشد المتمسكين به‏!‏
أما فيما يخص المغرب الجار فقد استبعد بوتفليقة أن يظل إغلاق الحدود قائما إلي الأبد وأنه ربما يكون هناك تقارب بين البلدين ولكن كل هذا سيتم عندما تذلل كل العقبات‏,‏ وهو ما فهم من ورائه أن اللقاءات الدورية التي تجري حاليا بعيدا عن الإعلام وخلف الجدران ستؤتي ثمارها عندما يقتنع بوتفليقة في الوقت واللحظة المناسبة أن هناك حلحلة لجميع القضايا الخلافية وبالطبع قضية الصحراء الغربية‏.‏
وبالرغم من مشاعر الغبطة التي انتابت الكثير في الجزائر من خروج بوتفليقة وطمأنة العديدين أنه باق لفترة ثالثة وحتي رابعة وأن تعديل الدستور المرتقب سيكون المعبر لذلك‏,‏ إلا أن الهمس حول رسائله للجنرالات والجيش لا ينقطع ورهانات السباق في قدرته ونجاحاته علي إدخالهم بيت الطاعة والعودة للثكنات العسكرية مازال يحتل الأولوية في قائمة نقاشات النخب والدوائر السياسية والإعلامية في الجزائر حاليا وإن كان سيستمر كثيرا حيث إنها المرة الأولي التي يخوض فيها الرئيس علانية في مثل هذه الأمور وهي التي كانت من المحرمات علي الجميع وتصل في بعض الأحيان إلي الأساطير المقدسة في بلد مثل الجزائر خصوصا بعد أن أثني الرجل علي أن الجيش قد لعب دورا كبيرا في تأمين وسلامة البلاد وأن الانسحاب من الساحة السياسية بمجرد إرساء مؤسسات قوية‏,‏ وأن الجيش مدعو لأن يصبح جيشا احترافيا وهو ما يجري حاليا طبقا لتوجهات سياساتنا الجديدة في الجزائر‏.‏
وبالتالي يعطي ويوفر كلام بوتفيقة من الآن فصاعدا الصورة الحقيقية عما سيرسم ويحدد علاقة الرئيس بوتفليقة بقادة المؤسسة العسكرية التي ظلت توصف في بدايات حكمه بأنها علاقة بالغة التعقيد‏,‏ يتعايش فيها الصراع والتعاون جنبا إلي جنب‏,‏ ولكن هذه الأيام يبدو أن توافق الرؤي أصبحت تحكم علاقاتهم وأن هناك من الانسجام والضمانات التي حصل عليها ما يجعله يستريح ويقتدر بقوة وانفراد علي قيادة البلاد في الفترة الثالثة وهو مرتاح البال ومتيقن بأن صراع الأجنحة ربما يكون إلي زوال‏,‏ خصوصا أنه كان مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في الجزائر حيث كانت الأنظار تتوجه صوب مقر وزارة الدفاع وقيادة الأركان لمعرفة موقف المؤسسة العسكرية في هذه الانتخابات والبحث خلف أسوار هذه المؤسسة العتيدة عما إذا كان لها مرشح حتي يلتف الساسة حوله‏,‏ لا سيما أنه كانت هناك ظروف تاريخية فرضت علي الجيش أن تكون له دوما كلمة السر في تحديد من يتولي قيادة الـبلاد‏,‏ وظلت ازدواجية الأدوار تؤرق العسكر طيلة سنوات طويلة تحملوا في سبيلها مشاق ازدادت ثقلا عندما فاجأهم بوتفليقة في خطاب في مقر دارهم وزارة الدفاع العام الماضي بنيته تعديل الدستور وبحث فتح الفترة الرئاسية لتصبح ثلاثة بدلا من فترتين كما ينص الدستور الحالي‏.‏
ولذا فإن لا أحد يشكك بإمكانية نجاح خطوة ومهمة بوتفليقة هذه المرة بعكس كل من سبقه حيث إن الجميع في الجزائر بما فيهم جنرالات المؤسسة العسكرية يحملون له كثيرا من الود والتقدير والقبول بالمطلق أيضا لأنه أصبح بالفعل رجل المرحلة باعتبار أنه سياسي ومدني ودبلوماسي سابق يمتلك علاقات متشعبة ويحظي بسمعة وحضور دولي فضلا عن أنه قد مكن الجيش من تجاوز الخناق علي النظام الجزائري بسبب سؤال من يقتل من الذي كان سائدا في فترة التسعينيات والذي تحول إلي سيف مسلط علي رقاب قادة المؤسسة العسكرية التي اتهمت بالوقوف وراء المجازر الجماعية التي ترتكبها الجماعات الإرهابية ضد المدنيين‏,‏ ناهيك عن تبييض وبراءة العسكر عبر مبادرة ميثاق السلم والمصالحة التي حظيت بموافقة الجميع في الجزائر ـ أجهزة حكومية وأحزاب وقوي سياسية ـ وحظيت بموافقة واستفتاء‏97‏ في المائة من الجزائريين بعد أن وظف لها بوتفليقة كل حنكته السياسية وبراعته الخطابية في الترويج لها‏,‏ وإقناع الجميع بما فيهم الجماعات الإرهابية باستثناء فريق القاعدة فقط بها كخيار نهائي لمعالجة الأزمة الأمنية في الجزائر‏.‏
وهو ما أسهم في تخفيف الاحتقان وحالة التشنج الأمني في البلاد وتوفير الغطاء للقيادة الجزائرية في إقناع وانسحاب كلي للمؤسسة العسكرية من الخارطة السياسية طبقا للسيناريو والاتفاق الذي يجري رسم ملامحه حاليا بإقناع وتوافق الجانبين‏,‏ وهي خطوة لم يتوان بوتفليقة عن القول إنها قادمة وسيكون عرابها شرط بقائه في الحكم والسيطرة علي جميع مفاصل السلطة وامتلاك وحدة جميع قرارات اللعبة السياسية في الجزائر من الآن فصاعدا‏*‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 5 / 4 / 2008
رقم العـدد
576
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg