|
أجرت الحوار في دمشق: سوزي الجنيدي عمرو موسي.. اسم له بريق وسحر خاص, حفر لنفسه مكانة في تاريخ الدبلوماسية العربية, سواء كواحد من أكثر وزراء خارجية مصر شعبية أم كأمين عام جامعة الدول العربية, دائما يحاول أن يبذل قصاري جهده لتوحيد الصف العربي, ويكفيه هنا شرف المحاولة. كان اللقاء معه في التاسعة والنصف صباحا علي الإفطار في دمشق قبل اجتماعات القمة العربية, حيث كان ذلك هو الوقت الوحيد المتاح أمامه لإجراء الحديث الصحفي, كما وعدني, خصو صا أنه كان قد أنهي اجتماعات قبلها بساعات في الثالثة فجرا مع وفدي الأردن وفلسطين المشاركين في اجتماعات وزراء الخارجية في نفس اليوم. بدا عمرو موسي غير راض عن استمرار الخلافات العربية, وأوضح في حديثه أنه يشعر بالإحباط, لكن لم يصل بعد لدرجة اليأس, محذرا من عدم الانتباه لمحاولات اللعب بالأوراق العربية من أطراف مختلفة, موضحا أنه ليس من أنصار إقامة العلاقة مع إيران علي أنها دولة عدو, مؤكدا أن هناك مشكلات مع طهران يمكن حلها متسائلا لحساب من يعادي العرب إيران؟ وأوضح عمرو موسي في حديثه لـ الأهرام العربي أن أي حل غير عربي لمشكلة لبنان لن ينجح, وأن لعبة شد الحبل في لبنان ستؤدي إما إلي انقطاع الحبل أو إرخائه بعض الشئ بين الأطراف لإيجاد وضع إيجابي لصيغة لا غالب ولا مغلوب. وأكد الأمين العام للجامعة العربية أن عدم عقد القمة العربية الدورية سيكون بمثابة انهيار لميثاق الجامعة, بل وللجامعة العربية نفسها. وأشار إلي إمكانية البناء علي اتفاق صنعاء للمصالحة الفلسطينية بشرط توقف الأيادي الخارجية الخفية التي تسعي لإفساد كل شئ. وقال موسي إن الجدية في العمل هي سر نجاحه, وأنه تعلم كثيرا من فترة عمله كدبلوماسي شاب في البعثة المصرية بالأمم المتحدة في فترة الحرب الباردة, موضحا أنه سيكتب مذكراته قريبا وفي أول لحظة يتوافر لديه فيها وقت فراغ. * ألا تشعر أحيانا باليأس بسبب الوضع العربي الحالي, والذي لم يستطع فيه الزعماء العرب حتي مجرد الالتقاء معا علي مائدة واحدة في قمة دمشق الدورية؟ متي يشعر عمرو موسي باليأس من الحال العربية؟ أنا أشعر بمشاعر الإحباط وليس اليأس, ولابد من المحاولة واستمرار المحاولة, واستمرار الدق علي أبواب كل من أستطيع أن أقنعه بأنه لابد من علم عربي مشترك, وأنه من المصلحة الحقيقية للعرب أن يجتمعوا وأن تكون لهم سياسة واحدة بقدر الإمكان, وأن المصالح القطرية لا تنفي المصالح الجماعية, ومن الممكن التنسيق بينهما, بل إن السياسة القطرية وسياسات التنمية والأمان من الممكن أن تتم خدمتها بتعاون عربي- عربي, كما أننا نعيش في عصر جديد يتطلب فكرا جديدا وتكتلات الاقتصادية, وفكرا جماعيا من حيث الأمن الإقليمي, ويتطلب العمل علي حل المشاكل القائمة, أما التفرقة والصدام والاتهامات المتبادلة وسوء العلاقة, كل هذا لا يخدم شيئا أبدا. * كيف تنظر إلي المخاطر التي تحيط بالعالم العربي حاليا سواء من جانب إسرائيل أم من جانب محاولة بعض الأطراف غير العربية مثل إيران اللعب بالملفات العربية لصالحها؟ اللعب بأوراق عربية لا تلومي عليه إلا العرب الذين تم اللعب بهم, ولا تلومي من يلعب بتلك الأوراق, بل بالملعوب به أو الملعوب فيه, فهو من يقع عليه اللوم, لكن أمام العرب فرصة لكي يتفقوا علي سياسة يتعاملون بها مع الأوضاع الجديدة في المنطقة, وكما تعلمين فإنني لست من أنصار البدء في العلاقة مع إيران بأنها دولة عدو, وأنا لا أري ذلك, بل أري أن إيران دولة شقيقة في المنطقة, وهي دولة لنا معها خلافات يمكن أن يتم حلها, وهي دولة لها إستراتيجية قد تتعارض في عدد من زواياها وأركانها مع السياسات العربية, لكن هناك مساحة أيضا للتفاهم فيما يمكن أن يفيدنا ويفيدهم. * إذن أنتم لا تتفقون مع الترويج الأمريكي حول الخطر الإيراني؟ السياسة الأمريكية شئ والسياسة العربية شئ آخر, وما يقوله الأمريكيون عن وجود خطر إيراني هو يمثل وجهة نظرهم, لكن ما أقوله هو إن هناك مشاكل مع إيران مثل مشكلة الجزر الإماراتية الثلاث التي احتلتها إيران, وكذلك الالتباس في الملف العراقي, والالتباسات المتوقعة نتيجة لماحدث في العراق من إثارة نعرات طائفية, وهذه المشاكل لا يتم حلها بأن نبدأ بالتعامل علي أن هناك خطرا إيرانيا, لكن نبدأ بأن هناك مشكلة مع إيران وهي مشكلة يمكن أن يتم حلها, لأننا دول من المفروض أن نكون دولا شقيقة وجيرانا, وإيران ستظل في المنطقة وهي دولة كبيرة في المنطقة, فلماذا أعاديها ولحساب من؟ ويمكن أن أعادي إيران عندما يكون لدي حساب أو مصلحة في هذا, ولا أري أي مصلحة عربية في عداء إيران, لكن علي طهران من جانب آخر أن تنظر إلي العرب علي أنهم الأغلبية في هذه المنطقة, وأن يكون لدي إيران نفس المنطلق من أن العرب جيراننا وإخواننا. * تتأرجح المشكلة اللبنانية بين فشل وفشل آخر, فهل أصبح الحل غير العربي هو الحل الذي يطرح نفسه علي الساحة اللبنانية بشكل أقوي؟ لا.. الحل غير العربي لن ينجح, لأنه بالأوصاف التي نراها هو حل يختلف في منطلقاته بشكل واضح عن المصالح العربية في كل جوانبه, سواء بالنسبة للناحية الدولية أم الإقليمية, وهو حل يقوم علي أسس وأهداف ومصالح غير عربية, بل مصالح هذه السياسات الدولية أو الإقليمية. لكن المبادرة العربية هي التي تأخذ في الاعتبار وضع لبنان وظروفه, وإذا فشلت المبادرة العربية فستفشل بالتأكيد أيضا كل الحلول الأخري. * بعد ضعف التمثيل في قمة دمشق هل يتعرض مستقبل القمم الدورية العربية لمخاطر ستؤدي إلي إلغاء عقد القمم السنوية؟ لا.. لا يمكن ولا يمكن أن نترك الميثاق الذي اتفقنا عليه لعقد قمة دورية سنوية لكي ينهار, ويستحيل أن نترك ذلك يحدث, وهذا التزام علي الكل أن يحترمه أو يكون البديل أن ينهار ميثاق الجامعة وتنهار الجامعة العربية نفسها. * تحولت المشكلة في لبنان إلي لعبة جذب وشد للحبل, وقد وضح ذلك خلال القمة العربية عندما أكد السوريون أنه علي السعودية أيضا أن تلعب دورا في التأثير علي قوي الأغلبية.. فما الحل؟ دائما في لعبة شد الحبل إما أن ينقطع الحبل أو أن يشد طرف بشكل أقوي فيقع الطرف الآخر, أو أن نساعد في إرخاء الحبل بعض الشئ بين الطرفين بدلا من أن يستمرا في شد الحبل حتي يقطعوه, وبالتالي بدلا من أن يشد الطرفان الحبل يقومان بإرخائه بعض الشئ بينهما. * أي أن يتبعا سياسة لا غالب ولا مغلوب؟ لا.. الوضع الحالي هو لا غالب ولا مغلوب, وسبب من أسباب تعويق الحل هو خوفهم جميعا من المستقبل الذي قد يكون فيه طرف قد كسب علي حساب طرف آخر, ونحن اليوم في حل لا غالب ولا مغلوب, والحل يكون في أن نجد وضعا آخر, لأن وضع لا غالب ولا مغلوب الحالي وضع سلبي, ولابد من إيجاد وضع إيجابي لمنطق لا غالب ولا مغلوب. * كيف يمكن الوصول إلي هذا الحل السحري, أو السر لوضع إيجابي في لا غالب ولا مغلوب؟ أجاب ضاحكا: السر في بير.. كما يقول المثل. * علي الرغم من فشل اجتماع أنابوليس1 في تحقيق تقدم يذكر في مفاوضات السلام الفلسطيني- الإسرائيلي, إلا أن هناك تفكيرا حاليا في عقد أنابوليس2 في موسكو.. فكيف تنظر إلي هذا الأمر؟ لايوجد تفكير في عقد أنابوليس2, لكن اجتماع موسكو سيكون مؤتمرا للمراجعة والبناء علي مدي نجاح أنابوليس, وإذا كان هناك فشل فسيصبح المؤتمر المقبل اجتماعا للتقييم فقط لما حدث في المفاوضات لكي نصل إلي النتائج التي تمت, خصوصا أننا لا يمكن أن نجتمع ونتقدم مع استمرار الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية. * هل تري أن اتفاق صنعاء لديه أمل للتنفيذ أم سيكون علي غرار اتفاق مكة الذي اختلفت الأطراف الفلسطينية حوله قبل أن يجف الحبر الذي كتب به, خصوصا أن الخلافات مازالت كبيرة؟ نعم الخلافات كبيرة, لكن يجب أن نقدر الجهد اليمني ونشكرهم, ونفصل بين هذا الجهد اليمني المشكور وإمكانية نجاحه, وأعتقد أنه يمكن البناء علي المبادرة اليمنية والنجاح في تطبيق اتفاق صنعاء, لكن الأمر لا يتوقف علي الطرفين الفلسطينيين فقط, بل وعلي الأيادي الخفية الخارجية التي تلعب لإفساد كل شئ. * إذن ماذا يمكن أن نفعل مع تلك الأيادي التي تسعي للعب بنا ونحن حتي غير مدركين لذلك؟ لا.. نحن منتبهون لهذه المسألة بالطبع. * إذن لماذا لايزال الإخوة من فتح وحماس يتعاركون علي تورتة لم توضع بعد علي المائدة؟ هم أيضا خدعوا من قبل كثيرا فهم مساكين تم اللعب بهم كثيرا ومن كل ناحية, وستأتي اللحظة التي يتفقون فيها معا. * هل بالفعل يمكن أن نصل لدولة فلسطينية قبل نهاية هذا العام كما وعد الرئيس الأمريكي جورج بوش؟ أري أن هناك إمكانية لإعلان دولة فلسطينية, لكن مانراه حتي الآن بعد مرور ثلاثة أشهر من العام الحالي لا يبشر بشئ, مما يطرح التساؤل الذي طرحته وربما يكون لدي البعض وأصحاب النيات السيئة كثيرون, بعض الأفكار حول إعلان دولة فلسطينية وليس المهم شكلها, أي بمنطق لنفرح الأطفال وتكون دولة لها علم ومزيكا, وأي نشيد وطني وورقة بوسطة وجواز سفر فلسطيني, ويتم تبادل بعض الأراضي وإقامة دولة فلسطينية مهلهلة, وبالطبع فإن هذه الأفكار لا تمثل الدولة الفلسطينية التي نريدها أو التي يريدها الفلسطينيون, وأعتقد أن البعض في إسرائيل وربما أيضا في أمريكا يفكر بالفعل في هذه الطريقة, أي إقامة دولة فلسطينية غير قابلة للحياة, دولة غير حقيقية, وقد ذكرت أن البعض يفكر بهذه الطريقة وليس الكل, وهو أمر مرفوض لأنها لن تكون دولة قابلة للحياة ولن يقبلها الفلسطينيون, لابد من بحث جميع القضايا علي مائدة المفاوضات مثل الحدود والقدس والمستوطنات وحق العودة للفلسطينيين. * ما سر الكاريزما الإنسانية والدبلوماسية العالية لدي عمرو موسي؟ أجاب ضاحكا: سرها باتع. * لكنك استطعت أن تحفر اسمك في تاريخ الدبلوماسية العربية علي مدي السنوات الماضية.. فهل السر هو الإخلاص في العمل؟ يجب أن تعلمي أنه لو لم تكن هناك جدية منذ البداية في حياة الإنسان فلن يعمل لشئ, ولابد من الجدية منذ بداية عمل الإنسان, وأن يقرأ ويتعلم ويفكر, وهناك مدارس كثيرة داخل وزارة الخارجية, ففيها المدرسة البسيطة للدبلوماسي الذي يفكر في العمل والسفر من مكان لآخر, والعيش بالخارج, ويعتبر العودة للعمل في ديوان الوزارة في مصر أوقاتا ضائعة من عمره, وينتمي هذا الدبلوماسي لمجموعة تريد إراحة دماغها, وكم كنت أتمني أن أكون منهم, وهناك مجموعة ثانية هي الدبلوماسية التقليدية في العمل والاتصال بالسفارات الأخري والعمل بشكل تقليدي, وهناك مدرسة ثالثة وهي الدبلوماسية الثنائية والمتعددة الأطراف التي تتصل بالقانون الدولي, والعلاقات الدولية, وتطلع علي مشاكل وطريقة تصرف الآخرين, وطريقة تعبير الآخرين والصراع الذي يدور بين القوي الكبري, وقد عاصرت من خلال عملي في فترة الشباب بالبعثة المصرية في الأمم المتحدة فترة الحرب الباردة, وكنت أتابع كيف تعمل الولايات المتحدة وحلفاؤها من ناحية, والاتحاد السوفيتي وكتلته من ناحية أخري وكيف يناوران وأحيانا يداعبان بعضهما دبلوماسيا, وأحيانا أخري يقاتلان بعضهما وأحيانا ثالثة يدميان بعضهما, وأخري رابعة يضمدان بعضهما, بل وأحيانا ينضمان معا ضد كتل أخري, وكان لابد من المتابعة الجيدة والتعلم والقراءة بشكل مستمر, ومازلت أذكر مناقشات مجلس الأمن عندما كان جاكوب مالك, مندوب روسيا في الأمم المتحدة وكان شخصية هائلة وأمامه من الجانب الآخر كبار الدبلوماسيين الأمريكيين والبريطانيين وحتي الدبلوماسيين العرب في تلك الفترة كانوا علي مستوي عال جدا من الثقافة والشخصية القوية, وقد تعلمت كثيرا من تلك الفترة. * كنت تتمني أن تكون مثل هذه الشخصيات القوية؟ تعلمت منهم الكثير, لكن ليس علي أمل أن أكون مثلهم, فهو ليس فيلم سينما أشاهده, بل كنت أشعر بأنني أجلس في دورة تدريبية مستمرة أتعلم منها بشكل دائم. * متي ستكتب مذكراتك؟ والله أنا أتمني أن أكتب مذكراتي بالفعل, لكن ليس لدي وقت, لكنني سأكتبها إن شاء الله, ولا أعرف الآن متي سأبدأ, لكن بالتأكيد في أول لحظة يكون لدي فيها وقت فراغ, وسيأتي هذا الوقت بالتأكيد بعد فترة*
|