الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 المحطة الاخيرة
3

بريما دونة المسرح و بريما دونة الصحافة

السبت 5 / 4 / 2008

صلاح عيسي


كان صديقي محمد عبدالقدوس‏,‏ هو الذي ذكرني بأن العاشر من هذا الشهر يوافق الذكري الخمسين لرحيل جدته لأبيه‏,‏ فاطمة اليوسف‏,‏ بريما دونة المسرح المصري والعربي‏,‏ في الفترة بين عامي‏1915‏ و‏1925,‏ التي كانت تحمل أيامها لقب سارة برناد الشرق نسبة إلي أشهر وألمع ممثلات المسرح الفرنسي والأوروبي في الفترة ذاتها‏,‏ ثم بريما دونة الصحافة المصرية‏,‏ إذ كانت أول امرأة عربية‏,‏ تصدر مجلة أسبوعية تحمل اسمها الفني‏,‏ وهو روز آل يوسف‏,‏ أو كما كانت ولاتزال تكتب علي ترويسة المجلة روز اليوسف‏.‏
وكانت روز اليوسف‏,‏ هي أو مجلة أسبوعية أقرأها‏,‏ بمجرد أن تعلمت القراءة‏,‏ حين عن لأبي ذات يوم أن يختبر مدي تقدمي في الدراسة‏,‏ فدفع إلي بعدد منها كان يقرأ فيه‏,‏ وطلب إلي أن أتلو عليه ما هو مكتوب فيه‏,‏ فأخذت أقرأه بسرعة نسبية لفت نظره‏,‏ وبأخطاء قليلة كان يصححها لي فلا أكررها بعد ذلك‏,‏ وبعد حوالي ساعة‏,‏ قرأت له خلالها أخبارا فنية‏,‏ وأخري سياسية‏,‏ بدا عليه السرور‏,‏ وأعلن لي أنه كان قد قرر أن يتركني عاما آخر في مدرسة القرية‏,‏ أما وقد نجحت في اختبار روز اليوسف فقد قرر أن يصحبني معه في خريف العام نفسه إلي القاهرة‏,‏ لكي اتقدم إلي امتحان القبول في المدارس الابتدائية‏.‏
وتقديرا لجميل روز اليوسف التي نقلتني من حياة القرية الراكدة‏,‏ إلي حركة العاصمة الصاخبة‏,‏ حيث أتيح لي أن أرتدي القميص والبنطلون‏,‏ بدلا من الجلباب‏,‏ وأن أعرف ضوء الكهرباء الساطع‏,‏ بدلا من ضوءمصباح النفط الخافت‏,‏ وأن أفطر فولا وطعمية‏,‏ وأذهب كل أسبوع إلي السينما‏,‏ فقد ظللت أفضلها علي كل المجلات التي كان يقرأها أبي‏,‏ وعلي الرغم من أنها كانت الأبسط والأقل فخامة‏,‏ إذ كانت تطبع علي ورق خشن أسمر‏,‏ وتعتمد علي الرسوم الكاريكاتورية‏,‏ بما في ذلك غلافها‏,‏ وتفتقد للصور الفوتوغرافية الملونة‏,‏ التي كانت الطابع الغالب علي المجلات الأسبوعية في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية‏,‏ بعد أن عرف العالم العربي طباعة الروتوغرافور‏,‏ التي كانت أحدث صيحة في الطباعة آنذاك‏!.‏
وتدريجيا‏,‏ بدأت أتجاوز مجرد تلاوة ما تنشره روز اليوسف إلي فهم ما أقرأه علي صفحاتها‏,‏ إذ كانت أخبارها ومقالاتها‏,‏ بما في ذلك السياسية والفلسفية منها‏,‏ تصاغ بأسلوب سهل سلسل يغري بالقراءة‏,‏ وييسر علي القاريء الوصول إلي الفكرة بلا تعقيدات‏,‏ ومن دون زخارف لفظية‏,‏ تقطع السياق‏,‏ أوتضطره للعودة إلي المعاجم والقواميس اللغوية‏,‏ وفيما بعد أدركت أن اعتمادها الكامل علي الرسوم الكاريكاتورية‏,‏ في الوقت الذي كانت معظم المجلات العربية تعتمد علي الصور الملونة‏,‏ لم يحدث اعتباطا أو لمجرد نقص الإمكانات المالية‏,‏ ولكن وراءه فلسفة‏,‏ تنظر إلي الصورة الصحفية‏,‏ باعتبارها مجرد تسجيل للواقع‏,‏ ولا يضيف إلي القاريء شيئا‏,‏ علي العكس من الرسم الكاريكاتوري‏,‏ فهو أقرب إلي مقال يقدم فكرة واحدة ومركزة‏,‏ في أسلوب ساخر قادر علي النفاذ إلي عقله ووجدانه مباشرة‏.‏
بعد ذلك بسنوات‏,‏ أثناء إجازة الصيف‏,‏ التي كنت أمضيها بالقرية‏,‏ لاحظ أحد أصدقائي شغفي بقراءة روز اليوسف وحرصي علي أن أوصي بائع الصحف بأن يشتريها لي كل أسبوع من المدينة القريبة‏,‏ فأبلغني أن لديهم في منزلهم مجموعة كبيرة من مجلدات المجلات القديمة‏,‏ بينما روز اليوسف كان والده وهو أحد أعيان القرية‏,‏ يقرأها بانتظام أثناء دراسته الثانوية بالعاصمة‏,‏ ويحرص علي الاحتفاظ بمجموعاتها وتجليدها‏,‏ فلما قطع دراسته وعاد إلي القرية ليتفرغ لإدارة زراعته‏,‏ احتفظ بها في صندوق خشبي ضخم‏,‏ نقل فيما بعد إلي غرفة مهملة بحديقة المنزل‏.‏
وفي هذا الصندوق عثرت علي مجلدات كل المجلات الفنية التي كانت تصدر بين منتصف العشرينيات ومنتصف الأربعينيات‏,‏ إذ كان الأب ـ فيما يبدو ـ من هواة الفن‏,‏ الذين كانوا يحرصون علي قراءة المجلات التي تهتم بالمسرح‏,‏ ثم بالسينما‏,‏ والغالب أنه واصل هوايته بعد أن عاد إلي القرية ليستقر فيها‏,‏ وبينها وجدت مجلدات السنوات العشرين الأولي من روز اليوسف واستنتجت أن والد صديقي‏,‏ قد بدأ يقرأها‏,‏ باعتبارها مجلة فنية‏,‏ تحمل اسم بريما دونة المسرح‏,‏ إذ كانت المجلة في أعوامها الأولي مجلة فنية تهتم أساسا بالمسرح والفنون الجميلة والأدب‏,‏ ولكنه لم يستطع أن يتخلي عنها‏,‏ بعد أن تحولت إلي مجلة سياسية بالدرجة الأولي‏.‏
وانهمكت علي امتداد إجازة صيف ذلك العام‏1957,‏ في قراءة مجلدات السنوات العشرين الأولي من روز اليوسف لتتخلق أمامي صورة مصر خلالها‏,‏ بكل ما كانت تزدحم به من أخطار وتيارات وأحزاب‏,‏ وفنون‏.‏
وكل ما كان لامعا في سماواتها من أسماء نجوم الأدب والفن والشعر والسياسية‏,‏ وما كان مرشحا لكي يلمع من تلك الأسماء فيما تلا ذلك من عهود‏,‏ إذ كانت تمثل مدرسة الهواء الطلق في كل هذه المجالات‏,‏ فهي منبر للتعبير عن الرأي‏,‏ يستطيع كل صاحب موقف أو رؤية‏,‏ أن يصعد إلي درجاته‏,‏ ليقف علي قمته فيخاطب الناس بما يشاء‏,‏ من دون قيود أو شروط‏,‏ إلا مجرد أن يكون لديه شيء مختلف يقوله‏,‏ويضيف به إلي ما يقوله الآخرون‏,‏ ليحقق مصلحة عامة‏,‏ وأن يملك موهبة التعبير عنه‏,‏ وحرفية الكتابة باعتبارتها فنا‏,‏ بما يمكنه من أن يسوق رأيه للآخرين ببساطة وبسهولة‏,‏ تؤكد أنه قد فهمه هو نفسه‏,‏ وبالتالي أصبح قادرا علي أن ينقله إلي الآخرين‏.‏
وكان غريبا أن تفكر فاطمة اليوسف في عام‏1925,‏ أن تعتزل التمثيل وهي في قمة تألقها وشهرتها‏,‏ لتشتغل بمهنة لا تعرف عنها شيئا‏,‏ وهي الصحافة‏,‏ ولتصدر مجلة أدبية فنية وهي التي ظلت أمية تماما حتي بلغت الخامسة عشرة من عمرها‏,‏ حين تنبه أستاذها المخرج الموهوب عزيز عيد الذي اكتشف موهبتها ودربها علي التمثيل‏,‏ إلي أن أميتها ستحول بينها وبين حفظ أدوارها‏,‏ وبين نطق الحوار في المسرحية المترجمة إلي العربية الفصحي بشكل سليم‏,‏ فأحضر لها من يعلمها كيف تفك الخط‏,‏ وكيف تقرأ النصوص‏.‏
وفيما بعد استطاعت فاطمة اليوسف عبر اختلاطها بالأدباء والفنانين والشعراء والصحفيين الذين كانوا يعجبون بتمثيلها‏,‏ حين كانت تشتغل بالفن ثم برجال السياسة الذين عرفتهم‏,‏ بعد أن تحولت مجلتها إلي أقوي مجلة سياسية عربية‏,‏ أن تستفيد من حواراتها معهم‏,‏ وحواراتهم مع بعضهم البعض‏,‏ وأن تلتقط بذكائها الفطري‏,‏ ما مكنها بعد ذلك من أن تكون بريما دونة الصحافة كما كانت بريما دونة المسرح‏!‏
والمؤكد أنها أدركت بفطرتها أن الصحافة فن‏,‏ كما أن المسرح فن‏,‏ وأن كل الفنون لا تعيش إلا في الهواء الطلق‏!‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 5 / 4 / 2008
رقم العـدد
576
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg