|
صلاح عيسي كان صديقي محمد عبدالقدوس, هو الذي ذكرني بأن العاشر من هذا الشهر يوافق الذكري الخمسين لرحيل جدته لأبيه, فاطمة اليوسف, بريما دونة المسرح المصري والعربي, في الفترة بين عامي1915 و1925, التي كانت تحمل أيامها لقب سارة برناد الشرق نسبة إلي أشهر وألمع ممثلات المسرح الفرنسي والأوروبي في الفترة ذاتها, ثم بريما دونة الصحافة المصرية, إذ كانت أول امرأة عربية, تصدر مجلة أسبوعية تحمل اسمها الفني, وهو روز آل يوسف, أو كما كانت ولاتزال تكتب علي ترويسة المجلة روز اليوسف. وكانت روز اليوسف, هي أو مجلة أسبوعية أقرأها, بمجرد أن تعلمت القراءة, حين عن لأبي ذات يوم أن يختبر مدي تقدمي في الدراسة, فدفع إلي بعدد منها كان يقرأ فيه, وطلب إلي أن أتلو عليه ما هو مكتوب فيه, فأخذت أقرأه بسرعة نسبية لفت نظره, وبأخطاء قليلة كان يصححها لي فلا أكررها بعد ذلك, وبعد حوالي ساعة, قرأت له خلالها أخبارا فنية, وأخري سياسية, بدا عليه السرور, وأعلن لي أنه كان قد قرر أن يتركني عاما آخر في مدرسة القرية, أما وقد نجحت في اختبار روز اليوسف فقد قرر أن يصحبني معه في خريف العام نفسه إلي القاهرة, لكي اتقدم إلي امتحان القبول في المدارس الابتدائية. وتقديرا لجميل روز اليوسف التي نقلتني من حياة القرية الراكدة, إلي حركة العاصمة الصاخبة, حيث أتيح لي أن أرتدي القميص والبنطلون, بدلا من الجلباب, وأن أعرف ضوء الكهرباء الساطع, بدلا من ضوءمصباح النفط الخافت, وأن أفطر فولا وطعمية, وأذهب كل أسبوع إلي السينما, فقد ظللت أفضلها علي كل المجلات التي كان يقرأها أبي, وعلي الرغم من أنها كانت الأبسط والأقل فخامة, إذ كانت تطبع علي ورق خشن أسمر, وتعتمد علي الرسوم الكاريكاتورية, بما في ذلك غلافها, وتفتقد للصور الفوتوغرافية الملونة, التي كانت الطابع الغالب علي المجلات الأسبوعية في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية, بعد أن عرف العالم العربي طباعة الروتوغرافور, التي كانت أحدث صيحة في الطباعة آنذاك!. وتدريجيا, بدأت أتجاوز مجرد تلاوة ما تنشره روز اليوسف إلي فهم ما أقرأه علي صفحاتها, إذ كانت أخبارها ومقالاتها, بما في ذلك السياسية والفلسفية منها, تصاغ بأسلوب سهل سلسل يغري بالقراءة, وييسر علي القاريء الوصول إلي الفكرة بلا تعقيدات, ومن دون زخارف لفظية, تقطع السياق, أوتضطره للعودة إلي المعاجم والقواميس اللغوية, وفيما بعد أدركت أن اعتمادها الكامل علي الرسوم الكاريكاتورية, في الوقت الذي كانت معظم المجلات العربية تعتمد علي الصور الملونة, لم يحدث اعتباطا أو لمجرد نقص الإمكانات المالية, ولكن وراءه فلسفة, تنظر إلي الصورة الصحفية, باعتبارها مجرد تسجيل للواقع, ولا يضيف إلي القاريء شيئا, علي العكس من الرسم الكاريكاتوري, فهو أقرب إلي مقال يقدم فكرة واحدة ومركزة, في أسلوب ساخر قادر علي النفاذ إلي عقله ووجدانه مباشرة. بعد ذلك بسنوات, أثناء إجازة الصيف, التي كنت أمضيها بالقرية, لاحظ أحد أصدقائي شغفي بقراءة روز اليوسف وحرصي علي أن أوصي بائع الصحف بأن يشتريها لي كل أسبوع من المدينة القريبة, فأبلغني أن لديهم في منزلهم مجموعة كبيرة من مجلدات المجلات القديمة, بينما روز اليوسف كان والده وهو أحد أعيان القرية, يقرأها بانتظام أثناء دراسته الثانوية بالعاصمة, ويحرص علي الاحتفاظ بمجموعاتها وتجليدها, فلما قطع دراسته وعاد إلي القرية ليتفرغ لإدارة زراعته, احتفظ بها في صندوق خشبي ضخم, نقل فيما بعد إلي غرفة مهملة بحديقة المنزل. وفي هذا الصندوق عثرت علي مجلدات كل المجلات الفنية التي كانت تصدر بين منتصف العشرينيات ومنتصف الأربعينيات, إذ كان الأب ـ فيما يبدو ـ من هواة الفن, الذين كانوا يحرصون علي قراءة المجلات التي تهتم بالمسرح, ثم بالسينما, والغالب أنه واصل هوايته بعد أن عاد إلي القرية ليستقر فيها, وبينها وجدت مجلدات السنوات العشرين الأولي من روز اليوسف واستنتجت أن والد صديقي, قد بدأ يقرأها, باعتبارها مجلة فنية, تحمل اسم بريما دونة المسرح, إذ كانت المجلة في أعوامها الأولي مجلة فنية تهتم أساسا بالمسرح والفنون الجميلة والأدب, ولكنه لم يستطع أن يتخلي عنها, بعد أن تحولت إلي مجلة سياسية بالدرجة الأولي. وانهمكت علي امتداد إجازة صيف ذلك العام1957, في قراءة مجلدات السنوات العشرين الأولي من روز اليوسف لتتخلق أمامي صورة مصر خلالها, بكل ما كانت تزدحم به من أخطار وتيارات وأحزاب, وفنون. وكل ما كان لامعا في سماواتها من أسماء نجوم الأدب والفن والشعر والسياسية, وما كان مرشحا لكي يلمع من تلك الأسماء فيما تلا ذلك من عهود, إذ كانت تمثل مدرسة الهواء الطلق في كل هذه المجالات, فهي منبر للتعبير عن الرأي, يستطيع كل صاحب موقف أو رؤية, أن يصعد إلي درجاته, ليقف علي قمته فيخاطب الناس بما يشاء, من دون قيود أو شروط, إلا مجرد أن يكون لديه شيء مختلف يقوله,ويضيف به إلي ما يقوله الآخرون, ليحقق مصلحة عامة, وأن يملك موهبة التعبير عنه, وحرفية الكتابة باعتبارتها فنا, بما يمكنه من أن يسوق رأيه للآخرين ببساطة وبسهولة, تؤكد أنه قد فهمه هو نفسه, وبالتالي أصبح قادرا علي أن ينقله إلي الآخرين. وكان غريبا أن تفكر فاطمة اليوسف في عام1925, أن تعتزل التمثيل وهي في قمة تألقها وشهرتها, لتشتغل بمهنة لا تعرف عنها شيئا, وهي الصحافة, ولتصدر مجلة أدبية فنية وهي التي ظلت أمية تماما حتي بلغت الخامسة عشرة من عمرها, حين تنبه أستاذها المخرج الموهوب عزيز عيد الذي اكتشف موهبتها ودربها علي التمثيل, إلي أن أميتها ستحول بينها وبين حفظ أدوارها, وبين نطق الحوار في المسرحية المترجمة إلي العربية الفصحي بشكل سليم, فأحضر لها من يعلمها كيف تفك الخط, وكيف تقرأ النصوص. وفيما بعد استطاعت فاطمة اليوسف عبر اختلاطها بالأدباء والفنانين والشعراء والصحفيين الذين كانوا يعجبون بتمثيلها, حين كانت تشتغل بالفن ثم برجال السياسة الذين عرفتهم, بعد أن تحولت مجلتها إلي أقوي مجلة سياسية عربية, أن تستفيد من حواراتها معهم, وحواراتهم مع بعضهم البعض, وأن تلتقط بذكائها الفطري, ما مكنها بعد ذلك من أن تكون بريما دونة الصحافة كما كانت بريما دونة المسرح! والمؤكد أنها أدركت بفطرتها أن الصحافة فن, كما أن المسرح فن, وأن كل الفنون لا تعيش إلا في الهواء الطلق!
|