|
د. عبدالعاطي محمد في مصر انتخابات للمحليات هي الأولي من نوعها منذ أن أصبح الإصلاح السياسي والاقتصادي عنوانا رئيسيا للعمل الوطني, ومع أنها تختلف عن غيرها من الانتخابات النيابية حيث تركز أساسا علي ما يهم المواطنين من خدمات يحتاجونها علي مستوي المحافظة أو المدينة أو القرية, وتتباين فيها أوضاع الخدمات واحتياجات المواطنين بحكم تباين الظروف السكانية والجغرافية ومستويات المعيشة.. وبرغم هذا الطابع الخاص الذي يميز انتخابات المحليات, فإنها تكتسب هذه المرة طابعا سياسيا بالنظر إلي التحول في دور المحليات ضمن منظومة اللامركزية, التي تتزايد الحاجة للعمل بها مستقبلا, وإلي ما تتصل به بالعملية السياسية الديمقراطية ككل وما تتطلبه هذه العملية من تعميق وتوسيع دائرة المشاركة في صنع القرار واتخاذه أيضا وإلي ما هو منوط بها مستقبلا أيضا من مهام للرقابة الشعبية, ويضاف إلي ذلك سبب آخر استجد مع التعديلات الدستورية التي تمت عام2006 ومن بينها ضرورة أن يحصل المرشح لمنصب رئيس الجمهورية علي عدد بعينه من أصوات أعضاءالمجالس المحلية علي مستوي المحافظات(140 عضوا) إلي جانب65 عضوا من الشعب و25 عضوا من الشوري. *** لقد كان مطلوبا أن تتغير البيئة السياسية والقانونية التي يجري فيها اختيار أعضاء هذه المجالس خصوصا أنها تعمل في فضاء سياسي له خصوصية معينة, بوصفه يعتمد علي المواطن البسيط بدءا من المدينة إلي القرية ومرورا بالأقسام والأحياء, ويتعامل في كل ما يمس حياته اليومية في الصحة والتعليم والطرق والإسكان والتشغيل والكهرباء والمياه وصولا إلي النظافة والحفاظ علي البيئة ورغيف الخبز ذاته, ولذلك جرت عدة خطوات إصلاحية علي المستوي السياسي أوجدت بيئة سياسية مختلفة تماما عما عهدته هذه المجالس في السابق, فبعد أن تم ترسيخ مفهوم حقوق الإنسان والمواطنة ظهرت له تطبيقات علي أكثر من صعيد, وبعد أن تقدم الرئيس مبارك بمبادرته لتعديل المادة76, من الدستور بما يجعل اختيار رئيس الجمهورية بالانتخاب وليس بالاستفتاء, وجرت انتخابات رئاسية تنافسية بناء علي هذه القاعدة الجديدة عام2005, وفاز فيها الرئيس مبارك, وبعد إجراء انتخابات مجلس الشعب والتجديد النصفي لمجلس الشوري علي قاعدة التعددية والتنافس بين الأحزاب والقوي السياسية المستقلة المشروعة, وبعد إجراء التعديلات الدستورية(34 بندا) لترسيخ مفهوم الدولة المدنية وتعميق المواطنة ونشر الثقافة السياسية التعددية أصبح بالإمكان القول: إن الديمقراطية التي يقوم عليها الإصلاح السياسي تعني توسيع دائرة المشاركة في صنع القرار واتخاذه بما يحقق الرضا العام الذي ينعكس بدوره في الاستقرار والتفاعل الحي حول كل قضايا العمل الوطني بعيدا عن ديمقراطية الفرد الواحد أو الرأي الواحد. أقول ذلك لأن المشاركة التي كانت متوقعة كاستجابة طبيعية لكل معالم الإصلاح السياسي التي عاشتها مصر بقوة طوال الأعوام الثلاثة الماضية لم تكن عند المستوي المطلوب, وللأسف فقد فسر المغرضون ضعف المشاركة بالطريقة التي يصفون بها حساباتهم السياسية الضيقة مع النظام السياسي, فأشاعوا خطأ أن الإصلاحات غير حقيقية ولذلك عزف الناس عن المشاركة, أو أن هناك تدخلات تمس العمليات الانتخابية, ولم تمتد أبصارهم لما هو أبعد من الصورة المشوهة الأولية للتجربة ولم يعترفوا بوقع التغيير الذي تم فعلا, ولا نشير بذلك إلي مجرد العمل بحرية التعبير بشكل غير مسبوق وبدرجة تفوق كل مثيلاتها في المنطقة العربية وإنما إلي ظهور أجيال جديدة شابة أخذت طريقها إلي مواقع اتخاذ أو صنع القرار وإلي ظهور درجة عالية من الرضا الجماهيري الإيجابي وليس السلبي الذي يتحمل أعباء الحياة القاسية ويرفض أساليب التحريض والخداع السياسي, ويتمتع بدرجة عالية من الأمل تمكنه من التفاعل مع خطوات الإصلاح التي لم يتعودها من قبل. لقد اتضح مع التجربة أن صوت الأقلية المنظمة كان أقوي وأعلي من صوت الأغلبية الصامتة والعازفة عن المشاركة, وكان القبول بهذا الوضع يعني ضرب الديمقراطية ذاتها في مقتل, لأن المشهد في هذه الحالة سيكون مخادعا إلي حد كبير, حيث لا يعقل أن تكون الأقلية المنظمة معبرة عن الصالح العام وإنما عن أهدافها وأجندتها الخاصة, وبما إنها منظمة, فإنها تستطيع أن تختطف الديمقراطية, بينما الهدف الأساسي من التغيير أو الإصلاح لا يتحقق, ألا وهو أن تتحول الأغلبية الصامتة إلي أغلبية فاعلة وهنا تعود الديمقراطية إلي ساحتها الطبيعية وتنمو وتزدهر. *** وإدراكا لكل العوامل الثقافية والاجتماعية والاقتصادية المعوقة لزيادة المشاركة, فقد تم العمل بكثافة وصبر علي إيجاد الآليات التي تسمح بهذه المشاركة وإضفاء المصداقية علي الشعارات, وجاءت انتخابات المحليات لتعكس مظاهر هذا التحول الجديد, وهنا لعب الحزب الوطني الديمقراطي دورا بالغ الأهمية في إنجاز هذا التحول. بدأ الحزب الوطني بإجراء أوسع انتخابات داخلية من أصغر القواعد إلي أكبرها قادت إلي تجديد دمائه.. وفي الإعداد لانتخابات المحليات وضع قاعدة الانتخاب موضع التطبيق في اختيار المرشحين علي قائمته لخوض هذه الانتخابات علي مستوي52 ألف موقع, وكان مطلب الانتخابات للترشيح مطلبا شعبيا عبرت عنه قواعد الحزب, كما أعطي أهمية كبيرة للقيادات الشابة وللمرأة, وتم ذلك في7 آلاف وحدة حزبية وعلي مستوي7,2 مليون عضو هم أعضاء الحزب الوطني.. وليست هناك تجربة حزبية ناجحة مئة في المئة كما يقول السيد صفوت الشريف أمين عام الحزب, ولكن يكفي القول إن نسبة النجاح في إعادة تشكيل الحزب وصلت إلي65 أو70% وهذا في حد ذاته قوة دفع حقيقية للفكر الجديد الذي يتبناه الحزب.. وفي انتخابات الترشيح للمحليات وقعت خلافات أو اختلافات بين المرشحين أنفسهم وبينهم وبين الحزب, ولكن من بين نحو55 ألف مرشح انحصر الخلاف في نحو ألف أو ألفي شخص, وهي نسبة قليلة للغاية لا تستحق القلق أوتصلح لأن تكون سلاحا يشهره المغرضون في وجه الحزب. ويحسب للحزب أنه تصدي لبعض قياداته الكبيرة التي رفعت راية العصيان ورفضت فتح المجال أمام تجدد الدماء وتوسيع قاعدة المشاركين في العمل السياسي واتخاذ القرار.. ويستطيع الحزب من خلال آلياته الداخلية أن يستوعب من لم يقع عليهم الترشيح أو خسروا في المنافسة فالجميع أبنائه في نهاية المطاف.. ويحسب له أيضا أنه رشح6000 امرأة للانتخابات المحلية بينهن450 قيادة نسائية علي مستوي المحافظة, ويحسب له ثالثا أن قوائمه تتضمن14% من السيدات و43% من حملة الشهادات الجامعية و5% من حملة الماجستير والدكتوراه, وعندما قرر الحزب أن يكون سقف الترشيح بالانتخابات65 أو70% فإنه أراد بالنسبة الباقية أن يعمق التنوع ويدفع بنخب لها قيمتها الاجتماعية والفكرية داخل المجالس المحلية, حيث إن هناك شخصيات عامة عديدة تنأي بنفسها عن خوض المعارك الانتخابية بكل ما فيها من مصاعب, ولكنها تملك القدرة علي العطاء الوطني خصوصا أن المحليات تحتاج لأصحاب خبرة في حل ما يعترضها من مشكلات يومية, ومن بين الـ30 أو35% هناك فرصة للمرأة بنسبة10% والهدف هو تعويد المرأة علي الانخراط في العمل السياسي. *** وكما يقول السيد صفوت الشريف, فإن المجالس المحلية تعد مدرسة للعمل السياسي أو خطوة إلي المجالس النيابية, وبتعزيز هذا التوجه فإننا بعد سنوات قليلة سنجد إقبالا قويا من المرأة علي الحياة النيابية وقدرة ذاتية علي تحقيق الفوز في انتخاباتها. ومثلما خاض الحزب الوطني انتخابات مجلسي الشعب والشوري علي البرنامج الانتخابي للرئيس مبارك, فإنه يخوض انتخابات المحليات لعام2008, علي نفس البرنامج فيما جاء به علي صعيد المحليات من خدمات أساسية مع ارتباط أوثق بالقضايا الجماهيرية الضاغطة مثل زيادة الأسعار, ومشكلة رغيف الخبز, كما يطرح بشفافية حجم الإنجازات التي تحققت علي صعيد كل موقع محلي بدءا من المحافظة إلي القرية, من مراحل ومجالات البرنامج الانتخابي للرئيس. بهذه الانتخابات تتغير نظرة الناس للمجالس الشعبية المحلية في اتجاه زرع الثقة أولا بعد أن كانت النظرة مليئة بالشكوك, في ظل ما كان يجري من فساد داخل المحليات, فالنخبة المننتخبة الجديدة مختلفة الدماء والفكر, ولم تتلوث بعد بهذا الداء الذي تجري مقاومته من الدولة بشكل مؤسسي ومقنن بعيدا عن العواطف والوعود التي لا تتحقق, وبالتنوع المهني والفكري والمستوي اللائق الذي تتمتع به هذه النخبة, يمكن القول إنها ستصبح أكثر كفاءة في القيام بمهمتها كرقابة شعبية وكشكل من أشكال السلطة اللامركزية, إنها إحدي دعائم الإصلاح السياسي المنشود والمنطلق الذي يجعل الديمقراطية في أيادي الأغلبية ولا يسمح للأقلية المنظمة باختطافها. ** من الأجندة: * لفت خطاب الرئيس السوري بشار الأسد أمام القمة العربية العشرين بدمشق الانتباه, جاء مفاجئا لتوقعات مسبقة بأن يصبح حادا ومشتبكا مع أكثر من طرف عربي, وخصوصا تجاه الحكومة اللبنانية الحالية, ولكنه خلا من كل ذلك, وعكس لغة هادئة وتصالحية وحمل رسالة للتعاون السوري فيما يؤدي إلي حل الأزمة اللبنانية, وحتي بالنسبة للولايات المتحدة, فقد تجنب الرئيس السوري أن يشن عليها هجوما كان من الممكن قبوله لدي الرأي العام العربي في ضوء الاستفزازات التي قامت بها تجاه دمشق طوال الشهور الماضية.. هذه اللغة التصالحية تعني أن دمشق حرصت علي أن تبقي الباب مفتوحا مع كل من اختلفوا معها لأنها هي رئيس القمة من الآن ولمدة عام, ولن تتمكن من تفعيل دورها كرئيس للقمة العربية في ظل استمرار مناخ الانقسام والتصادم الذي خيم علي العلاقات العربية, ولذلك كان حريا بها ألا تزيد الجراح نزيفا, وأن تعطي الفرصة للجامعة العربية بأن تكون جسر العودة للتضامن العربي, وهكذا خرجت القمة بدعم المبادرة العربية لحل الأزمة اللبنانية برغم ما واجه المبادرة من عقبات, بما يعني أن الدول العربية وفي مقدمتها سوريا مازالت تحتكم للحل العربي وتسعي إلي تجنب الحل الدولي, ولكي تؤتي هذه اللغة التصالحية نتائجها فإنها تحتاج إلي مصارحة سياسية بين كل من دمشق من جهة والقاهرة والرياض من جهة أخري, وإلي استعادة سريعة للثقة التي باتت مفقودة داخل البيت العربي, وإلي مراجعة للعلاقات السورية ـ الإيرانية بما لا يجعلها عبئا علي دمشق والعواصم العربية الأخري. * بما أن العقارات قاطرة تجر جميع القطاعات الاقتصادية الأخري في المجتمع إلي الأمام أوإلي الخلف, حيث تتأثر هذه القطاعات بشدة بكل ما يعتري سوق العقارات من تغيرات, فإن حديد التسليح يعد سلعة حاكمة بالغة الأهمية, يتوقف عليها حال البناء والتشييد وبالتالي أسعار العقارات صعودا أو هبوطا, ولا يخفي علي أحد أن هناك جدلا صاخبا حول مسئولية مجموعة شركات حديد عز في ضبط سوق حديد التسليح, بوصفها أكبر الشركات الخاصة المصرية في هذا المجال, وقد تعرضت المجموعة لاتهامات عديدة فيما يشبه المحاكمة الصحفية أو الإعلامية, وردت بطرقها الخاصة علي هذه الاتهامات ولكن ظل الحال علي ما هو عليه من تأزم.. وفي هذا الإطار نفي أحمد عز صاحب مصانع هذه المجموعة مسئوليته عن الارتفاعات المتتالية في أسعار حديد التسليح في مصر مرجعا ذلك إلي أنها ظاهرة عالمية بسبب الطفرة في الطلب العالمي علي الخامات, كما قال إن أسعاره تقل بكثير عن أسعار الشركات الأخري في مصر والمنطقة العربية. ومن حق أحمد عز أن يدافع عن نفسه ويشرح للرأي العام أبعاد هذه القضية, حيث أرسل للصحف ملفا كاملا يتضمن من وجهة نظره الحقائق الكاملة عن هذه الصناعة في إطار الشفافية الكاملة التي يتبناها حديد عز حسب تعبيره, ولكن توسيع دائرة الحوار لإجلاء الصورة يحتاج إلي المصارحة بجوانب أخري تعد من المسكوت عنه في هذا الجدل, ففي اعتقادي أن عز يستطيع أن يتحمل خسارة خفض أسعاره أكثر مما هو معلن لفترة من الزمن بحكم قوة أصول شركاته, ولكن تجار الحديد والمنتفعين من وراء اشتعال السوق لن يقبلوا بذلك, وسيفرضون عليه إما أن يبقي علي الأسعار الحالية أو يزيدها ارتفاعا!! وعندما سألته رأيه فيما يجري لفت نظري إلي معلومة مهمة وهي أن من القواعد المعمول بها في الاقتصاد العالمي ألا يقدم منتج كبير علي خفض سعر سلعته حفاظا علي التنافسية ولكي لا يسيطر بمفرده علي السوق.. ومن ثم إذا ما كانت هناك مطالب في وجه أحمد عز فإن هناك مطالب أكثر أهمية تجاه تجارة الحديد ككل هي بالطبع ليست من اختصاصه, وإنما من اختصاص السلطات الرقابية والتنظيمية للدولة, كما يتعين إيضاح الحقائق من المسئولين عما إذا كانت مجموعة عز تباشر أشكالا من الاحتكار ضد الآخرين أم لا, وإن كان ذلك صحيحا فليأخذ القانون مجراه علي الجميع.. وفي كل الأحوال فإن الحوار لابد أن يتسع ليشمل ما تعرضه مجموعة أحمد عز من حقائق, وكذلك ما يقوله من يشنون الحملات ضده, وما هو يقع في نطاق مسئولية الدولة والشركات الأخري, كل ذلك يتعين مناقشته بعيدا عن التجريح والابتزاز والمزايدات ذات المصالح الخاصة.
|