|
أجري الحوار ـ عزمي عبدالوهاب وراق الحب, بريد عاجل, دع عنك لومي ثلاث روايات أصدرها المبدع السوري خليل صويلح, بعد رحلة طويلة مع الشعر, وقد ثمن د. جابر عصفور إحدي رواياته قائلا: إنها من أهم الروايات التي صدرت خلال السنوات الأخيرة. يبدو أن صويلح الذي بدأ شاعرا, بإصداره ثلاثة دواوين: افتتاحيات, هكذا كان المشهد, اقتفاء الأثر قد استقر في الرواية كوطن للسكني, وبالتالي فهو ضد طرح السؤال: لماذا يتحول الشاعر إلي كتابة الرواية؟ فالمهم لديه هو النص, بصرف النظر عن كونه رواية أم قصيدة.. هنا حوار مع الشاعر والروائي خليل صويلح فإلي التفاصيل.. * بريد عاجل روايتك الثالثة تؤرخ لجيل الثمانينيات في دمشق.. لماذا ارتبط هذا الجيل بمجموعة كبيرة من الإحباطات علي مستوي الوطن العربي؟ هذا الجيل كان نتيجة مباشرة لهزيمة1982, فهو واجه غزو أول عاصمة عربية واحتلال بيروت, ثم مجزرة صبرا وشاتيلا, ثم صعود الحركات الإسلامية وتشدد القبضة الأمنية للأنظمة. هكذا تري أنه لم يهنأ بلحظة حرية كي يكتب نصه ويستنشق هواء آخر, ثم تسارعت الأحداث مع حرب الخليج الأولي وحرب الخليج الثانية لتنتهي أحلامه تماما بسقوط بغداد. بين هاتين الدائرتين ضاعت أحلام هذا الجيل. فالرواية تبدأ من لحظة احتلال بغداد, حيث ينقل الراوي إلي الأرشيف في الصحيفة التي يعمل بها. كل هذه الصفعات المتتالية لابد أن تترك جرحا مفتوحا في روح هذا الجيل. * تتعرض الرواية في أحد جوانبها لصحفي يعاقب وينقل إلي الأرشيف, فيجد نفسه يكتب في باب التعارف ويتلقي رسائل ويجيب عنها, ويمدنا النص بمعلومات عن تاريخ البريد قديما وحديثا, هنا يري أحد النقاد أن هذه المعلومات أفسدت حرارة النص وكان يمكن اختصارها في بضعة سطور.. كيف تري أهمية هذا الجزء الوثائقي في سياق النص الإبداعي؟ أولا لم يعمل الراوي سوي في التوثيق والأرشفة, وهو ما أيقظ هواية قديمة لديه وهي المراسلة, الأمر الذي شجعه علي نبش الوثائق الموجودة في الأرشيف فيما يخص تاريخ البريد, لسبب أساسي وهو أن بداية تأسيس الدواوين وديوان الرسائل إشارة إلي بداية الدولة الحديثة في عهد عبد الملك بن مروان, كما أن عنوان الرواية' بريد عاجل' هو نداء استغاثة لجيل لم يتمكن من إيصال رسائله إلي الآخر, فهو عاش حقبة من التعسف أطاحت بتطلعاته علي رغم أنه وصل إلي زمن الرسائل القصيرة علي الموبايل.هذه الحداثة المزيفة تحتاج إلي مراجعة كما تبتغي الرواية, فنحن في حقيقة الأمر لم نغادر زمن الحمام الزاجل وتعقيبا علي التوثيق, أري أنه مقترح سردي مهم في مزج الواقعة التاريخية بالتخييل, فالرواية اليوم لم تعد محض خيال, وبات الجانب التسجيلي رافدا أساسيا في عمارتها, وعنصرا في ترسيخ واقعية النص وراهنيته. * في روايتك' دع عنك لومي' يبدو المثقفون متسكعين في الشوارع وعلي المقاهي.. فكيف تتحول الثقافة إلي عائق اجتماعي؟ حتي إن ناقدا كتب أن هذه الرواية تصفي حسابا خفيا مع تاريخ سردي طويل جري فيه تمجيد المثقف وتمجيد الأيديولوجيا في الرواية السورية؟ لم يكن أبطال الرواية مثقفين بمعني الكلمة, كانوا علي هامش الوسط الثقافي, لكن أمثال هؤلاء سحبوا البساط من تحت أقدام المثقف الحقيقي عن طريق الادعاء واستخدام الأقنعة تحت شعار لكل مقام مقال.أردت أن أقول إن هذا الجيل الطحلبي يفتقد الشرعية, ويفتقد إلي نص أصلي فهو يستعير نص الآخر ويقتات عليه.لعل السؤال الأساسي في الرواية هو:متي نكتب نصنا الشخصي؟. النص الذي يعبر بأصالة عما نعيشه فعلا.حتي المؤلف فإنه يستعير عنوان نصه من أبي نواس.هكذا تجد أن المثقف'النزيه' خارج اهتمامات الراوي, وتاليا فالرواية ليست بيانا أيديولوجيا علي الإطلاق, ربما تتوغل بما هو سيسيولوجي علي نحو أكثر دقة عن طريق فحص الذوات الشخصية لجيل نشأ في العراء, وهاهو يسعي لاحتلال موقع ليس له, لأنه لم يبذل جهدا لتحرير نصه الخاص.سأضرب لك مثلا عابرا:حين تقول عبارة شخصية ذات رنين, لن يلتفت إليها أحد, ولكن حين تنسب العبارة لرولان بارت أو إمبرتو إيكو أوكونديرا مثلا فالأمر سيختلف لجهة الانتباه والتمجيد. شخصيات روايتي هذه عاشوا علي فتات موائد الآخرين كي يبرروا وجودهم.وكنت أعتقد أن نماذجي في الرواية حالة سورية صرفة, لكنني تلقيت رسائل من المغرب ومصر تشير وتؤكد علي وجود هذه النماذج في بلدانهم.من جهة أخري, لم أقصد رثاء صورة المثقف ولكني سعيت إلي كشف الطحالب التي تنمو علي حافة الثقافة وتكاد أن تحتل المشهد.(بالمناسبة فإن أبطال روايتي المتخيلون تعرفوا إلي أنفسهم في الرواية ووجهوا لي شتائم وتهديدات!). * أعيد عليك سؤالا طرحته في أحد مقالاتك: هل الأدباء والمفكرون هم من شكلوا وعي السوريين أم رجالات السياسة والعسكر؟ بل العسكر أولا وثانيا وثالثا. اليوم أكتشف أن كل مواطن سوري هو عسكري صغير, ما إن تواتيه الفرصة لكي يمارس سلطة ما حتي لو كان حارسا ليليا أو بوابا سوف يستيقظ في داخله عسكري كان يقبع في تجاويف دماغه, أما ما تبقي من شعارات فهي مجرد أقنعة فحسب.بفحص دقيق تتكشف عن وجه آخر. * بعد ثلاثة دواوين:' افتتاحيات' و'هكذا كان المشهد' و'اقتفاء الأثر' يكتب خليل صويلح الرواية, هل كان الشعر قاصرا في التعبير عن انشغالاتك؟ ليس الشعر مهنة وكذلك الرواية. في لحظة ما وجدت نفسي أكتب نصا سرديا غائما.لم يكن بذهني أن يكون رواية. كنت منشغلا بالكتابة عن تاريخ الحب.أن أجمع مدونة الحب في العالم في سياق نص مفتوح, لكن خطواتي وارتجالاتي الأولي قادتني إلي كتابة رواية, أستعيد خلالها أساليب السرد العربي القديم في نصوص الحب.كنت مولعا علي الدوام بـ'طوق الحمامة' لابن حزم, لكن هذا النص البديع قادني إلي نصوص أخري في الحب والغواية, وكيف أن أسلافنا من الفقهاء كانوا منشغلين في الحب والجنس والفراق, ثم تكشف النص عما هو يومي فجاءت رواية'وراق الحب' مزيجا من الأساليب السردية بحثا عن نص كان مؤجلا إلي فترة طويلة.وفي نصي'بريد عاجل' كنت مهموما بتاريخ البريد وأحوال جيل الثمانينيات, وهكذا انخرطت في عالم السرد. * وما الذي منحته إياك الرواية؟ اليوم, بعد أربعة نصوص روائية, أجد أن الرواية هي الملعب الكبير لغواية الكتابة ومتعتها.في الشعر كنت أشتغل في منطقة ضيقة ودائرة علي وشك أن تغلق خطوطها, فجاءت الرواية في وقتها تماما, حتي إنني أشك اليوم بأنني كتبت شعرا. الرواية فسحة مفتوحة علي كل الاحتمالات, حديقة تتجاور فيها أشجار بثمار مختلفة, ومتعة لاتوصف في بناء عالم متخيل ومشته, وإذا كان للشعر باب واحد فإن للرواية سبعة أبواب. متاهة تصنعها بيدك ثم لا تعلم كيف تجد سبيلا للخروج إلي الضوء, ثم إن الرواية مختبر لمناوشة كل حقول الإبداع الأخري في نسيج واحد أو في بساط بمئة لون ولون.سأضيف أيضا أن الشعر بالنسبة لي كان مثل حب المراهقة, سهر طويل وقبلات مختلسة, أما الرواية فهي زواج عاصف من الكلمات. * ما أهمية أن تمجد الهامشي والشخصي والعابر في أعمالك؟ برأيي أن تمجيد الهامشي والشخصي بات ضرورة روائية وليس خيارا, فالقضايا الكبري التي اعتنت بها الرواية العربية طويلا وصلت إلي طريق مسدود, ثم ماذا يعني أن أرفع راية أجدادي العظام وأنا أغوص في وحل اللحظة الراهنة إلي الركبتين.ثم لقد مات البطل الإيجابي إلي الأبد, وصار ضروريا الالتفات إلي شخصيات تقبع في الظل ومناوشة عوالمها الداخلية وإحباطاتها. بطل اليوم بالكاد يجد مكانا يأويه فكيف سيذهب إلي الحرب أو يحمل سيفا؟إنه بالكاد يتلمس طريقه, فكيف سيضئ الطريق إلي الآخرين'أعمي يقود أعمي كلاهما يقع في حفرة'. * إذا كانت' الرواية أكثر الفنون ديمقراطية' كما تقول في أحد حواراتك, فأين ذهب المسرح؟ الأكثر ديمقراطية بوصفها وعاء لكل الفنون والتجارب, إذ تتجاور وحدات سردية متضادة علي سجادة واحدة. شخصيا أجد الرواية جدارية ضخمة يمكن كتابة ما يخطر في بالك علي سطحها ثم بلمسة ما تتماهي الخطوط في نسيج واحد.إنها فن التشظي والانشطار والتجاور, من هنا يمكن النظر إليها كفن ديموقراطي فهي تشبه كيس الساحر الذي يخرج من جيبه أرانب في اللحظة المباغتة. المسرح في مكان آخر لجهة انشغال النص بتيمة محددة قد تحبها وقد تنسحب من العرض بعد دقائق.وينبغي أن أوضح أن ديموقراطية الرواية لا أقصد بها التلقي بل تجاور أشكال السرد وتعدد شخصياتها وأصواتها, ففي نص اليوم لم يعد البطل ديكتاتورا يتحكم بمصائر الآخرين, بل إن البطل نفسه هو ضحية الظروف الغاشمة, إنه في نهاية المطاف ليس بطلا بالمعني التقليدي للرواية القديمة. * كيف تري اختيار دمشق عاصمة ثقافية للعالم العربي هذا العام؟ اختيار العواصم الثقافية صار تقليدا من منظمة اليونسكو, وهي فرصة لترميم المشهد الثقافي في بلدان تراجعت فيها حصة الثقافة إلي الحضيض.دمشق اليوم تستقطب نشاطا ثقافيا نوعيا, من الصعب حصوله في الظروف الاعتيادية, وهو أمر مفيد في تحريك العجلة وتزييتها ولو بشكل مؤقت.ثم لم تعد هناك عواصم ثقافية بالمعني التقليدي.اليوم رأس المال هو من يصنع الثقافة, ولم تعد مجرد فكرة تاريخية, وبات أي أرخبيل عربي يستورد الثقافة ويمنحها الجوائز.*
|