|
تحقيق ـ جيهان محمود- تصوير ـ محمد عمر في أحد مقالات الكاتب السعودي الراحل عبدالله حمد تساءل قائلا: من منا زار القاهرة ولم يزر سور الأزبكية العتيد؟! ذلك السور لا ينافسه في تفرده الثقافي إلا ضفاف السين بمدينة باريس, فهما يشتركان في احتضان الثقافة ويقدمانها للناس بقروش قليلة.. وفي بعض الأحيان يجوب المختصون وهواة الكتب مكتبات المدن في جميع أنحاء العالم للبحث عن طبعة قديمة لكتاب ما, فلا يجدونها, فيأتون إلي سور الأزبكية ـ بالقاهرة ـ فيجدون ما يطلبون, كنت أتمني في يوم من الأيام ـ والكلام مازال لحمد ـ أن يقام في مدينة الرياض مكان لبيع الكتب والمجلات القديمة.. هكذا تحدث أحد المثقفين العرب, وغيره كثيرون في مختلف الأقطار العربية وليس في مصر فقط عن أهمية سوق الكتاب المسمي بسور الأزبكية والذي يعد أشهر وأعرق سوق للكتب القديمة في المنطقة العربية. لكن للأسف الشديد تطارد السور مشاريع مترو الأنفاق حيث تم نقله ثلاث مرات لتأتي المرة الرابعة, فتمزق أوصال السور وتتناثر أحشاؤه ويجتهد المسئولون في إبقاء الوضع علي ما هو عليه. إذا صادف يوما وكنت من ركاب مترو الأنفاق ونزلت في محطة العتبة ستصيبك الدهشة في أول خطوة تخطوها خارج النفق سيرتطم جسدك بالباعة الجائلين الذين يحتلون آخر درجة من درجات سلم المترو من الخارج ويحتلون الممرات بين أكشاك الكتب التي أصبحت في حال يرثي لها. لا أحد ينكر أهمية المشروع القومي لامتداد مترو الأنفاق حتي الباعة أنفسهم من أصحاب أكشاك الكتب لا يعترضون عليه, لكنهم يريدون الاستقرار في مكان ثابت علي حد قول محمد إبراهيم أحد المتضررين حيث تتعرض كتبه للتلفيات جراء النقل وسط تراب الحفر للمترو, حيث يوضح: قيل لنا إنه سيتم عمل أكشاك حديثة ذات طراز إسلامي أرابيسك ووعد رئيس الحي بتسليمنا عددا من هذه الأكشاك في الشهر الجاري وتتوالي تباعا باقي الأكشاك إلي أن يصل عددها إلي130 كشكا, فمن يضمن الاستقرار لنا ونحن من وقت لآخر يتم نقلنا. ويسترجع وائل سمير ـ صاحب كشك ـ ما تم منذ بداية شهر مارس الماضي وما جري من تطورات فقد اجتمع بهم رئيس حي الموسكي اللواء أحمد عبد الفتاح سليمان وأبلغهم أن هذه المكتبات الجديدة لن تسلم لهم الآن, حيث إنه لم يتم الانتهاء منها بعد, وبالتالي اقترح الناس أن يتم فك المكتبات القديمة الخاصة بهم ونقلها علي حسابهم الخاص إلي المكان الجديد حتي يتم الانتهاء من أكشاك الحي ويتم عمل إحلال وتجديد, حتي لا يتسبب ذلك في خسارة مادية لهم. كان موضوع النقل مثارا منذ عامين والآن بدأ العمل فيه بجدية وقاموا بهدم الجامع الموجود في المنطقة, ويخشي الباعة النقل لأن رئيس الحي في اجتماعه معهم عرض عليهم أن من يرغب في التنازل عن المكتبة نظير23 ألف جنيه فليفعل( كما يقول ممدوح علي أحد أصحاب الأكشاك).. ويقترح أن تكون مسئولية العاملين في بيع الكتب تابعة لوزارة الثقافة, وليس لمحافظة القاهرة أو الحي, فوزارة الثقافة من وجهة نظره ستكون أكثر تفهما لهم.. ويطالب أن تتم عودة الأكشاك حول سور الحديقة من الخارج, وهو المكان القديم للسور, وخصوصا بعد أن صار منظر المكتبات كئيبا. وفي ظل هذا التنقل الدائم لأصحاب المكتبات بسور الأزبكية تبدو العملية دون تخطيط من قبل المحافظة ـ كما يقول رضا عوض أحد مؤسسي رابطة بائعي الكتب بالسور وصاحب دار رؤية للنشر والتوزيع ـ لمصلحة من يتم نقل السور خلال15 عاما أربع مرات؟, ومازال السور حائرا لا يجد مقرا دائما له, لذا يناشد عوض جميع المثقفين والكتاب أن يتكاتفوا من أجل جعل سور الأزبكية مزارا ثقافيا باعتباره منارة لثقافة البسطاء. ويطرح عدة تساؤلات: لماذا لا تطرح مسابقة من أجل تطوير المنطقة؟ وكيف تستوعب كل المشاريع في منطقة واحدة دون دراسة أو تخطيط؟ نحن علي استعداد لتحمل تكاليف عمل تلك المسابقة بأكثر من دراسة علي حسابنا الخاص واختيار الأفضل والأنسب للجميع, لأن سور الأزبكية المكان الوحيد الذي حافظ علي التراث الثقافي ببيع وشراء أمهات الكتب في شتي المجالات, مقترحا أن يتم توزيع الأكشاك الجديدة وسط حديقة الأزبكية, وبالتالي تنشط المنطقة, كما يدعو إلي ضرورة متابعة المكان بأن تكون هناك رقابة علي تلك الأكشاك ومن لا يمارس بيع الكتب يتم غلق أو سحب الكشك منه حتي لا يستغل في غير النشاط المخصص له. ويطالب عوض المحافظ بأن يجتمع بأصحاب الأكشاك ومناقشة هذا الموضوع في النور دون تكتم.. والذي يدعو للدهشة والحيرة حقا أن الجهة المنفذة لمشروع الأكشاك الجديدة هي إحدي شركات مؤسسة أغاخان للخدمات الثقافية' الخيرية' مما جعل بعض باعة الكتب بسور الأزبكية يتساءلون: كيف تتكلف الأكشاك ما يفوق ثلاثة ملايين جنيه وفي الوقت نفسه تتولي تنفيذها تلك المؤسسة الخيرية؟ ومما يزيد تلك الدهشة والتعجب أن أحد مهندسي الشركة قال إن هناك عددا من هذه الأكشاك يقدم' هدية' للمحافظة؟! وفي نفس الوقت أكد المهندس زياد عامر المشرف علي مشروع إحياء الدرب الأحمر والمنطقة بشكل شامل, أنه يتم تصنيع133 كشكا بالطراز الإسلامي بمقابل وليس مجانا, وإن كان رفض تحديد قيمة التكاليف الإجمالية قائلا: إن اللواء أحمد عبد الفتاح رئيس الحي هو الذي يعرف التكلفة.. موضحا أن المحافظة قدمت تصميم الأكشاك والشركة قامت بتطويرها, ويتم تصنيعها حاليا من خلال مشروع التدريب علي الحرف بمنطقة الدرب الأحمر الذي أهدته الشركة للمنطقة ضمن مشاريع أخري, ويقوم بتصنيعه العمال المتدربون نظير أجر يعطي لهم, وأن أي مبالغ فائضة تحول لإقامة الأعمال الخيرية الأخري. ولاستكمال الموضوع توجهنا إلي رئيس حي الموسكي اللواء أحمد عبد الفتاح سليمان الذي أكد أن المحافظة طرحت المشروع علي عدة شركات ومقاولين وتم تقديم رسومات كثيرة واختيار أفضلها, وهي من الخشب الأرابيسك المتميز المعالج ضد الماء والحريق أو أي تلفيات, ويتكلف المشروع أكثر من3 ملايين جنيه وقامت بدفعه هيئة مترو الأنفاق تعويضا لنقل الأكشاك من مكانها, حيث يتكلف صنع الكشك الواحد مبلغ23.5 ألف جنيه, وهو مجهز بجميع مستلزماته من كوابل كهرباء وأرابيسك وزجاج وأرفف, وسوف يتم تسليم50 كشكا كدفعة أولي منتصف مايو الجاري, علي أن تتوالي باقي الدفعات علي مراحل, مؤكدا أن المشروع ليس خيريا وأن جمعية تنمية الدرب الأحمر التابعة لمؤسسة أغاخان هي التي تتولاه وهي لا تهدف إلي' الربح'.. وعن اختناق المنطقة بعدة خدمات يحيطها جيش من الباعة الجوالين أقر اللواء عبد الفتاح بعجز المحافظة عن إيجاد حل لنقل هؤلاء الباعة أو توفير مكان بديل لهم في ظل الزحام في المنطقة والقاهرة ككل, وقد استخدمت المحافظة كل الطرق لإخلائهم من المكان ولم تنجح لعودتهم مرة أخري, أما بخصوص هدم مسجد عماد الدين فسوف يتم بناء مسجد آخر علي أحدث طراز يتناسب مع التطوير الذي سيتم في المنطقة, وتتحمل تكلفته كاملا هيئة مترو الأنفاق, بالتنسيق مع وزارة الأوقاف والمحافظة, وبالنسبة لإدارة المرور سيتغير مدخلها بحيث يصبح في الجهة الأخري علي شارع علي الكسار, وبالتالي سيخف الضغط علي منطقة سور الأزبكية, ويستفاد من الواجهة الأمامية له وتتسع المساحة المخصصة للمكتبات, وسيكون الفاصل بين المكتبة والأخري أربعة أمتار حتي يسهل الحركة ولا يسبب إعاقة لمرتادي المترو. وعن ضرورة توفير مكان دائم للسور بعيدا عن منطقة التطوير أوضح رئيس الحي, أنه لا يوجد مكان بداخل الحي يستوعب كل هذا العدد من المكتبات.. وبسؤاله ما الذي يمنع من انتقال السور إلي مكانه الأول بشارع حمدي سيف النصر, أوضح أن هذا الاقتراح تم عرضه من قبل ورفض.. وحينما تساءلنا عن تعويض هؤلاء الباعة عن تضررهم فترة التطوير وتأثر حركة البيع والتلفيات التي ستصيب كتبهم, ابتسم قائلا:' يبدو أنك تمتلكين أكشاكا لذا تتحمسين للموضوع', وذكر أن الشركة الفرنسية المنوطة بتنفيذ المرحلة الثالثة من خط المترو عرضت إعطاء مبلغ يتم الاتفاق عليه مع أصحاب المكتبات كبدل بطالة لمدة شهرين إلي حين يتم تسليم المكتبات الجديدة, ولكن نظرا لوجود أزمة ثقة رفض أصحاب المكتبات الاقتراح, وعرضت الشركة أيضا عمل سرادقات حتي يتم تسليم المكتبات الجديدة ولكن أصحاب المكتبات رفضوا هذا الرأي أيضا, فتوصلنا لحل وسط هو أن يتم نقلهم بالمكتبات القديمة إلي المكان الجديد حتي يتم تسليم المكتبات الجديدة وتتم عملية إحلال وتبديل, مؤكدا أن موضوع نقل السور قديم حتي من قبل أن تسلمه رئاسة الحي, وتم عرض أكثر من مكان لنقل السور مع مراعاة عدم الإضرار بالباعة.*
|