|
* كتب ـ عزمي عبد الوهاب يواصل الكاتب إبراهيم عبد العزيز مشروعه المهم في البحث والتنقيب عن آثار رواد عصر النهضة العربية, وآخر هذه الآثار ما أنجزه بإصدار كتاب لم ينشر من قبل لعميد الأدب العربي د. طه حسين, وعنوانه الديمقراطية, وقد صدر عن دار نفرو للنشر والتوزيع, وما تفهمه من هذا الكتاب أن الديمقراطية لدي طه حسين, لم تكن قالبا, ينقل من بيئته الغربية إلي بيئة أخري, بقدر ما كانت غاية لتحقيق العدل الاجتماعي. ها هو طه حسين يكتب عام1942: لا يعنيني مطلقا أن يوجد برلمان ولا حكومة برلمانية بقدر ما يعنيني أن أستمتع بالحياة الهانئة التي أجنب فيها الشقاء بمقدار ما يستطيع الناس أن يجنبوا الشقاء, فإذا لم يصل البرلمان, ولم تصل الحكومة البرلمانية, وبعبارة أصح إذا لم تستطع الديمقراطية أن تمكنني من الحرية العزيزة فلست في حاجة إلي البرلمان ولا إلي الحكومة البرلمانية. وكان طه حسين قد أملي مقدمة كتابه هذا, وأعطاها عنوان الديمقراطية ووجدها إبراهيم عبد العزيز بين أوراقه التي اختصته بها حفيدة عميد الأدب العربي مني الزيات, وكانت ظروف طه حسين قد حالت دون إتمام الكتاب لانشغاله بمعركة الشعر الجاهلي, التي اشتعلت في العام1926 وهو العام الذي أراد طه حسين أن يصدر فيه كتابه. ومن خلال قراءة عبد العزيز لكتب العميد يصل إلي عدة نتائج منها: أن المتأمل فيما كتبه طه حسين عن الحركات الاجتماعية الشهيرة في التاريخ الإسلامي يدرك تمسك العميد بالظروف الاقتصادية والاجتماعية كعامل أساسي في تفسير التاريخ, فمنطلق هذه الثورات في نظره غياب العدل الاجتماعي, وإذا انعدم العدل وأشرف علي التلاشي هب الناس للدفاع عن حقوقهم الاجتماعية. من هنا نفهم سر انشغال طه حسين بثورة الزنج التي قامت في العراق, في القرن الثالث للهجرة وقادها علي بن محمد حيث قارن العميد بينها وبين ثورة العبيد في إيطاليا تحت لواء سبارتاكوس وقد نال المؤرخون الرسميون نصيبا وافرا من سخرية طه حسين لأنهم في رأيه يزيفون التاريخ حين يرون علي بن محمد مغامرا شريرا, آثر نفسه بالخير وطمع لها في الرياسة, واقترف في سبيل ذلك آثاما يشيب لها الولدان. كما عني طه حسين بثورة القرامطة وقد ربط بين التفسير الاجتماعي والاقتصادي من ناحية والتغيير السياسي من ناحية أخري, فالأنظمة السياسية تقف في كثير من الأحوال عقبة في طريق الإصلاح والتغيير ولذلك فإن طه حسين يري أن تغيير النظام السياسي في مثل هذه الحالات شرط لكل إصلاح. وعلي هذا الأساس يمكن فهم طبيعة تأييد طه حسين لثورة يوليو, شأن كثير من المثقفين, وإن كان تغير موقف البعض منهم من الثورة وظل موقف طه حسين قائما, وحين علت نبرة البعض غضبا علي حل الأحزاب والقبض علي عدد من المثقفين, كان العميد يؤكد أن الثورة تسعي إلي تحرير العقل, وعندما وقعت أزمة مارس1954 افتقد الجميع صوته. ومن أهم ما اكتشفه إبراهيم عبد العزيز في تراث طه حسين تلك المقالات التي كتبها العميد بعد اعتصام درية شفيق ومجموعة من النساء في نقابة الصحفيين حتي يتم الحصول علي حقوق المرأة, فكتب العميد معتبرا ذلك نوعا من أنواع العبث, وعاب علي النقابة استضافة شفيق وأخواتها, معللا ذلك بأن الوقت ليس مناسبا لهذا العبث بينما الوطن وثورته تحيط بهما الأخطار والتحديات من كل جانب.
|