الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 مقالات
3ذكريات و مذكرات

قطار الرحمة

السبت 10 / 5 / 2008

فهمي عمر


مصر هي مصر‏,‏ فهي مازالت تعطي للقضية الفلسطينية وستظل تعطي حتي يكتب المولي عز وجل نصره ويتحقق قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف‏.‏ وهذا العطاء ليس منا من مصر‏,‏ وإنما هو قدرها‏,‏ بل إن مصر تراه واجبا يجب أن تؤديه بنفس راضية وقلب مطمئن‏,‏ وإذا كانت مصر قد قدمت دماء أبنائها في سبيل القضية فإنها أيضا لم تبخل بأي لون من ألوان العطاء تقدمه للأشقاء‏,‏ وفي هذا السياق كانت فكرة تسيير قطار الرحمة التي نبتت في ذهن واحد من رجالات الثورة في ديسمبر من عام‏1952,‏ أي بعد قيام الثورة بستة أشهر‏,‏ هذا الرجل هو قائد الجناح وجيه أباظة‏-‏ رحمه الله‏-‏ الذي كان يشغل عند قيام الثورة منصب مدير الشئون العامة للقوات المسلحة‏,‏ وكانت له أفكار ورؤي في ترسيخ كل ما من شأنه جمع المواطنين والالتفاف حول الحدث الذي غير موازين التاريخ والجغرافيا في المنطقة‏,‏ ألا وهو ثورة الثالث والعشرين من يوليو سنة‏.1952‏
من أفكاره مثلا إقامة حفلات غنائية في حديقة الأندلس مفتوحة للجمهور أحياها أساطين الغناء في تلك الأيام مثل ليلي مراد وشادية وعبدالحليم حافظ‏,‏ ومحمد عبدالمطلب وعبدالغني السيد‏,‏ وعبدالعزيز محمود والكحلاوي‏,‏ وشهرزاد‏,‏ وغيرهم كثيرون وكثيرات‏,‏ وكانت فكرة قطار الرحمة تقوم علي تسيير قطارات يحتشد فيها نجوم السينما والفن ونجوب بهم أنحاء مصر من أسوان جنوبا إلي الإسكندرية شمالا‏,‏ بالإضافة إلي خط القنال وشرق وغرب الدلتا‏,‏ والهدف هو جمع أكبر معونات عينية ومادية من جماهير مصر في مختلف المديريات قبل أن تصبح محافظات وتوجيه هذه المعونات إلي إخواننا اللاجئين الفلسطينيين الذين كانوا مشتتين هنا وهناك في مصر وغيرها من البلدان العربية‏,‏ وقد وقع علي الاختيار لأكون المذيع الذي يصاحب قطار الرحمة المتجه من القاهرة إلي أسوان‏,‏ وتقديم صور صوتية إذاعية عن المهمة ومدي ترحيب المواطنين في صعيد مصر بالقطار‏,‏ وبمن فيه ومدي إسهاماتهم في التبرع للإخوة من أبناء فلسطين‏,‏ وفي السادس عشر من ديسمبر سنة‏1952‏ انطلق قطار الرحمة من القاهرة إلي أسوان وكان يضم نخبة من الفنانين والفنانات منهم‏-‏ مثلا‏-‏ عزالدين ذوالفقار وزوجته في تلك الأيام الفنانة فاتن حمامة‏,‏ وضم أيضا محمد فوزي وزوجته مديحة يسري‏,‏ ومحمود ذوالفقار وزوجته مريم فخرالدين‏,‏ كما ضم شادية ووالدتها وماجدة ووالدتها‏,‏ والمونولوجست ثريا حلمي‏,‏ والفنان عماد حمدي‏,‏ وآخرين لا تعينني الذاكرة‏,‏ فقد مضت سنوات بعيدة وعديدة علي هذا الحدث‏,‏ وفي السابع عشر من ديسمبر وصل القطار إلي أسوان مع إشراقة الصباح ووجدنا شعب أسوان في انتظارنا‏,‏ المهم أن القطار كان يقضي يوما في كل مدينة كبيرة من مدن الصعيد‏,‏ وعلي رصيف هذه أو تلك كانت جموع المواطنين تستقبل القطار وجميعهم محملين بالعطايا من أموال وجوالات القمح والذرة والبلح‏,‏ حتي جريد النخل تبرع به من لم يستطع تقديم المال‏,‏ وكان الفنانون ينزلون إلي شوارع المدن وسط زفة جماهيرية‏,‏ وكانت مسارح المدن ودور العرض تستقبلهم ليقدموا فواصل من الغناء أو يجرون أحاديث مع المواطنين‏,‏ وكنت أقوم بتسجيل كل ذلك وأرسله مسجلا علي أشرطة منقولا علي خطوط التليفون إلي استديوهات الإذاعة في القاهرة‏,‏ ليقوم أحد الزملاء بعمل المونتاج اللازم وإذاعته عبر الأثير‏,‏ وكان أبناء الصعيد يتنافسون في إقامة الولائم للفنانين‏,‏ كنا نتناول الغداء في مدينة والعشاء في مدينة أخري‏,‏ وكانت الهبات والتبرعات تشحن في عربات بضاعة تلحق بقطارات البضاعة المتجهة إلي القاهرة‏,‏ ليقوم رجال الشئون العامة للقوات المسلحة بتفريغها وتعبئتها في عبوات مناسبة لترسل بعد ذلك إلي الإخوة اللاجئين‏,‏ وظللنا في القطار خمس عشرة ليلة حتي إننا احتفلنا بليلة رأس السنة سنة‏1953‏ ونحن في بني سويف‏,‏ ووصلنا القاهرة صباح الثاني من يناير سنة‏1953,‏ وعلي هذا النسق تمت رحلات القطارات الأخري إلي مدن وعواصم مديريات مصر في تجربة غير مسبوقة قام من خلالها المصريون بتقديم عشرات بل ومئات من عربات السكك الحديدية‏,‏ حملت آلاف الأطنان من الأغذية والحبوب والدقيق حتي جريد النخل إلي اللاجئين‏,‏ إضافة إلي التبرعات المادية التي بلغت الآلاف من الجنيهات‏.‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 10 / 5 / 2008
رقم العـدد
581
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg