الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 مقالات
3من مفكرة سفير عربي باليابان

الجنجو‏:‏ تناغم القيادة والعقيدة والمواطنة

السبت 10 / 5 / 2008

‏*‏ د‏.‏ خليل حسن


حاولت اليابان وعبر عصور التاريخ خلق تناغم جميل بين مؤسسة الشنتو الروحية والديوان الإمبراطوري والمجتمع المدني‏,‏ وعملت بربط ذلك التناغم بشكل روحاني ووجداني ومادي متوازن مع الثقافة اليابانية‏.‏ وقد أدي ذلك للاستقرار النفسي للشخصية اليابانية‏,‏ والتوازن المجتمعي في هذه الإمبراطورية التاريخية‏,‏ بالرغم مما عانته من إرهاصات سياسية‏.‏ وقد كان للبلاط الإمبراطوري دور مهم في خلق هذا التناغم‏,‏ واستفاد من انتقال البوذية والحضارة الصينية لليابان في القرن السادس لتطوير الديوان الإمبراطوري وترسيخ قيادته في العقلية اليابانية بشكل ذكي بارع‏.‏ وعمل الديوان الإمبراطوري علي إصدار مؤلفات تاريخية تجمع بين الأساطير الروحية القديمة والتاريخ الياباني لتعزيز العلاقة بين القيادة والعقيدة والوطن‏,‏ واعتمد لتحقيق ذلك علي مؤرخين ذوي مواهب خارقة في تذكر الأحداث ومراجعة الوثائق التاريخية الموجودة في البلاط الإمبراطوري‏,‏ ومشهورين بدقة الكتابة للوقائع وبجمال السرد الخيالي للأساطير‏.‏ وقد اشتهر بين هذه المؤلفات كتابان مهمان‏,‏ صدر أحدهما في القرن السابع الميلادي وعرف بالكوجوكي‏,‏ وصدر الآخر في القرن الثامن وسمي بالنهون شوكي‏.‏
ولكتابي الكوجوكي والنهون شوكي احترام روحاني خاص بين الشعب الياباني‏,‏ لمحاولتهما خلق تناغم جميل بين عقيدة الشنتو والعائلة الإمبراطورية والشعب الياباني‏.‏ ويصف هذين الكتابين بسرد أسطوري وتاريخي لبدء نشأة اليابان قبل ألفين وستمائة عام وحتي القرن السابع الميلادي‏.‏ ويسترسل الفصل الأول في وصف أسطورة بدء تاريخ اليابان بجلوس آلهة الكامي‏,‏ إزنامي وإزناجي‏,‏ علي كرسي العرش السماوي وتحريك عصاة مرصعة بالمجوهرات في المحيط ليترسب ملح البحر وتتشكل جزر اليابان‏.‏ ويؤدي تزاوجهما لولادة ابنتهما آلهة الشمس‏,‏ إماترإسو‏,‏ المسئولة عن حماية جزر الشمس المشرقة‏.‏ ويترافق هذا التزاوج بسلالة كبيرة من آلهة الكامي لتصل لأكثر من ثمانية ملايين‏,‏ ولتشمل مختلف أنواع آلهة الجبال والغابات والأنهار والمحيطات والأجرام السماوية والحيوانات والأجزاء المختلفة من جسم الإنسان وسوائله‏.‏ وتوصف الأسطورة اليابانية في هذين المؤلفين كيفية تحول بعض آلهة الكامي لسلالة العائلة الإمبراطورية وشعب اليابان الخالد‏,‏ لتتأصل في العقلية اليابانية قدسية العائلة الإمبراطورية واحترام شعبها الخلاق‏.‏
وقد ارتبطت حياة الشعب الياباني منذ القدم باحترام الطبيعة والمحافظة علي مواردها وتجنب البذخ في استهلاكها‏.‏ فيلاحظ الزائر انتشار الصخور الطبيعية الجميلة بين حدائقها وغاباتها الواسعة‏,‏ والتي تعتقد الأساطير اليابانية بأنها مسكونة بمخلوقات روحية ذات قوة خارقة تسمي بآلهة الكامي‏.‏ وقد بنيت معابد خشبية جميلة لتقوم آلهة الكامي بزيارتها‏.‏ وتبني هذه المعابد في وسط الغابة أو علي ضفاف نهر جميل أو شاطئ بحر ذهبي‏,‏ وتصمم بشكل هندسي تقليدي‏,‏ وبها صومعة توضع في وسطها مرآة معدنية يعتقد أنها تعكس أرواح آلهة الكامي عند زيارتها للمعبد‏.‏ ويقوم الشعب الياباني بزيارة هذه المعابد للتبرك والدعاء وبالأخص في مناسبات الماتسوري المترافقة باحتفالات روحية للرهبان ومهرجانات محلية للمواطنين‏.‏ وتقدس عقيدة الشنتو اليابانية العمل وتدعو لإتقانه‏,‏ وتربط العلوم الروحية بالعلوم المادية والتكنولوجية‏,‏ وتدعو للاستفادة من التكنولوجية لمساعدة الإنسان وإسعاده‏.‏ وقد أدي ذلك لتقدم التكنولوجية اليابانية وكفاءة أدائها بتجنب البذخ في استهلاكها للطاقة‏,‏ بالإضافة للعمل لتنويع مصادرها النظيفة‏.‏ فمثلا تصرف الولايات المتحدة ثلاثة أضعاف ما تستهلكه اليابان من الطاقة لإنتاج نفس الوحدة الإنتاجية‏,‏ كما أن قوانين التكنولوجيا اليابانية صارمة في استهلاك الطاقة‏.‏ والجدير بالذكر أن عقيدة الشنتو قليلة الاهتمام بالعبادات وكثيرة الاحترام لسلوك التعامل الإنساني في العمل المتقن والإنتاجية والتعامل مع الطبيعة‏.‏
وتعتبر مدينة إيسه الملكة الروحية لليابان‏,‏ وتحتوي علي عدد كبير من المعابد ومن أهمها معبد آلهة الشمس إماتيراسو والمسماة بمعبد الجنجو‏,‏ والتي تعتبر كعبة لعقيدة الشنتو اليابانية‏.‏ ويقوم كل مواطن ياباني بالحج لهذا المعبد في مناسبات الماتسوي مرة واحدة علي الأقل في حياته‏,‏ ليصل عدد حجيجها لأكثر من الستة ملايين سنويا‏.‏ ويتكون المعبد الكبير من قسمين الأول يسمي بالكونتاجنجو وهو معبد إلهة الشمس والآخر يسمي تويوكيداي جنجو وهو معبد آلهة الطعام التي تقدم الطعام لآلهة الشمس‏.‏ ويحتوي المعبد علي أربعة عشر معبدا إضافيا ومائة وتسعة معابد صغيرة والتي توجد بها المنشآت اللازمة لتهيئة وطبخ الوجبات لآلهة الشمس‏,‏ حيث توضع هذه الوجبات في المعبد لساعات قليلة قبل توزيعها علي الرهبان للتبرك بأكلها‏.‏ وقد بقي معبد آلهة الشمس ضمن القصر الإمبراطوري طوال قرون عديدة قبل أن تنقل مرآته العاكسة لموقعه الحالي في عصر الإمبراطورة صونين في القرن الأول قبل الميلاد‏.‏
ويبدأ مدخل معبد الجنجو ببوابة خشبية لجسر جميل علي نهر الأسوزو‏,‏ ليتوجه الحجاج إلي ضفافه لغسل اليدين ومضمضة الفم للتطهر‏.‏ ويلبس الحجاج القبقاب الخشبي لزيارة المعبد‏,‏ ويحرم عليهم زيارة الصومعة الرئيسية التي تحتوي المرآة المعدنية الدائرية العاكسة‏,‏ بل يلتزمون بالبقاء خارج الجدار الثاني لصومعة المعبد للمحافظة علي قدسية المعبد وطهارته‏.‏ وتوجد بقرب المعبد مساحة أرض مساوية لأرض المعبد‏,‏ ويقوم بناءو المعبد بتناوب هدم وبناء المعبد كل عشرين عاما بين قطعتي الأرض‏,‏ للمحافظة علي حرفية البناء التقليدية‏.‏ ويوجد بالمعبد مائة راهب يرأسهم الراهب سيشو ويساعده فريق من الرهبان‏.‏ وتوجد بجانب المعبد قاعة للموسيقي والرقص مسئولة عن ترفيه آلهة الشمس والوقاية من غضبها المترافق بقلة الأمطار والجفاف ونقص المحصول الزراعي‏.‏ ويقوم الرهبان بغناء تقليدي هادئ‏,‏ وعزف إيقاعات موسيقية لأصوات طبيعة تشبه خرير الماء وحركة أغصان الأشجار وأصوات الرياح وغناء الطيور‏,‏ مع الرقص بحركات متناسقة بطيئة‏.‏ ويحضر الرهبان ثلاث وجبات يوميا لآلهة الشمس وبوسائل طبخ طبيعية‏.‏ فمثلا يشعل نار الطبخ باحتكاك قطعتين خشبيتين يلف الراهب قطعة دائرية خشبية صلبة علي قطعة خشبية لينة ليؤدي الاحتكاك لإشعال النار‏.‏ كما يهيئ ماء الآلهة من بئر خاصة بالمعبد‏.‏ ويتم نقل الطعام في احتفال مقدس من المطبخ إلي قاعة المعبد‏.‏ فيلبس الرهبان قطعة قماش بيضاء اللون ويغطي الرأس بقلنسوة سوداء وينتعلون قبقابا خشبيا‏,‏ وينقل الطعام في صندوق خشبي يحمله راهبان أحدهما في الأمام والآخر في الخلف‏,‏ ويتقدمهما رئيس الرهبان‏.‏ ويقوم الرهبان بزراعة الأرز والخضروات والفواكه ضمن غابة المعبد ويروي بالماء المقدس‏.‏ وهناك متحف زراعي بقرب المتحف يحتوي علي معروضات متنوعة من الأطعمة المقدمة من العائلة الإمبراطورية‏,‏ وبجانبه متحف فني يحتوي علي لوحات قيمة مقدمة من فناني اليابان علي مر العصور‏.‏
وتلاحظ عزيزي القارئ كيف استطاعت اليابان خلق ثقافة يابانية متناغمة بجمع العقيدة والقيادة والمواطنة‏,‏ لينعم المواطن بالطمأنينة النفسية والأمن المجتمعي‏.‏ وقد عانت مجتمعاتنا العربية المعاصرة الكثير من الصراعات بين مؤسساتها المجتمعية والروحية والقيادية‏,‏ لتؤدي هذه الصراعات لتخلف التنمية الاجتماعية والاقتصادية‏,‏ وضعف الإبداع والإنتاجية‏,‏ ونمو التطرف الفكري وإرهاب العنف‏.‏ والسؤال لعزيزي القارئ هل حان الوقت لخلق ثقافة عربية لتناغم مفاهيم العقيدة والقيادة والمواطنة‏,‏ لتنعم مجتمعاتنا بالطمأنينة والاستقرار‏,‏ وتتفرغ لتنميتها الاجتماعية والاقتصادية لكي تشارك في بناء حضارة الألفية الثالثة؟ ولنا لقاء‏.‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 10 / 5 / 2008
رقم العـدد
581
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg