|
* د. خليل حسن حاولت اليابان وعبر عصور التاريخ خلق تناغم جميل بين مؤسسة الشنتو الروحية والديوان الإمبراطوري والمجتمع المدني, وعملت بربط ذلك التناغم بشكل روحاني ووجداني ومادي متوازن مع الثقافة اليابانية. وقد أدي ذلك للاستقرار النفسي للشخصية اليابانية, والتوازن المجتمعي في هذه الإمبراطورية التاريخية, بالرغم مما عانته من إرهاصات سياسية. وقد كان للبلاط الإمبراطوري دور مهم في خلق هذا التناغم, واستفاد من انتقال البوذية والحضارة الصينية لليابان في القرن السادس لتطوير الديوان الإمبراطوري وترسيخ قيادته في العقلية اليابانية بشكل ذكي بارع. وعمل الديوان الإمبراطوري علي إصدار مؤلفات تاريخية تجمع بين الأساطير الروحية القديمة والتاريخ الياباني لتعزيز العلاقة بين القيادة والعقيدة والوطن, واعتمد لتحقيق ذلك علي مؤرخين ذوي مواهب خارقة في تذكر الأحداث ومراجعة الوثائق التاريخية الموجودة في البلاط الإمبراطوري, ومشهورين بدقة الكتابة للوقائع وبجمال السرد الخيالي للأساطير. وقد اشتهر بين هذه المؤلفات كتابان مهمان, صدر أحدهما في القرن السابع الميلادي وعرف بالكوجوكي, وصدر الآخر في القرن الثامن وسمي بالنهون شوكي. ولكتابي الكوجوكي والنهون شوكي احترام روحاني خاص بين الشعب الياباني, لمحاولتهما خلق تناغم جميل بين عقيدة الشنتو والعائلة الإمبراطورية والشعب الياباني. ويصف هذين الكتابين بسرد أسطوري وتاريخي لبدء نشأة اليابان قبل ألفين وستمائة عام وحتي القرن السابع الميلادي. ويسترسل الفصل الأول في وصف أسطورة بدء تاريخ اليابان بجلوس آلهة الكامي, إزنامي وإزناجي, علي كرسي العرش السماوي وتحريك عصاة مرصعة بالمجوهرات في المحيط ليترسب ملح البحر وتتشكل جزر اليابان. ويؤدي تزاوجهما لولادة ابنتهما آلهة الشمس, إماترإسو, المسئولة عن حماية جزر الشمس المشرقة. ويترافق هذا التزاوج بسلالة كبيرة من آلهة الكامي لتصل لأكثر من ثمانية ملايين, ولتشمل مختلف أنواع آلهة الجبال والغابات والأنهار والمحيطات والأجرام السماوية والحيوانات والأجزاء المختلفة من جسم الإنسان وسوائله. وتوصف الأسطورة اليابانية في هذين المؤلفين كيفية تحول بعض آلهة الكامي لسلالة العائلة الإمبراطورية وشعب اليابان الخالد, لتتأصل في العقلية اليابانية قدسية العائلة الإمبراطورية واحترام شعبها الخلاق. وقد ارتبطت حياة الشعب الياباني منذ القدم باحترام الطبيعة والمحافظة علي مواردها وتجنب البذخ في استهلاكها. فيلاحظ الزائر انتشار الصخور الطبيعية الجميلة بين حدائقها وغاباتها الواسعة, والتي تعتقد الأساطير اليابانية بأنها مسكونة بمخلوقات روحية ذات قوة خارقة تسمي بآلهة الكامي. وقد بنيت معابد خشبية جميلة لتقوم آلهة الكامي بزيارتها. وتبني هذه المعابد في وسط الغابة أو علي ضفاف نهر جميل أو شاطئ بحر ذهبي, وتصمم بشكل هندسي تقليدي, وبها صومعة توضع في وسطها مرآة معدنية يعتقد أنها تعكس أرواح آلهة الكامي عند زيارتها للمعبد. ويقوم الشعب الياباني بزيارة هذه المعابد للتبرك والدعاء وبالأخص في مناسبات الماتسوري المترافقة باحتفالات روحية للرهبان ومهرجانات محلية للمواطنين. وتقدس عقيدة الشنتو اليابانية العمل وتدعو لإتقانه, وتربط العلوم الروحية بالعلوم المادية والتكنولوجية, وتدعو للاستفادة من التكنولوجية لمساعدة الإنسان وإسعاده. وقد أدي ذلك لتقدم التكنولوجية اليابانية وكفاءة أدائها بتجنب البذخ في استهلاكها للطاقة, بالإضافة للعمل لتنويع مصادرها النظيفة. فمثلا تصرف الولايات المتحدة ثلاثة أضعاف ما تستهلكه اليابان من الطاقة لإنتاج نفس الوحدة الإنتاجية, كما أن قوانين التكنولوجيا اليابانية صارمة في استهلاك الطاقة. والجدير بالذكر أن عقيدة الشنتو قليلة الاهتمام بالعبادات وكثيرة الاحترام لسلوك التعامل الإنساني في العمل المتقن والإنتاجية والتعامل مع الطبيعة. وتعتبر مدينة إيسه الملكة الروحية لليابان, وتحتوي علي عدد كبير من المعابد ومن أهمها معبد آلهة الشمس إماتيراسو والمسماة بمعبد الجنجو, والتي تعتبر كعبة لعقيدة الشنتو اليابانية. ويقوم كل مواطن ياباني بالحج لهذا المعبد في مناسبات الماتسوي مرة واحدة علي الأقل في حياته, ليصل عدد حجيجها لأكثر من الستة ملايين سنويا. ويتكون المعبد الكبير من قسمين الأول يسمي بالكونتاجنجو وهو معبد إلهة الشمس والآخر يسمي تويوكيداي جنجو وهو معبد آلهة الطعام التي تقدم الطعام لآلهة الشمس. ويحتوي المعبد علي أربعة عشر معبدا إضافيا ومائة وتسعة معابد صغيرة والتي توجد بها المنشآت اللازمة لتهيئة وطبخ الوجبات لآلهة الشمس, حيث توضع هذه الوجبات في المعبد لساعات قليلة قبل توزيعها علي الرهبان للتبرك بأكلها. وقد بقي معبد آلهة الشمس ضمن القصر الإمبراطوري طوال قرون عديدة قبل أن تنقل مرآته العاكسة لموقعه الحالي في عصر الإمبراطورة صونين في القرن الأول قبل الميلاد. ويبدأ مدخل معبد الجنجو ببوابة خشبية لجسر جميل علي نهر الأسوزو, ليتوجه الحجاج إلي ضفافه لغسل اليدين ومضمضة الفم للتطهر. ويلبس الحجاج القبقاب الخشبي لزيارة المعبد, ويحرم عليهم زيارة الصومعة الرئيسية التي تحتوي المرآة المعدنية الدائرية العاكسة, بل يلتزمون بالبقاء خارج الجدار الثاني لصومعة المعبد للمحافظة علي قدسية المعبد وطهارته. وتوجد بقرب المعبد مساحة أرض مساوية لأرض المعبد, ويقوم بناءو المعبد بتناوب هدم وبناء المعبد كل عشرين عاما بين قطعتي الأرض, للمحافظة علي حرفية البناء التقليدية. ويوجد بالمعبد مائة راهب يرأسهم الراهب سيشو ويساعده فريق من الرهبان. وتوجد بجانب المعبد قاعة للموسيقي والرقص مسئولة عن ترفيه آلهة الشمس والوقاية من غضبها المترافق بقلة الأمطار والجفاف ونقص المحصول الزراعي. ويقوم الرهبان بغناء تقليدي هادئ, وعزف إيقاعات موسيقية لأصوات طبيعة تشبه خرير الماء وحركة أغصان الأشجار وأصوات الرياح وغناء الطيور, مع الرقص بحركات متناسقة بطيئة. ويحضر الرهبان ثلاث وجبات يوميا لآلهة الشمس وبوسائل طبخ طبيعية. فمثلا يشعل نار الطبخ باحتكاك قطعتين خشبيتين يلف الراهب قطعة دائرية خشبية صلبة علي قطعة خشبية لينة ليؤدي الاحتكاك لإشعال النار. كما يهيئ ماء الآلهة من بئر خاصة بالمعبد. ويتم نقل الطعام في احتفال مقدس من المطبخ إلي قاعة المعبد. فيلبس الرهبان قطعة قماش بيضاء اللون ويغطي الرأس بقلنسوة سوداء وينتعلون قبقابا خشبيا, وينقل الطعام في صندوق خشبي يحمله راهبان أحدهما في الأمام والآخر في الخلف, ويتقدمهما رئيس الرهبان. ويقوم الرهبان بزراعة الأرز والخضروات والفواكه ضمن غابة المعبد ويروي بالماء المقدس. وهناك متحف زراعي بقرب المتحف يحتوي علي معروضات متنوعة من الأطعمة المقدمة من العائلة الإمبراطورية, وبجانبه متحف فني يحتوي علي لوحات قيمة مقدمة من فناني اليابان علي مر العصور. وتلاحظ عزيزي القارئ كيف استطاعت اليابان خلق ثقافة يابانية متناغمة بجمع العقيدة والقيادة والمواطنة, لينعم المواطن بالطمأنينة النفسية والأمن المجتمعي. وقد عانت مجتمعاتنا العربية المعاصرة الكثير من الصراعات بين مؤسساتها المجتمعية والروحية والقيادية, لتؤدي هذه الصراعات لتخلف التنمية الاجتماعية والاقتصادية, وضعف الإبداع والإنتاجية, ونمو التطرف الفكري وإرهاب العنف. والسؤال لعزيزي القارئ هل حان الوقت لخلق ثقافة عربية لتناغم مفاهيم العقيدة والقيادة والمواطنة, لتنعم مجتمعاتنا بالطمأنينة والاستقرار, وتتفرغ لتنميتها الاجتماعية والاقتصادية لكي تشارك في بناء حضارة الألفية الثالثة؟ ولنا لقاء.
|