الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 سوق ومال
3السياسة النقدية وحدها لا تكفي لمواجهة التضخم

سعر الفائدة بالبنوك تحت الصفر

السبت 10 / 5 / 2008

حنان البيلي


ارتفع معدل التضخم في مصر إلي معدلات غير مسبوقة‏,‏ فقد وصل إلي‏15%,‏ صحيح أن هذه الظاهرة ليست مقصورة علي مصر فقط‏,‏ ولكنها تحتاج إلي علاج سريع حتي لا تتفاقم‏,‏ وتضيع معها آثار معدل النمو الاقتصادي الذي تحقق في العام الماضي‏,‏ والذي من المفترض أن يستمر ويرتفع ليصل إلي‏10%‏ حتي يستطيع الاقتصاد المصري الانطلاق‏.‏
وهناك إجماع علي أن تلك الزيادات المستمرة في الأسعار هي نتيجة لزيادة أسعار البترول والمواد الغذائية الأولية والتي يتم استيرادها من الخارج‏,‏ فأغلب هذا التضخم مستورد‏,‏ ولكن أين دور السياسة النقدية التي يتبعها البنك المركزي في كبح هذا التضخم؟ وهل تكفي وحدها أم أن هناك أدوارا أخري مطلوبة من جانب بقية السياسات الاقتصادية وخصوصاالسياسة المالية؟
قضايا عديدة نحاول البحث لها عن إجابة‏,‏ لا سيما بعد أن رفع البنك المركزي سعر الفائدة إلي‏5,9%‏ لكن معدل التضخم ارتفع إلي أكثر من‏15%‏ خلال الأشهر الماضية‏,‏ مما يعني أن سعر الفائدة الحقيقي بالسالب‏.‏
في البداية يوضح الدكتور فؤاد شاكر‏,‏ أمين عام اتحاد المصارف العربية‏,‏ أن أهم هدف من أهداف السياسة النقدية هو تحقيق الاستقرار الداخلي‏,‏ أي الحفاظ علي مستويات الأسعار بقدر الإمكان‏,‏ مع تسهيل نظم المدفوعات وأن تكون النقود الموجودة متناسبة مع مستوي الإنتاج الموجود‏.‏
ولذلك فإن السياسة النقدية التي يتبعها البنك المركزي يجب أن تستخدم أدواتها بحكمة شديدة بما لا يعرض السياسة الاستثمارية لأي عوائق والبنك لا يتدخل بشكل مباشر ليفرض سعر الفائدة‏,‏ ولكنه يستخدم أدواته فهو يعمل علي امتصاص النقود الزائدة عن طريق رفع سعر الخاص بالبنوك لسحب السيولة‏,‏ والعكس في حالة نقص السيولة الموجودة في السوق‏,‏ فيقوم المركزي بخفض سعر الفائدة‏,‏ الأمر الذي يزيد من السيولة في السوق‏,‏ وكل ذلك من خلال الأدوات التي يمتلكها البنك المركزي مثل السندات التي يصدرها‏.‏
ولكن في مثل هذه الظروف التي تشهدها مصر‏,‏ وبالمناسبة ليست مصر فقط التي تواجه ظاهرة الغلاء‏,‏ فكل دول العالم تقريبا تشهدها‏,‏ وعموما فإن السياسة النقدية مجدية في كل الأحوال إلا في حالة واحدة فقط وهي أن يكون ارتفاع الأسعار ناجما عن جانب العرض‏.‏
بمعني أن تكون أسعار التكلفة ذاتها قد ارتفعت‏,‏ وأن أي خفض سيؤدي إلي خسارة الموزع أو المنتج‏,‏ وخروجه من السوق‏,‏ وهذا ما يحدث ليس في مصر فقط وإنما في العالم كله‏,‏ وقد كان ذلك موضع مناقشة خلال اجتماعات كل من صندوق النقد والبنك الدوليين في يومي‏11‏ و‏12‏ إبريل الماضي‏,‏ حيث إن ارتفاع سعر النفط إلي مستويات غير مسبوقة في التاريخ‏,‏ قد عكس آثاره علي أسعار المواد الأولية كلها‏.‏
ولا يخفي علي أحد أن مصر دولة مستوردة ـ وهذا ليس عيبا ـ مثل معظم دول العالم للمواد الإنتاجية والمواد الغذائية وغيرها‏,‏ ومن ثم لا تصلح السياسة النقدية في خفض أسعار السلع لأنها تمثل الحدود الدنيا للتكلفة ويصبح البديل الممكن لعلاج هذا الأمر يتمثل في أحد أسلوبين‏..‏الأسلوب الأول وهو أسلوب مؤقت ويمثل استثناء‏,‏ ويمكن الاعتماد عليه في الأجلين القصير والمتوسط باعتباره مكلفا للغاية‏,‏ وهو دعم أسعار السلع لخفض أسعارها‏,‏ أي أن الدولة تتحمل التكلفة عن المستهلكين‏..‏والأسلوب الثاني يستخدم في الأجل الطويل وهو التركيز علي زيادة الاستثمار وزيادة المكون المحلي وزيادة التشغيل‏,‏ وبالتالي يزيد الدخل بشكل يتناسب مع الأسعار‏,‏ وأقصد هنا الدخل الحقيقي المتمثل في زيادة الإنتاج وليس الدخل النقدي الذي يحدث عادة لزيادة الأجور بقرار حكومي بدون مقابل في زيادة الإنتاج‏.‏
وبالتالي فإن علي البنك المركزي ألا يرفع أسعار الفائدة إلي الحد الذي يحد من زيادة الاستثمار‏,‏ وعلي الحكومة أن يكون لها هدف أول ووحيد وهو تشجيع الاستثمار الداخلي والخارجي في كل المجالات بقوة وحماسة مثلما فعلت الهند والصين‏,‏ والعمل بقوة علي إزالة كل العقبات المشاهدة في الاقتصاد المصري وأهمها البيروقراطية‏,‏ والقرارات غير المدروسة والمتضاربة‏,‏ فأهم ما فعلوه في الصين هو استقرار السوق وعدم صدور قرارات متضاربة مما أدي إلي جذب المزيد من الاستثمارات‏,‏ مع مراعاة أن مصر تعد البلد الوحيد الذي يسعي لجذب الاستثمارات‏,‏ فهناك منافسة بين دول المنطقة وبين المنطقة وغيرها من المناطق علي جذب الاستثمارات‏.‏
ولا يمكن للبنك المركزي أن يفعل أكثر من ذلك‏,‏ فهو من خلال آلياته مثل سعر الفائدة وسعر الخصم وسياسة السوق المفتوحة يؤثر بشكل غير مباشر في أسعار الفائدة بما يجعله محققا لهدفه النقدي‏,‏ مع مراعاة أن من يضع تلك الأهداف هي لجنة السياسات النقدية بالبنك المركزي‏.‏
وهم يتبعون الأسلوب العلمي‏,‏ ولا توجد دولة حرة في هذا‏,‏ فالكل يتابعه صندوق النقد الدولي‏,‏ والجانب الوحيد الذي استطاعت الدولة الشغل عليه هو زيادة معدلات الاستثمار‏.‏
أما إسماعيل حسن‏,‏ محافظ البنك المركزي الأسبق ورئيس بنك مصر إيران‏,‏ فيوضح أن السياسة النقدية يمكنها مواجهة التضخم في حالة كونه ناتجا عن زيادة السيولة النقدية بمعدل أعلي من زيادة الناتج الإجمالي‏,‏ ويرتبط نجاح السياسة النقدية في ذلك بالتنسيق مع السياسات الاقتصادية الأخري ومن أهمها السياسة المالية‏,‏ وعلي أي حال فإن التضخم الذي نشعر به الآن ليس ناتجا عن ذلك فقط‏.‏
وإنما ناتج عن ارتفاع أسعار السلع التي نستوردها‏,‏ وهذا يخرج في مواجهته عن أدوات السياسة النقدية‏,‏ وإنما يلزمه في المدي الطويل تغيير في هيكل الإنتاج في الدولة بما يؤدي في نهاية الأمر إلي تحسين واضح في الميزان التجاري للدولة‏.‏
ويوضح أنه لا خلاف بين الاقتصاديين حول انخفاض سعر الفائدة علي الودائع عن معدل التضخم السائد والذي وصل إلي أكثر من‏14%,‏ وهذا من شأنه تآكل القيم الحقيقية لهذه المدخرات‏,‏ ومن هذا المنطلق فإن البنك المركزي يسعي لرفع سعر الفائدة علي الودائع‏,‏ حيث يقوم برفع سعر الفائدة الذي يؤديه للبنوك عن إيداعاتها لديه‏.‏
ولكن الملاحظ أن الرفع في سعر الفائدة علي ودائع البنوك لدي البنك المركزي لا تنقله البنوك إلي الودائع التي لديها من عملائها وهو ما يتعين أن يحدث‏..‏ويوضح شريف دولار‏,‏ الخبير الاقتصادي‏,‏ أنه بعد إلغاء وزارة الاقتصاد‏,‏ أصبحت السياسة النقدية مسئولية البنك المركزي‏,‏ وأصبحت السياسة المالية مسئولية الحكومة‏,‏ ويوضح قانون البنك المركزي الجديد بعد استقلاله عن الحكومة أن أهم أهدافه يتمثل في توازن الأسعار في السوق‏,‏ أي أن أهم أهدافه هو اتباع السياسات النقدية التي تحد من التضخم وتحافظ علي مستويات الأسعار‏.‏
وللحقيقة فإن السياسة النقدية لوحدها لا تنفع فلابد من التناغم بين السياسة النقدية والسياسة المالية وقد أنشيء مجلس تنسيقي بموجب قانون البنك المركزي‏,‏ ويري شريف دولار أن السياسة التي يتبعها البنك المركزي سليمة إلي حد كبير‏,‏ ولكنها قاصرة أمام الطوفان المتمثل في زيادة الأسعار‏,‏ وهذه هي حدود البنك المركزي التي لا يستطيع تجاوزها في معالجته لارتفاع معدلات التضخم‏.‏
ولهذا فهو يري أن الفترة المقبلة تتطلب إعادة وزارة الاقتصاد وإعادة دورها والمتمثل في الإشراف علي السياسة النقدية‏,‏ ويا حبذا إذا كانت وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية‏,‏ فالظروف الحالية تدعونا إلي إعادة تغيير الأدوار‏,‏ فنحن الآن نحتاج إلي سياسة نقدية ومالية تحت إشراف الحكومة‏.‏
فالأوضاع التي استجدت مثل ارتفاع أسعار البترول والزيادات الرهيبة في أسعار المواد الأولية بسبب الوقود الحيوي تقتضي أن نواكب تلك الحركة الدءوب في التغيرات‏,‏ فالأوضاع العالمية والمحلية في مصر تتطلب الآن دمج السياسات المالية والنقدية مع بعضها البعض بإستراتيجية وسياسات جديدة‏,‏ أما بالوضع الحالي فلا يستطيع البنك المركزي لوحده ـ بناء علي قانونه ـ أن يكبح معدلات التضخم‏,‏ فالمشكلة الآن ليست مشكلة جزئيات فهي مشكلة إستراتيجية كاملة للتماشي مع التغيرات الجديدة‏.‏
أما الدكتور حمدي عبدالعظيم‏,‏ رئيس أكاديمية السادات السابق وأستاذ الاقتصاد‏,‏ فيري أن السياسة النقدية تعد في هذه الحالة سياسة مساعدة‏,‏ فهي لا تستطيع وحدها كبح جماح التضخم‏,‏ خصوصا أنها تأتي من جانب العرض‏,‏ فنحن نستورد ما بين‏65‏ ـ‏70%‏ من غذائنا‏.‏
وإذا اتبع البنك المركزي سياسة انكماشية من خلال أدواته مثل رفع نسبة الخصم أو زيادة نسبة الاحتياطي أو حتي من خلال عمليات السوق المفتوحة‏,‏ فإن ذلك لن يؤثر علي جانب التكلفة سواء كانت تكلفة محلية أم تكلفة الاستيراد‏,‏ فهناك قرارات حكومية اتخذت‏,‏ كانت من نتائجها زيادة التكلفة المحلية مثل قرار وزير الزراعة برفع أسعار الأسمدة‏,‏ وكذلك زيادة أسعار الكهرباء حيث يتم رفعها بـ‏5%‏ كل عام‏,‏ وكذلك ارتفاع أسعار مياه الشرب بعد أن تحولت إلي شركة قابضة‏..‏ولذلك فإن الحل يتمثل في تهدئة للأسعار من خلال زيادة جانب العرض وذلك من خلال التوسع الاستثماري في الإنتاج الزراعي والتصنيع الزراعي وهي سياسة طويلة الأجل‏,‏ وقد قامت الحكومة باتخاذ عدة قرارات صحيحة للسيطرة من جانبها علي تلك الزيادات المتتالية في الأسعار مثل قرار منع تصدير الأرز لفترة وكذلك وجود اتجاهات للاستثمار في زراعة القمح في السودان وكذلك التوسع في الاستيراد مع الإعفاء من الرسوم الجمركية مثل اتخاذ قرار باستيراد الحديد‏..‏بالإضافة إلي تشديد الرقابة علي التجار لمنع الاحتكارات وتفعيل جمعيات حماية المستهلك‏,‏ ودخول الدولة في التجارة الداخلية من خلال زيادة المجمعات الاستهلاكية والتعاونية والتي يمكن أن يكون لها تأثير إيجابي‏,‏ حيث تؤدي إلي حدوث استقرار في الأسعار المحلية‏,‏ ولابد من جذب المزيد من الاستثمارات المحلية والعربية والأجنبية‏,‏ فلابد من العمل علي جذب المزيد من الاستثمارات لتحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة‏*‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 10 / 5 / 2008
رقم العـدد
581
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg