|
صلاح عيسي
بعد60 سنة من نكبة1948, لاتزال هناك بعض الألغاز التاريخية, تبحث ـ دون جدوي ـ عمن يحلها, ويبدد غموضها ويتوصل إلي تفسير منطقي لها. أحد أهم تلك الألغاز, هو السبب الذي دفع ملوك ورؤساء الدول العربية, لكي يقرروا فجأة, في العاشر من مايو1948, وقبل خمسة أيام فقط, من الموعد المحدد لذلك, أن تخوض الجيوش العربية الحرب ضد ما كان يعرف بالعصابات الصهيونية, وعلي الرغم من أن الاتجاه العام الذي كان سائدا بينها, منذ بدء تصاعد الأزمة, بصدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة, في27 نوفمبر1947, بتقسيم فلسطين إلي دولتين, إحداهما عربية والأخري يهودية, هو أن الأمر لا يتطلب خوض حرب نظامية, وأن المجاهدين الفلسطينيين, يستطعيون مقاومة العصابات الصهيونية وإلحاق الهزيمة بها بالطريقة التي أصبحت تعرف فيما بعد بـالحرب الشعبية وكانت تعرف آنذاك بـحرب العصابات! وأيامها لم تكن الدول العربية التي تتشكل منها الجامعة العربية, تزيد علي سبع دول فقط, هي مصر وشرق الأردن وسوريا ولبنان والعراق والمملكة العربية السعودية والمملكة المتوكلية اليمنية, وكان المتفق عليه بينها خلال الاجتماعات المتعددة للجنة السياسية للجامعة العربية, التي كانت تعقد أحيانا علي مستوي رؤساء الوزراء, وأحيانا علي مستوي وزراء الخارجية, هو الاكتفاء بتقديم دعم عسكري للمجاهدين الفلسطينيين. وكان رئيس الوزراء المصري أيامها محمود فهمي النقراشي باشا, من أشد ممثلي الدول العربية حماسة لعدم اشتراك القوات المسلحة الرسمية للدول العربية في القتال, وكان من بين المبررات التي يستند إليها, ويشترك فيها, مع بقية الدول العربية لاتخاذ هذا الموقف, هو أن قرار التقسيم صدر عن الأمم المتحدة وبدعم من القوتين العظميين آنذاك, أمريكا وروسيا, وأن الحيلولة دون تنفيذه بالقوة المسلحة, تعرض الدول العربية التي تدفع بجيوشها إلي فلسطين لعقوبات دولية لا قبل لها بها, خصوصا أن معظمها كان مناطق نفوذ للدول الأوروبية, وكان بعضها لايزال يجاهد من أجل تصفية القواعد الأجنبية علي أرضه, ومن بينها مصر, التي كانت بريطانيا تحتفظ بقاعدة عسكرية ضخمة لها في منطقة قناة السويس. وكان ذلك هو المبرر الإضافي لإصرار النقاشي باشا, علي أن يعلن في اجتماع لرؤساء الحكومات العربية, أن الجيش المصري لا يستطيع أن يعبر قناة السويس لكي يحارب في فلسطين, ليصبح بذلك محاصرا بين جيش الاحتلال البريطاني وجيش المستوطنين الصهانية مما يهدده بقطع خطوط إمداداته وقد ينتهي بتدميره! وكانت لدي آخرين من رؤساء حكومات الدول العربية, مبررات خاصة تتعلق بمصالح بلادهم وأوضاعها, غير المبررات المشتركة, تدفعهم للمعارضة في دخول الجيوش العربية, إلي فلسطين. وخلال ذلك كانت أفواج من المتطوعين من مصر وسوريا ولبنان والعراق, وغيرها من الدول العربية, تتدفق علي معسكرات التدريب التي أعدت لهذا الغرض في أكثر من عاصمة عربية, ثم تتجمع في معسكر قطن في سوريا, وتتحرك منه إلي فلسطين, لتتشكل منهم كتائب للجهاد, يقود بعضها متطوعون مدنيون, ويقود الآخر متطوعون من العسكريين العرب المحترفين, وسط قناعة كاملة, لدي كل الأطراف ـ أي في ذلك الهيئة العربية العليا لفلسطين التي كان يرأسها الحاج أمين الحسيني, وتعتبر الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني ـ بأن العرب ليسوا في حاجة إلي حرب رسمية تتدخل فيها جيوشهم, وأن المجاهدين الفلسطينيين, بدعم عربي وإسلامي بالسلاح والمتطوعين, كفيلون بأن يحولوا دون تنفيذ قرار التقسيم, ودون إقامة الدولة اليهودية وأن يجبروا المستوطنين الصهاينة علي العودة من حيث جاءوا. كان ذلك هو الوضع حتي صباح يوم12 مايو1948, حين فوجيء د. محمد حسين هيكل باشا وكان أيامها رئيسا لمجلس الشيوخ المصري ـ برئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي يدخل عليه مكتبه, ويطلب منه تحديد موعد لعقد جلسة سرية للمجلس, لتعرض عليه الحكومة قرارها بدخول القوات المسلحة المصرية إلي فلسطين لقتال اليهود! وترجم هيكل ذهوله من المفاجأة بشلال من الأسئلة, عما إذا كانت الدول العربية قد اتفقت علي ذلك, وعما إذا كان الجيش مستعدا, وهل لديه تسليح يكفي لخوض الحرب حتي نهايتها في ضوء احتمال فرض حظر دولي علي تسليح دول المنطقة, وعن موقف بريطانيا وغيرها من الدول الأخري, إلخ, وجاءت الإجابات قاطعة من الرجل نفسه الذي كان حتي أيام قليلة مضت يعلن في اجتماعات اللجنة السياسية للجامعة العربية, بأن مصر ليست في حالة تسمح لها بخوض الحرب, فإذا به يؤكد بأن كل شيء تمام التمام, وبأن الجيش مستعد أتم الاستعداد, ولديه أسلحة تكفيه لما يزيد علي ثلاثة أشهر, وأن موقف بريطانيا مطمئن, وكلام كثير مما تكرر بعد ذلك في أكثر من مناسبة شبيهة من نوع برقبتي ياريس وكله تحت السيطرة! وحين اتصل بوزير الخارجية إبراهيم دسوقي أباظة باشا, وكان سكرتيرا عاما لحزب الأحرار الدستوريين الذي يرأسه هيكل قال له: إن مجلس الوزراء قد ناقش الموضوع, وإن وزير الحربية, أكد في المجلس أن الجيش المصري وحده, بجنوده وعتاده قادر من غير حاجة إلي معونة من الدول العربية الأخري, علي أن يدخل تل أبيب عاصمة اليهود من غير حاجة إلي أية معونة من الدول العربية الأخري, خلال خمسة عشر يوما. وفي مساء اليوم التالي عقد مجلس الشيوخ جلسة سرية, استمرت أكثر من ثلاث ساعات, وألقي فيها محمود فهمي النقراشي بيانا طويلا, لم يقدم فيه أي مبرر منطقي يدفعه لتغيير موقفه الثابت المعارض لدخول الجيوش العربية للحرب, سوي القول بأن انسحاب حكومة الانتداب سوف يضع العرب تحت رحمة المستوطنين الصهاينة, ولم يشر من قريب أو من بعيد إلي مدي استعداد الجيش المصري لخوض الحرب. وكان المناقش الرئيسي والمعارض الوحيد لقرار دفع القوات المسلحة المصرية لخوض الحرب, هو إسماعيل صدقي باشا, الذي ترأس الوزارة لمدة تزيد علي عام, وترك منصبه ليتولاه النقراشي باشا نفسه, وقد اختار أن يعبر عن اعتراضه, من خلال ثلاثة عشر سؤالا استنكاريا أو شبه استنكاري, حتي لايصطدم بموجة الحماسة الجارفة التي كانت تسود آنذاك الرأي العام المصري والعربي والإسلامي, خصوصا أنه لم يكن محبوبا من الشعب, ولأنه كان قد غادر منصبه بعد صدامات دامية مع الجماهير! وكان أهم هذه الأسئلة هو ما يتعلق بمدي استعداد الجيش المصري للقتال, فتساءل عن مدي صحة ما يقال عن أن الذخيرة التي لديه لا تكفي إلا لأيام قلائل, وعن أن سلاح الدبابات يكاد يكون معدوما وسلاح الطيران في حكم العدم, وعن تقدير الحكومة لمدي الآثار التي تتركها الهزيمة في نفوس جنوده وضباطه إذا فشل في مهمته! ومع أن تساؤلات إسماعيل صدقي قد أثرت في بعض الشيوخ, في ضوء إدراكهم أنه لا يتساءل, بل يتحدث استنادا إلي ما توافر له من معلومات حين كان رئيسا للحكومة, إلا أنه تعرض لهجوم عنيف منهم, إذ كان ما يقوله يصطدم بشكل مباشر مع مشاعر متأججة, تطالب بالثأر لعرب فلسطين! ما ثبت فيما بعد أن الإجابة عن كل أسئلة إسماعيل صدقي بشأن استعداد الجيش, كانت بالإيجاب, أما الذي لم يعرف له أحد إجابة حتي اليوم فهو السبب الغامض الذي دفع الدول العربية, لأن تزحف في طريق النكبة!
|