الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 المحطة الاخيرة
3

الزحف في طريق النكبة

السبت 10 / 5 / 2008

صلاح عيسي


بعد‏60‏ سنة من نكبة‏1948,‏ لاتزال هناك بعض الألغاز التاريخية‏,‏ تبحث ـ دون جدوي ـ عمن يحلها‏,‏ ويبدد غموضها ويتوصل إلي تفسير منطقي لها‏.‏
أحد أهم تلك الألغاز‏,‏ هو السبب الذي دفع ملوك ورؤساء الدول العربية‏,‏ لكي يقرروا فجأة‏,‏ في العاشر من مايو‏1948,‏ وقبل خمسة أيام فقط‏,‏ من الموعد المحدد لذلك‏,‏ أن تخوض الجيوش العربية الحرب ضد ما كان يعرف بالعصابات الصهيونية‏,‏ وعلي الرغم من أن الاتجاه العام الذي كان سائدا بينها‏,‏ منذ بدء تصاعد الأزمة‏,‏ بصدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة‏,‏ في‏27‏ نوفمبر‏1947,‏ بتقسيم فلسطين إلي دولتين‏,‏ إحداهما عربية والأخري يهودية‏,‏ هو أن الأمر لا يتطلب خوض حرب نظامية‏,‏ وأن المجاهدين الفلسطينيين‏,‏ يستطعيون مقاومة العصابات الصهيونية وإلحاق الهزيمة بها بالطريقة التي أصبحت تعرف فيما بعد بـالحرب الشعبية وكانت تعرف آنذاك بـحرب العصابات‏!‏
وأيامها لم تكن الدول العربية التي تتشكل منها الجامعة العربية‏,‏ تزيد علي سبع دول فقط‏,‏ هي مصر وشرق الأردن وسوريا ولبنان والعراق والمملكة العربية السعودية والمملكة المتوكلية اليمنية‏,‏ وكان المتفق عليه بينها خلال الاجتماعات المتعددة للجنة السياسية للجامعة العربية‏,‏ التي كانت تعقد أحيانا علي مستوي رؤساء الوزراء‏,‏ وأحيانا علي مستوي وزراء الخارجية‏,‏ هو الاكتفاء بتقديم دعم عسكري للمجاهدين الفلسطينيين‏.‏
وكان رئيس الوزراء المصري أيامها محمود فهمي النقراشي باشا‏,‏ من أشد ممثلي الدول العربية حماسة لعدم اشتراك القوات المسلحة الرسمية للدول العربية في القتال‏,‏ وكان من بين المبررات التي يستند إليها‏,‏ ويشترك فيها‏,‏ مع بقية الدول العربية لاتخاذ هذا الموقف‏,‏ هو أن قرار التقسيم صدر عن الأمم المتحدة وبدعم من القوتين العظميين آنذاك‏,‏ أمريكا وروسيا‏,‏ وأن الحيلولة دون تنفيذه بالقوة المسلحة‏,‏ تعرض الدول العربية التي تدفع بجيوشها إلي فلسطين لعقوبات دولية لا قبل لها بها‏,‏ خصوصا أن معظمها كان مناطق نفوذ للدول الأوروبية‏,‏ وكان بعضها لايزال يجاهد من أجل تصفية القواعد الأجنبية علي أرضه‏,‏ ومن بينها مصر‏,‏ التي كانت بريطانيا تحتفظ بقاعدة عسكرية ضخمة لها في منطقة قناة السويس‏.‏
وكان ذلك هو المبرر الإضافي لإصرار النقاشي باشا‏,‏ علي أن يعلن في اجتماع لرؤساء الحكومات العربية‏,‏ أن الجيش المصري لا يستطيع أن يعبر قناة السويس لكي يحارب في فلسطين‏,‏ ليصبح بذلك محاصرا بين جيش الاحتلال البريطاني وجيش المستوطنين الصهانية مما يهدده بقطع خطوط إمداداته وقد ينتهي بتدميره‏!‏
وكانت لدي آخرين من رؤساء حكومات الدول العربية‏,‏ مبررات خاصة تتعلق بمصالح بلادهم وأوضاعها‏,‏ غير المبررات المشتركة‏,‏ تدفعهم للمعارضة في دخول الجيوش العربية‏,‏ إلي فلسطين‏.‏
وخلال ذلك كانت أفواج من المتطوعين من مصر وسوريا ولبنان والعراق‏,‏ وغيرها من الدول العربية‏,‏ تتدفق علي معسكرات التدريب التي أعدت لهذا الغرض في أكثر من عاصمة عربية‏,‏ ثم تتجمع في معسكر قطن في سوريا‏,‏ وتتحرك منه إلي فلسطين‏,‏ لتتشكل منهم كتائب للجهاد‏,‏ يقود بعضها متطوعون مدنيون‏,‏ ويقود الآخر متطوعون من العسكريين العرب المحترفين‏,‏ وسط قناعة كاملة‏,‏ لدي كل الأطراف ـ أي في ذلك الهيئة العربية العليا لفلسطين التي كان يرأسها الحاج أمين الحسيني‏,‏ وتعتبر الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني ـ بأن العرب ليسوا في حاجة إلي حرب رسمية تتدخل فيها جيوشهم‏,‏ وأن المجاهدين الفلسطينيين‏,‏ بدعم عربي وإسلامي بالسلاح والمتطوعين‏,‏ كفيلون بأن يحولوا دون تنفيذ قرار التقسيم‏,‏ ودون إقامة الدولة اليهودية وأن يجبروا المستوطنين الصهاينة علي العودة من حيث جاءوا‏.‏
كان ذلك هو الوضع حتي صباح يوم‏12‏ مايو‏1948,‏ حين فوجيء د‏.‏ محمد حسين هيكل باشا وكان أيامها رئيسا لمجلس الشيوخ المصري ـ برئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي يدخل عليه مكتبه‏,‏ ويطلب منه تحديد موعد لعقد جلسة سرية للمجلس‏,‏ لتعرض عليه الحكومة قرارها بدخول القوات المسلحة المصرية إلي فلسطين لقتال اليهود‏!‏
وترجم هيكل ذهوله من المفاجأة بشلال من الأسئلة‏,‏ عما إذا كانت الدول العربية قد اتفقت علي ذلك‏,‏ وعما إذا كان الجيش مستعدا‏,‏ وهل لديه تسليح يكفي لخوض الحرب حتي نهايتها في ضوء احتمال فرض حظر دولي علي تسليح دول المنطقة‏,‏ وعن موقف بريطانيا وغيرها من الدول الأخري‏,‏ إلخ‏,‏ وجاءت الإجابات قاطعة من الرجل نفسه الذي كان حتي أيام قليلة مضت يعلن في اجتماعات اللجنة السياسية للجامعة العربية‏,‏ بأن مصر ليست في حالة تسمح لها بخوض الحرب‏,‏ فإذا به يؤكد بأن كل شيء تمام التمام‏,‏ وبأن الجيش مستعد أتم الاستعداد‏,‏ ولديه أسلحة تكفيه لما يزيد علي ثلاثة أشهر‏,‏ وأن موقف بريطانيا مطمئن‏,‏ وكلام كثير مما تكرر بعد ذلك في أكثر من مناسبة شبيهة من نوع برقبتي ياريس وكله تحت السيطرة‏!‏
وحين اتصل بوزير الخارجية إبراهيم دسوقي أباظة باشا‏,‏ وكان سكرتيرا عاما لحزب الأحرار الدستوريين الذي يرأسه هيكل قال له‏:‏ إن مجلس الوزراء قد ناقش الموضوع‏,‏ وإن وزير الحربية‏,‏ أكد في المجلس أن الجيش المصري وحده‏,‏ بجنوده وعتاده قادر من غير حاجة إلي معونة من الدول العربية الأخري‏,‏ علي أن يدخل تل أبيب عاصمة اليهود من غير حاجة إلي أية معونة من الدول العربية الأخري‏,‏ خلال خمسة عشر يوما‏.‏
وفي مساء اليوم التالي عقد مجلس الشيوخ جلسة سرية‏,‏ استمرت أكثر من ثلاث ساعات‏,‏ وألقي فيها محمود فهمي النقراشي بيانا طويلا‏,‏ لم يقدم فيه أي مبرر منطقي يدفعه لتغيير موقفه الثابت المعارض لدخول الجيوش العربية للحرب‏,‏ سوي القول بأن انسحاب حكومة الانتداب سوف يضع العرب تحت رحمة المستوطنين الصهاينة‏,‏ ولم يشر من قريب أو من بعيد إلي مدي استعداد الجيش المصري لخوض الحرب‏.‏
وكان المناقش الرئيسي والمعارض الوحيد لقرار دفع القوات المسلحة المصرية لخوض الحرب‏,‏ هو إسماعيل صدقي باشا‏,‏ الذي ترأس الوزارة لمدة تزيد علي عام‏,‏ وترك منصبه ليتولاه النقراشي باشا نفسه‏,‏ وقد اختار أن يعبر عن اعتراضه‏,‏ من خلال ثلاثة عشر سؤالا استنكاريا أو شبه استنكاري‏,‏ حتي لايصطدم بموجة الحماسة الجارفة التي كانت تسود آنذاك الرأي العام المصري والعربي والإسلامي‏,‏ خصوصا أنه لم يكن محبوبا من الشعب‏,‏ ولأنه كان قد غادر منصبه بعد صدامات دامية مع الجماهير‏!‏
وكان أهم هذه الأسئلة هو ما يتعلق بمدي استعداد الجيش المصري للقتال‏,‏ فتساءل عن مدي صحة ما يقال عن أن الذخيرة التي لديه لا تكفي إلا لأيام قلائل‏,‏ وعن أن سلاح الدبابات يكاد يكون معدوما وسلاح الطيران في حكم العدم‏,‏ وعن تقدير الحكومة لمدي الآثار التي تتركها الهزيمة في نفوس جنوده وضباطه إذا فشل في مهمته‏!‏
ومع أن تساؤلات إسماعيل صدقي قد أثرت في بعض الشيوخ‏,‏ في ضوء إدراكهم أنه لا يتساءل‏,‏ بل يتحدث استنادا إلي ما توافر له من معلومات حين كان رئيسا للحكومة‏,‏ إلا أنه تعرض لهجوم عنيف منهم‏,‏ إذ كان ما يقوله يصطدم بشكل مباشر مع مشاعر متأججة‏,‏ تطالب بالثأر لعرب فلسطين‏!‏
ما ثبت فيما بعد أن الإجابة عن كل أسئلة إسماعيل صدقي بشأن استعداد الجيش‏,‏ كانت بالإيجاب‏,‏ أما الذي لم يعرف له أحد إجابة حتي اليوم فهو السبب الغامض الذي دفع الدول العربية‏,‏ لأن تزحف في طريق النكبة‏!‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 10 / 5 / 2008
رقم العـدد
581
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg