|
محمـد هـــلال الطفل هو رجل الغد, هو العامل والصانع والجندي وصاحب القرار والقائد.. والاهتمام به هو اهتمام بالمستقبل.. اهتمام بالوطن. ومن هذا المنطلق يأتي مشروع قانون الطفل الذي أقره مجلس الشوري تمهيدا لمناقشته في مجلس الشعب لإقراره خلال الأيام المقبلة. وهو تطور لمجموعة التشريعات التي عرفتها مصر في عام1883, وأنشأت أول محكمة للأحداث في عام1905 وهي المحكمة الثانية في العالم بعد محكمة لندن.. وتنقلنا التشريعات حتي قانون الطفل رقم12 الذي صدر في عام1996, وقد أفرزت تلك الجهود إنشاء المجلس القومي للطفولة والأمومة في عام.1988 يصف المستشار رجاء العربي ـ رئيس اللجنة المشتركة من لجنة الشئون الدستورية والتشريعية, ومكتب لجنة تنمية القوي البشرية والإدارة المحلية ـ مشروع القانون قائلا: لا شك أن النصوص التي استحدثها المشروع هي نصوص قد تصل إلي حد المثالية لمعالجة قضية انحراف الأطفال أو تعرضهم للخطر. ويقطع المستشار العربي الطريق أمام من يقول إن مشروع القانون أجندة غربية قائلا: لا جدوي من أن يسيطر علي تشريع بعينه فكر مستورد, ولو كان هذا الفكر قد شاع بين دول عديدة لأنه لئن كان من المحمود في مقام العلوم والفنون الاستعانة بتجارب الأمم المتحضرة إلا أن ذلك ليس من المستحب في مقام التشريع مهما قيل عن نجاحها في الدول التي أخذت بها. وحتي لا يبقي التشريع مجرد نصوص في سطور, وتظل القضايا التي يحاول علاجها محجوبة عن أي حل يطالب المستشار العربي بتضافر الجهود بين المجلس القومي للطفولة والأمومة ووزارة الإعلام علي نشر ثقافة حقوق الطفل في المجتمع. ولأن القوانين هي تنظيم حياة الناس وأمنهم ومستقبلهم كان من الطبيعي أن يتفاعل معها ـ سلبا وإيجابا ـ أفراد المجتمع بمختلف ثقافاتهم وتوجهاتهم, من رجالات الدين والقانون والاجتماع وعلم النفس والسياسة والإعلام والشخصيات العامة وغيرها. ومن الطبيعي أن تتباين وجهات النظر وتختلف المفاهيم في تلقي النصوص الجديدة وأن يستريب البعض وأن يتربص البعض الآخر وخصوصا أن بعض تلك المواد والبنود القانونية يحمل ألغازا يراها البعض قمة المثالية, ويراها البعض ألغاما مخبأة وسم في دسم. ومن بين حوالي144 مادة قانونية ثار الجدل حول خمس منها أو يزيد قليلا في بعض بنود أخري.. جعل البعض يرفض القانون بخيره وشره, بل ويصفه بأنه أجندة غربية لا تليق بمجتمعاتنا. وحتي نقترب أكثر فلابد من إيراد أمثلة من تلك المواد فالمادة(3) تحمل المثالية والجنوح في الوقت نفسه.. فالفقرة( أ) تقول: حق الطفل في الحياة والبقاء والنمو في كنف أسرة متماسكة وحمايته من جميع أشكال العنف أو الضرر أو الإساءة البدنية أو المعنوية أو الجنسية أو الإهمال أو التقصير أو غير ذلك من أشكال إساءة المعاملة والاستغلال. وهذا رائع وعظيم ومثالي ولكن من يقرأ الفقرة( ج) يراها تقول: حق الطفل القادر علي تكوين آرائه الخاصة في الحصول علي المعلومات التي تمكنه من تكوين هذه الآراء, وفي التعبير عنها والاستماع إليها في جميع المسائل المتعلقة به. ويبرز سؤال هل مؤاخذة الطفل(16,17,18 عاما( فالقانون يعتبر سن الطفولة مستمرا حتي بلوغ18) عاما) يعني الطالب الجامعي طفل.. هل لو وجده أحد والديه يشاهد برامج أو أفلاما إباحية بدعوي تكوين آرائه الخاصة.. ومنعه من ذلك ونهره أليس ذلك إساءة معنوية علي أقل تقدير يستطيع الطفل بها مقاضاة والده؟! نجدة ونيابة ومحكمة أيضا هناك المادة97 والتي تنص علي إنشاء بكل محافظة لجنة عامة لحماية الطفولة برئاسة المحافظ.. وتشكل في دائرة شرطة كل قسم أو مركز لجنة فرعية. كما تنشأ بالمجلس القومي للطفولة إدارة عامة لنجدة الطفل تختص بتلقي الشكاوي وتنشأ بوزارة العدل إدارة عامة للحماية القضائية للطفل محكمة. ويفسر رجال القانون ذلك بأنه من حق الطفل الذي تستمر طفولته إلي سن18 سنة, كما أسلفنا, أن يقدم بلاغا في أحد والديه وتقوم جهات التحقيق بممارسة صلاحيتها في تأديب الوالد أو الوالدة. فالمادة(7) مكرر( أ) تقول: مع مراعاة واجبات وحقوق متولي رعاية الطفل يحظر تعريض الطفل عمدا لأي عقاب بدني.... ولم يترك مشروع القانون الحبل علي الغارب للطفل يبرطع كيفما شاء فالمادة(96) تقول في البند رقم(11): إذا كان الطفل سيء السلوك ومارقا من سلطة أبيه أو وليه أو وصيه أو متولي أمره أو من سلطة أمه في حالة وفاة وليه أو غيابه أوعدم أهليته يتخذ ضده إجراءات بناء علي شكوي ممن سبق ذكرهم. يعني يمكن للطفل أن يشكو والده ـ مثلا ـ بأنه سيء الخلق ويضربه ويشتمه ويسيء إليه نفسيا ومعنويا بصوته العالي وانفلات أعصابه التي ربما تسبب فيها الوقوف لعدة ساعات في طابور العيش.. ويمكن أيضا للأب أن يتقدم بالشكوي ضد ابنه علي أنه مارق وناكر الجميل ويرفض مشاركة والده البهدلة في طابور العيش!!!! أما إذا نجح الطفل في إثبات خطأ والده أمام محكمة الطفل فهناك ستة بنود تتضمنها المادة99 مكرر, تنفذها اللجان الفرعية لحماية الطفولة منها التدخل لحماية الطفل من الوالد الشرس ومنعه من الاتصال بالطفل مع استمراره في الإنفاق عليه أو أخذ الطفل وإيداعه لدي عائلة أخري أو هيئة أو مؤسسة اجتماعية أو تربوية أخري حتي تزول أسباب غضب الطفل, وذلك ما يسمي في أمريكا والدول الأوروبية الأسر البديلة. ولا يعفي الوالد من مصروفات الطفل لدي هذه الهيئات وليس له حق الرفض أو الطعن في القرار. نسب الأم.. وغيره المواد كثيرة والإشكاليات أكثر ولا يمكن رصدها كاملة ولكن لابد من التنويه عن أن هناك مواد شائكة فعلا خلا منها بيان شيخ الأزهر الذي أرسله بالموافقة علي القانون إلي السفيرة مشيرة خطاب أمين عام المجلس القومي للطفولة والأمومة, وهي المادة رقم15 التي تقول: للأم الحق في الإبلاغ عن وليدها وقيده بسجلات المواليد واستخراج شهادة ميلاد منسوبا إليها كأم. ورأي بعض الفقهاء وغيرهم أن هذا النص يفتح بوابة الزنا وبالتالي الجحيم في المجتمع وتبجح البنات وانهيار القيم.. وخصوصا أنه محكوم عليها بعدم الزواج حتي سن.18 أما المادة96 فقد ذكرت الفقرة السابقة ما يثير الدهشة في مسألة الخطر ضد الطفل, كأن تقول بعد قولها إذا وجد متسولا, ويعد من أعمال التسول عرض سلع أو خدمات تافهة أو القيام بألعاب بهلوانية وغير ذلك, فهل لو باع مناديل ورقية أو بسكويت أو المنتجات الصينية علي الرصيف مع الباعة الجائلين يعد متسولا؟ أما المادة الثامنة فهي أكثر دهشة حين تقول: إذا مارس جمع أعقاب السجائر.. وأغلب الظن أن هذه المادة قد تأثرت بالأفلام القديمة أبيض وأسود وكان جمع أعقاب السجائر من بقايا جنود الإحتلال الإنجليزي لمصر, مهنة يرتزق منها بإعادة فكها وتجميع بقايا الدخان وبيعه مرة أخري لفقراء الصريين!! وإذا كان الأمر لا يخلو من طرافة فالخاسر الكبير في مشروع القانون هو التراث الشعبي الذي توليه وزارة الثقافة اهتماما خاصا في الحفاظ عليه وعلي رأسه الأمثال الشعبية.. فجميع الأمثال التي كانت تدعو للقسوة في تربية الأولاد والبنات حولها القانون إلي جرائم تستوجب العقاب فالمثل الذي يقول: اكسر للبنت ضلع.. يطلع لها اثنين لو حدث لكسرت كل ضلوع الوالدة أو الوالد, أما المثل الذي يقول: اضرب ابنك وأحسن أدبه.. ما يموت إلا إذا فرغ أجله فإياك أن تفعلها حتي لا يفرغ أجلك أنت, فالقانون الجديد يحرم العنف سواء من الطفل أو من يرعاه. علي أية حال تناقش الأهرام العربي مع أهل الاختصاص بشئون الطفل وقضاياه بنود مشروع القانون ومواده*
|