الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 ثقافة
3دار نشر عربية تترجم أعماله بعد عشرين عاما من فتوي إهدار دمه

سلمان رشدي خارج أسوار التحريم‏!!‏

السبت 25 / 4 / 2009

سيد محمود حسن


هل يمكن أن نقرأ أعمال الكاتب البريطاني ـ من أصل هندي ـ سلمان رشدي اليوم بمعزل عن تاريخ طويل من سوء الفهم ؟
هذا هو السؤال‏,‏ أما المناسبة فهي صدور ترجمة عربية لثلاثة من أعمال رشدي هي‏:‏أطفال منتصف الليل والعار تعريب عبد الكريم ناصيف وغضب من ترجمة فاطمة النظامي‏.‏
الروايات الثلاث أصدرتها دار الجمل‏,‏ وهي دار معروفة باهتمامها بالأعمال المثيرة للجدل‏,‏ لكنها تغامر هذه المرة بالشراكة مع دار نشر سورية لا تتمتع بالشهرة نفسها وهي دار التكوين‏.‏
والمؤكد أن هذه الشراكة هدفها الواضح مغازلة شهوة القارئ العربي المتعطش إلي الأعمال التي تخترق التابو التقليدي الجامع بين الجنس والدين والسياسية‏,‏ ولاشك أن هذا القارئ عاش لسنوات طويلة محروما من قراءة أعمال سلمان رشدي الذي يوصف في غالبية وسائل الإعلام في عالمنا الإسلامي بـ‏'‏الكاتب الملعون‏'‏ إذ لا تحب صحافتنا العربية أن تطلق عليه وصفا محايدا مثل‏'‏ الكاتب المثير للجدل‏'‏ وتفضل دائما أن تضع علي أعماله عبارة‏'‏ ممنوع الاقتراب‏'‏ وذلك منذ أن وقعت الواقعة وكتب رشدي روايته آيات شيطانية التي جاءت له بالشهرة في عالمنا العربي ولكن علي جناح الفضيحة‏,‏ فقد صدرت بحقها فتوي دينية من الخميني قبل عشرين عاما أهدرت دم كاتبها بزعم‏'‏ الإساءة للرسول صلي الله عليه وسلم‏,‏ فالرواية تدور حول حادثة‏'‏ الغرانيق‏'‏ وهي واحدة من أكثر الحوادث إثارة للجدل في تاريخ الإسلام‏,‏ فقد اختلف عليها الفقهاء‏.‏
ومع هذه الحادثة يتداخل سلمان عبر رواية في قالب أقرب إلي قوالب الواقعية السحرية‏,‏ حيث تختلط الحقيقة بالخيال‏,‏ تدور حول مسافرين علي طائرة تنفجر بهما فيقعان في زمن الحادثة‏,‏ ويتحول أحدهم إلي ملاك والآخر إلي شيطان ثم يبدأ سرد الأحداث‏.‏
والمهم أن فتوي إهدار دمه أدت الي مسألتين‏,‏ الأولي حظر قراءة تلك الرواية والكثير من أعمال مؤلفها‏,‏ وبالتالي خاف الناشرون والمترجمون العرب من ترجمتها ونشرها وظلت الترجمات التي توافرت لها في اللغة العربية‏'‏ بلا أهل ودون عنوان‏'‏ من الصعب أن تعرف أي شيء عن ناشرها أو مترجمها‏,‏ بما في ذلك الروايات التي ترجمت وبيعت قبل‏'‏ الآيات‏'‏ ومنها رواية العار التي صدرت لها ترجمة من سوريا قبل نحو‏25‏ عاما‏,‏ أما المسألة الثانية فارتبطت برشدي نفسه الذي يعيش في مخبأ منذ أن صدرت الفتوي بقتله وهو لا يظهر إلا في مناسبات محدودة وبصحبة طاقم كامل من الحراس‏,‏ وفي مقابل هذا الغضب العربي الإسلامي المفهوم من‏'‏ موضوع روايته‏'‏ نال رشدي تقديرا غربيا‏,‏ ربما لم يحظ به كاتب آخر يعيش في الغرب وله أصول شرقية‏.‏
ولكي لا نستسلم لنظرية‏'‏ المؤامرة‏'‏ التقليدية علينا الإقرار بحقيقة ساطعة وهي وجود إجماع في أوساط نقاد الأدب في العالم علي القيمة الفنية والأدبية لأعمال رشدي‏,‏ خصوصا الأعمال الأربعة الأولي التي سبقت‏'‏ آيات شيطانية‏'‏ وعلي الرغم من هذا الإجماع فإن أعماله لم تنج من القراءة الاستعمالية‏.‏
التي تستعمل‏,‏ أما لإدانته كمجرم أو للدفاع عنه بما يليق بأصحاب المواهب الاستثنائية‏.‏
رشدي المولود في عام‏1947‏ في مومباي الهندية‏,‏ نشأ وتعلم هناك ثم عمل لوكالتي إعلانات قبل أن يتفرغ للكتابة‏,‏ وتزوج أربع مرات الأولي‏'‏ كلاريسا لورد‏'‏ والتي أنجب منها ولده‏'‏ ظافر‏'‏ وطلقها في عام‏1978,‏ والثانية الكاتبة الأمريكية‏'‏ مارنينا ويجينز‏'‏ في‏1988‏ حتي‏1993,‏ ثم أم ابنه ميلان‏'‏ إليزابيث ويست‏'‏ والتي انفصل عنها عام‏2004‏ حيث تزوج الممثلة وعارضة الأزياء الهندية بدما لكشيمي‏.‏
بدأ رشدي حياته الأدبية بروايته الأولي غريموس‏1975,‏ التي لم تحظ بأي اهتمام أو شهرة‏.‏ لكن روايته الثانية‏(‏ أطفال منتصف الليل‏)1980‏ حازت قدرا كبيرا من التقدير الأدبي‏,‏ ونال عنها جائزة البوكر البريطانية في‏1981,‏ وتلاها بروايته‏(‏ العيب‏)‏ في‏1983,‏ وبعدها‏(‏ ابتسامة جكوار‏)1987‏ قبل إصداره روايته الأشهر‏(‏ آيات شيطانية‏)‏ ومنذ أن صدرت تلك الرواية اضطر رشدي لتغيير محل إقامته‏30‏ مرة ضمانا لسرية مكانه‏,‏ ثم في عام‏1998‏ سحبت إيران دعمها لفتوي قتل رشدي الذي عاد تدريجيا للحياة العامة بأمل أن ينسي المسلمون ما كتب‏,‏ وكان في نهاية عام‏1990‏ قد خرج باعتذار رسمي للمسلمين في العالم‏,‏ غير أن بريطانيا التي أخذت علي عاتقها حماية رشدي من بطش الإسلاميين‏,‏ خصوصا في الهند وإيران وباكستان‏,‏ عادت لتضعه كهدف للمتشددين الإسلاميين بعد أن منحته ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية لقب فارس في‏2007,‏ وهو قرار أدي إلي موجة غضب جديدة في الأوساط الإسلامية ربطت بين اللقب وتاريخ صاحبه في إزعاج المسلمين برواياته‏.‏
وقبل أقل من عام عاد رشدي لإثارة جدل من نوع آخر يرتبط بالقيمة الفنية لأعماله حين حاز في يوليو‏2008‏ علي جائزة‏(‏ بوكر أوف ذا بوكرز‏)‏ أي أفضل كتاب‏'‏ البوكر‏'‏ التي تمنحها مؤسسة البوكرز في عامها الأربعين‏.‏ من بين لائحة قصيرة ضمت اثنين من الفائزين بجائزة نوبل وهما‏:‏الكاتبة نادين جوردمير من جنوب إفريقيا بروايتها‏'‏ المحافظ‏'‏ والكاتب الإنجليزي جي إم كويتزي بروايته‏'‏ الخزي‏'.‏
اللافت للنظر أن الأوساط الأدبية في العالم اهتمت بمناسبة مرور‏20‏ عاما علي فتوي إهدار دمه‏,‏ واستعادت تفاصيل كثيرة في هذا الملف منها أن إيران أعلنت في سبتمبر عام‏1998‏ أنه تم إسقاط نتائج الفتوي ضد سلمان رشدي‏,‏ لكن الفتوي جددت علي يد مرشد الجمهورية الإيرانية علي خامئني في‏2005‏ الذي أعلن أن رشدي مرتد و يجب إهدار دمه‏,‏ ومن ثم وضع جدارا جديدا حال دون تلقي أعمال رشدي في العالم الإسلامي‏,‏ غير أن ثورة الاتصالات وسهولة الحصول علي تلك الأعمال من خلال‏'‏ الإنترنت‏'‏ أو عبر نظام شرائها ببطاقات‏'‏ الائتمان البنكية‏'‏ جعل من قرارات حظرها مجرد حبر علي ورق‏,‏ الأمر الذي أسال لعاب الناشرين العرب ودفعهم للتفكير مجددا في ترجمة أعماله ورفع الحظر عنها‏,‏ وساعد علي ذلك أن قراءات لها قيمة فكرية عالية مثل كتابات المفكرالسوري صادق جلال العظم طالبت منذ أن بدأت الأزمة بنشر أعمال رشدي وقراءتها علي الأقل لمعرفة ما فيها ولمواجهة‏'‏ ذهنية التحريم‏'.‏
وركز العظم في الموقف الذي تبناه علي الأبعاد الفكرية والنقدية التحررية‏,‏ التي جسدها سلمان رشدي بأعماله الإبداعية‏,‏ والتي تناقش بعمق طبيعة البني الفكرية والعقلية والإيديولوجية والعقائدية والشعورية التي تقبع في أسر تخلفها وعتمتها مجتمعاتنا الشرقية‏.‏
وعلي هذه الخلفية بدأ الناشر خالد المعالي مدير دار الجمل مشروعه لترجمة أعمال رشدي وإتاحتها‏,‏ وبدأ برواية‏'‏ أطفال منتصف الليل‏'‏ التي كانت‏'‏ جواز مرور رشدي إلي العالمية بعد أن تمكنت من نيل أول جائزة البوكر في حياته‏,‏ وذلك في العام‏1981‏ وفي العام‏1993,‏ وفي الذكري الخامسة والعشرين علي تأسيس الجائزة‏,‏ نالت الرواية لقب‏'‏ بوكر البوكرات‏'BookeroftheBookers',‏ ثم انتزعت لقب أفضل بوكر علي الإطلاق‏'BestofBookers‏ لعام‏.2008‏
أما الرواية الثانية‏'‏ العار‏'‏ التي صدرت بترجمة عربية لنفس مترجم الرواية الأولي عبد الكريم ناصيف فقد فازت هي الأخري بجائزة أفضل عمل أجنبي في فرنسا عام‏.1983‏ واستكمالا لمعني المغامرة ومغازلة نوعية أخري من القراء مهمومين أكثر بالأعمال التي تخترق‏'‏ تابو السياس وليس الدين‏'‏ نشر المعالي ترجمة عربية لرواية‏'‏ غضب‏'‏ التي ترجمتها فاطمة النظامي‏,‏ وفي تلك الرواية يبتعد رشدي عن هوسه التقليدي بالأمور الدينية لينخرط في السياسة‏,‏ فهي مكتوبة في بداية القرن‏21‏ حين بدأت الشكوي من العصر الأمريكي ومن هيمنة الثقافة الأمريكية علي العالم وبحسب قراءة للناقد أحمد زين الدين‏,‏ فالرواية يمكن أن تقرأ كأي ملحمة هجائية ضــد المرض الأمريكي الذي أصاب العالم‏.‏ هجائية تسخر‏,‏ وتتهكم‏,‏ وتعري قوي التسلط المالي والإعلامي‏.‏ وفيها حضور كبير لعصر الصورة ونقد أكبر لاستسلام الإنسان لـ‏'‏ الميديا‏'‏ التي تصبح هي الحدث‏.‏
وإذا عدنا للسؤال الذي بدأنا به‏:‏ هل يمكن أن تسهم الترجمات الجديدة في قراءة سلمان رشدي قراءة أخري تنصف موهبته وتغفر له‏'‏ الإساءة‏'‏ العالقة به في عالمنا الإسلامي؟
من المؤكد في الحقيقة أن الإجابة بـ‏'‏نعم‏'‏ لا تزال غير واردة‏,‏ فأي عملية تصفح شبكة الإنترنت العنكبوتية باللغة العربية لن تأتي بقراءات كثيرة من هذا النوع‏,‏ اللهم كتابات صادق جلال العظم ومقالات أخري منها دراسة للكاتب خالد صبيح منشورة علي موقع الحوار المتمدن‏,‏ وهي موقع معني بالأفكار العلمانية تشير إلي السمات الأسلوبية الرئيسية لأدب رشدي وتسعي إلي تقييمه خارج حمي‏'‏ التكفير‏'‏ ولعبة هدر الدماء وفي الدراسة‏,‏ يشير صبيح إلي أن أعمال رشدي الروائية مليئة بعوالم فانتازية مثيرة‏,‏ تضج بنقد العالم بضفتيه‏,‏ شرقا وغربا‏,‏ وبأسلوب مليء بصور وأخيلة مكتظة بالحكايات والأساطير والخرافات وروح الدعابة الشعبية‏,‏ وبلغة متمثلة لكل مكنونات النفس البشرية‏,‏ فهي عوالم مكتنزة بالغرابة والنقد الضاحك لأن صاحبها ينتمي إلي مدرسة تنتهك المقدس وتدنسه‏,‏ أما صادق جلال العظم فيعتقد أن سلمان رشدي ينتمي إلي تقاليد أدب المعارضة الهجائي الساخر والمتهكم والهازل‏,‏ وهي تقاليد لها جذور وأصول في الثقافة العربية والإسلامية‏,‏ وليست منتجا غربيا صرفا يحرض علي أن يصنف سلمان رشدي بموجبه‏,‏ كدليل اتهام جنائي ضده‏,‏ كأحد نتاجاتها أو نتاجات مدارس التغريب والاستشراف الأوروبي‏.‏
وبعيدا عن هذا الزحام تبقي حقيقة يخاف منها الكثيرون تؤكد أن سلمان رشدي روائي كبير‏,‏ لأن أعماله حسب توصيف الدارسين له هي مراجعة نقدية لكل التراث الفكري والشعائري والأخلاقي لواقع الشرق ولعلاقة الغرب به‏.‏ وهو يكتب الرواية‏,‏ كما يقول هو نفسه‏(‏ لتكذيب الطبعة الرسمية للحقيقة‏)‏ التي يقدمها الساسة في بلاد العالم كلها‏*‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 25 / 4 / 2009
رقم العـدد
631
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg