|
سيد محمود حسن هل يمكن أن نقرأ أعمال الكاتب البريطاني ـ من أصل هندي ـ سلمان رشدي اليوم بمعزل عن تاريخ طويل من سوء الفهم ؟ هذا هو السؤال, أما المناسبة فهي صدور ترجمة عربية لثلاثة من أعمال رشدي هي:أطفال منتصف الليل والعار تعريب عبد الكريم ناصيف وغضب من ترجمة فاطمة النظامي. الروايات الثلاث أصدرتها دار الجمل, وهي دار معروفة باهتمامها بالأعمال المثيرة للجدل, لكنها تغامر هذه المرة بالشراكة مع دار نشر سورية لا تتمتع بالشهرة نفسها وهي دار التكوين. والمؤكد أن هذه الشراكة هدفها الواضح مغازلة شهوة القارئ العربي المتعطش إلي الأعمال التي تخترق التابو التقليدي الجامع بين الجنس والدين والسياسية, ولاشك أن هذا القارئ عاش لسنوات طويلة محروما من قراءة أعمال سلمان رشدي الذي يوصف في غالبية وسائل الإعلام في عالمنا الإسلامي بـ'الكاتب الملعون' إذ لا تحب صحافتنا العربية أن تطلق عليه وصفا محايدا مثل' الكاتب المثير للجدل' وتفضل دائما أن تضع علي أعماله عبارة' ممنوع الاقتراب' وذلك منذ أن وقعت الواقعة وكتب رشدي روايته آيات شيطانية التي جاءت له بالشهرة في عالمنا العربي ولكن علي جناح الفضيحة, فقد صدرت بحقها فتوي دينية من الخميني قبل عشرين عاما أهدرت دم كاتبها بزعم' الإساءة للرسول صلي الله عليه وسلم, فالرواية تدور حول حادثة' الغرانيق' وهي واحدة من أكثر الحوادث إثارة للجدل في تاريخ الإسلام, فقد اختلف عليها الفقهاء. ومع هذه الحادثة يتداخل سلمان عبر رواية في قالب أقرب إلي قوالب الواقعية السحرية, حيث تختلط الحقيقة بالخيال, تدور حول مسافرين علي طائرة تنفجر بهما فيقعان في زمن الحادثة, ويتحول أحدهم إلي ملاك والآخر إلي شيطان ثم يبدأ سرد الأحداث. والمهم أن فتوي إهدار دمه أدت الي مسألتين, الأولي حظر قراءة تلك الرواية والكثير من أعمال مؤلفها, وبالتالي خاف الناشرون والمترجمون العرب من ترجمتها ونشرها وظلت الترجمات التي توافرت لها في اللغة العربية' بلا أهل ودون عنوان' من الصعب أن تعرف أي شيء عن ناشرها أو مترجمها, بما في ذلك الروايات التي ترجمت وبيعت قبل' الآيات' ومنها رواية العار التي صدرت لها ترجمة من سوريا قبل نحو25 عاما, أما المسألة الثانية فارتبطت برشدي نفسه الذي يعيش في مخبأ منذ أن صدرت الفتوي بقتله وهو لا يظهر إلا في مناسبات محدودة وبصحبة طاقم كامل من الحراس, وفي مقابل هذا الغضب العربي الإسلامي المفهوم من' موضوع روايته' نال رشدي تقديرا غربيا, ربما لم يحظ به كاتب آخر يعيش في الغرب وله أصول شرقية. ولكي لا نستسلم لنظرية' المؤامرة' التقليدية علينا الإقرار بحقيقة ساطعة وهي وجود إجماع في أوساط نقاد الأدب في العالم علي القيمة الفنية والأدبية لأعمال رشدي, خصوصا الأعمال الأربعة الأولي التي سبقت' آيات شيطانية' وعلي الرغم من هذا الإجماع فإن أعماله لم تنج من القراءة الاستعمالية. التي تستعمل, أما لإدانته كمجرم أو للدفاع عنه بما يليق بأصحاب المواهب الاستثنائية. رشدي المولود في عام1947 في مومباي الهندية, نشأ وتعلم هناك ثم عمل لوكالتي إعلانات قبل أن يتفرغ للكتابة, وتزوج أربع مرات الأولي' كلاريسا لورد' والتي أنجب منها ولده' ظافر' وطلقها في عام1978, والثانية الكاتبة الأمريكية' مارنينا ويجينز' في1988 حتي1993, ثم أم ابنه ميلان' إليزابيث ويست' والتي انفصل عنها عام2004 حيث تزوج الممثلة وعارضة الأزياء الهندية بدما لكشيمي. بدأ رشدي حياته الأدبية بروايته الأولي غريموس1975, التي لم تحظ بأي اهتمام أو شهرة. لكن روايته الثانية( أطفال منتصف الليل)1980 حازت قدرا كبيرا من التقدير الأدبي, ونال عنها جائزة البوكر البريطانية في1981, وتلاها بروايته( العيب) في1983, وبعدها( ابتسامة جكوار)1987 قبل إصداره روايته الأشهر( آيات شيطانية) ومنذ أن صدرت تلك الرواية اضطر رشدي لتغيير محل إقامته30 مرة ضمانا لسرية مكانه, ثم في عام1998 سحبت إيران دعمها لفتوي قتل رشدي الذي عاد تدريجيا للحياة العامة بأمل أن ينسي المسلمون ما كتب, وكان في نهاية عام1990 قد خرج باعتذار رسمي للمسلمين في العالم, غير أن بريطانيا التي أخذت علي عاتقها حماية رشدي من بطش الإسلاميين, خصوصا في الهند وإيران وباكستان, عادت لتضعه كهدف للمتشددين الإسلاميين بعد أن منحته ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية لقب فارس في2007, وهو قرار أدي إلي موجة غضب جديدة في الأوساط الإسلامية ربطت بين اللقب وتاريخ صاحبه في إزعاج المسلمين برواياته. وقبل أقل من عام عاد رشدي لإثارة جدل من نوع آخر يرتبط بالقيمة الفنية لأعماله حين حاز في يوليو2008 علي جائزة( بوكر أوف ذا بوكرز) أي أفضل كتاب' البوكر' التي تمنحها مؤسسة البوكرز في عامها الأربعين. من بين لائحة قصيرة ضمت اثنين من الفائزين بجائزة نوبل وهما:الكاتبة نادين جوردمير من جنوب إفريقيا بروايتها' المحافظ' والكاتب الإنجليزي جي إم كويتزي بروايته' الخزي'. اللافت للنظر أن الأوساط الأدبية في العالم اهتمت بمناسبة مرور20 عاما علي فتوي إهدار دمه, واستعادت تفاصيل كثيرة في هذا الملف منها أن إيران أعلنت في سبتمبر عام1998 أنه تم إسقاط نتائج الفتوي ضد سلمان رشدي, لكن الفتوي جددت علي يد مرشد الجمهورية الإيرانية علي خامئني في2005 الذي أعلن أن رشدي مرتد و يجب إهدار دمه, ومن ثم وضع جدارا جديدا حال دون تلقي أعمال رشدي في العالم الإسلامي, غير أن ثورة الاتصالات وسهولة الحصول علي تلك الأعمال من خلال' الإنترنت' أو عبر نظام شرائها ببطاقات' الائتمان البنكية' جعل من قرارات حظرها مجرد حبر علي ورق, الأمر الذي أسال لعاب الناشرين العرب ودفعهم للتفكير مجددا في ترجمة أعماله ورفع الحظر عنها, وساعد علي ذلك أن قراءات لها قيمة فكرية عالية مثل كتابات المفكرالسوري صادق جلال العظم طالبت منذ أن بدأت الأزمة بنشر أعمال رشدي وقراءتها علي الأقل لمعرفة ما فيها ولمواجهة' ذهنية التحريم'. وركز العظم في الموقف الذي تبناه علي الأبعاد الفكرية والنقدية التحررية, التي جسدها سلمان رشدي بأعماله الإبداعية, والتي تناقش بعمق طبيعة البني الفكرية والعقلية والإيديولوجية والعقائدية والشعورية التي تقبع في أسر تخلفها وعتمتها مجتمعاتنا الشرقية. وعلي هذه الخلفية بدأ الناشر خالد المعالي مدير دار الجمل مشروعه لترجمة أعمال رشدي وإتاحتها, وبدأ برواية' أطفال منتصف الليل' التي كانت' جواز مرور رشدي إلي العالمية بعد أن تمكنت من نيل أول جائزة البوكر في حياته, وذلك في العام1981 وفي العام1993, وفي الذكري الخامسة والعشرين علي تأسيس الجائزة, نالت الرواية لقب' بوكر البوكرات'BookeroftheBookers', ثم انتزعت لقب أفضل بوكر علي الإطلاق'BestofBookers لعام.2008 أما الرواية الثانية' العار' التي صدرت بترجمة عربية لنفس مترجم الرواية الأولي عبد الكريم ناصيف فقد فازت هي الأخري بجائزة أفضل عمل أجنبي في فرنسا عام.1983 واستكمالا لمعني المغامرة ومغازلة نوعية أخري من القراء مهمومين أكثر بالأعمال التي تخترق' تابو السياس وليس الدين' نشر المعالي ترجمة عربية لرواية' غضب' التي ترجمتها فاطمة النظامي, وفي تلك الرواية يبتعد رشدي عن هوسه التقليدي بالأمور الدينية لينخرط في السياسة, فهي مكتوبة في بداية القرن21 حين بدأت الشكوي من العصر الأمريكي ومن هيمنة الثقافة الأمريكية علي العالم وبحسب قراءة للناقد أحمد زين الدين, فالرواية يمكن أن تقرأ كأي ملحمة هجائية ضــد المرض الأمريكي الذي أصاب العالم. هجائية تسخر, وتتهكم, وتعري قوي التسلط المالي والإعلامي. وفيها حضور كبير لعصر الصورة ونقد أكبر لاستسلام الإنسان لـ' الميديا' التي تصبح هي الحدث. وإذا عدنا للسؤال الذي بدأنا به: هل يمكن أن تسهم الترجمات الجديدة في قراءة سلمان رشدي قراءة أخري تنصف موهبته وتغفر له' الإساءة' العالقة به في عالمنا الإسلامي؟ من المؤكد في الحقيقة أن الإجابة بـ'نعم' لا تزال غير واردة, فأي عملية تصفح شبكة الإنترنت العنكبوتية باللغة العربية لن تأتي بقراءات كثيرة من هذا النوع, اللهم كتابات صادق جلال العظم ومقالات أخري منها دراسة للكاتب خالد صبيح منشورة علي موقع الحوار المتمدن, وهي موقع معني بالأفكار العلمانية تشير إلي السمات الأسلوبية الرئيسية لأدب رشدي وتسعي إلي تقييمه خارج حمي' التكفير' ولعبة هدر الدماء وفي الدراسة, يشير صبيح إلي أن أعمال رشدي الروائية مليئة بعوالم فانتازية مثيرة, تضج بنقد العالم بضفتيه, شرقا وغربا, وبأسلوب مليء بصور وأخيلة مكتظة بالحكايات والأساطير والخرافات وروح الدعابة الشعبية, وبلغة متمثلة لكل مكنونات النفس البشرية, فهي عوالم مكتنزة بالغرابة والنقد الضاحك لأن صاحبها ينتمي إلي مدرسة تنتهك المقدس وتدنسه, أما صادق جلال العظم فيعتقد أن سلمان رشدي ينتمي إلي تقاليد أدب المعارضة الهجائي الساخر والمتهكم والهازل, وهي تقاليد لها جذور وأصول في الثقافة العربية والإسلامية, وليست منتجا غربيا صرفا يحرض علي أن يصنف سلمان رشدي بموجبه, كدليل اتهام جنائي ضده, كأحد نتاجاتها أو نتاجات مدارس التغريب والاستشراف الأوروبي. وبعيدا عن هذا الزحام تبقي حقيقة يخاف منها الكثيرون تؤكد أن سلمان رشدي روائي كبير, لأن أعماله حسب توصيف الدارسين له هي مراجعة نقدية لكل التراث الفكري والشعائري والأخلاقي لواقع الشرق ولعلاقة الغرب به. وهو يكتب الرواية, كما يقول هو نفسه( لتكذيب الطبعة الرسمية للحقيقة) التي يقدمها الساسة في بلاد العالم كلها*
|