|
صلاح عيسي
أخيرا, وبعد ثماني سنوات من انعقاد دورته الأولي في دربان إحدي مدن جنوب إفريقيا, افتتحت ـ بأشهر المدن السويسرية جنيف ـ المقر الأوروبي للأمم المتحدة يوم الإثنين الماضي, الدورة الثانية لمؤتمر الأمم المتحدة لمكافحة العنصرية, وأطلق عليها المنظمون اسم دربان2 تيمنا باسم المدينة التي انعقد فيها أول مؤتمر لمكافحة العنصرية, وباسم البلد الذي شهد أسوأ أشكال العنصرية, والذي كان انتصاره عليها, شهادة علي أن البشر قادرون علي التطهر من أسوأ شرورهم, وهو العنصرية. وكان من أبرز الظواهر التي لفتت الأنظار إلي مؤتمر دربان1 أنه ـ علي العكس من كثير من أنشطة الأمم المتحدة ـ لم يقتصر علي مناقشات أعضاء الوفود التي تمثل حكوماتها, حيث يسود الميل عادة لإتمام التسويات وعقد المساومات في كواليس المؤتمرات, علي حساب الإخلاص للقضية التي تناقشها, بل أتيحت خلاله لأول مرة الفرصة لإبراز الظواهر التي أصبحت مؤثرة علي الخريطة الدولية في عالم ما بعد الحرب الباردة, وهي المنظمات غير الحكومية, وخصوصا المعنية منها بحقوق الإنسان علي مختلف الأصعدة, التي احتشد ممثلوها لمناقشة الموضوعات المدرجة علي جدول أعمال المؤتمر, وتناقشها الوفود الرسمية, لتتخذ بشأنها توصيات لا تخضع للملاءمات أو المساومات, ولا تنطلق إلا من الإخلاص لقضايا حقوق الإنسان, ومن الرغبة في تطهير الإنسانية من وصمة العنصرية بكل أشكالها, كان لها تأثيرها علي التوصيات الرسمية للمؤتمر من جانب, بينما ظل الجزء الأكبر منها التزاما في عنق هذه المنظمات, تستند إليه في ممارسة أنشطتها الضاغطة علي حكومات بلادها, وعلي الساحة الإقليمية والدولية. وخلال السنوات الثماني التي فصلت بين انعقاد مؤتمر دربان1 وافتتاح مؤتمر دربان2 يوم الإثنين الماضي, جرت في النهر مياه كثيرة, فبعد أيام من انفضاض الدورة الأولي لمؤتمر الأمم المتحدة لمكافحة العنصرية, وقعت أحداث11 سبتمبر2001 الشهيرة, وتبادل أسامة بن لادن, وجورج بن بوش إصدار بيانات الحرب, فأعلن الأول أن غزوتي نيويورك وواشنطن المظفرتين هما أولي الغزوات في الحرب التي سوف يشنها فسطاط الإيمان, بزعامته علي فسطاط الكفر الذي يضم الصليبيين واليهود بزعامة جورج بوش, الذي رد عليه معلنا أنه سيقود حربا دولية ضد الإرهاب ستكون حربا صليبية. وباسم هذه الحرب علي الإرهاب, مارس بن بوش وحلفاؤه, كل أشكال الإرهاب والعنصرية, ضد العرب والمسلمين, فاحتلت قوات التحالف الغربي ـ بقيادته ـ بلدين إسلاميين هما أفغانستان والعراق, وأنشأت سجونا لا تخضع لأي قانون حتي ولو كان قانون الغاب, واستصدرت معظم البلاد الغربية قوانين لمكافحة الإرهاب تبيح لسلطات الأمن فيها حق التنصت والملاحقة والاعتقال والسجن خارج القانون, بحق المسلمين أو ذوي الأصول العربية من رعاياها, وبحق غيرهم من المسلمين والعرب المقيمين والعابرين, وشاع مصطلح الإسلاموفوبيا, للدلالة علي تيار إعلامي وفكري وسياسي وقانوني وإجرائي, يدعو للتعامل مع كل العرب وكل المسلمين باعتبارهم إرهابيين, وإلي مصادرة حقوقهم المشروعة, ويحرض علي كراهيتهم وازدراء دينهم وثقافتهم, ويمارس ضدهم أبشع أنواع العنصرية! وكانت تلك هي النقطة التي بدأ منها ـ بعد ثماني سنوات من دربان1 ـ الإعداد لمؤتمر دربان2 وانتهت إلي خلافات لا حصر لها, حول مشروع البيان الختامي الذي أعدته اللجنة التحضيرية المكلفة بهذا الإعداد, إذ أخذت كل دولة تضع أقواسا حول الفقرات التي تعترض عليها من المشروع, حتي شملت معظم نصوصه, وجرت المشاورات بين اللجنة وبين المعترضين في محاولة للتوصل إلي صياغة بديلة ترضي كل الأطراف, وانتهت إلي هبوط عدد صفحات المشروع من150 صفحة إلي17 صفحة فقط, وهو هبوط يزيد ـ من حيث النسبة ـ علي نسبة الهبوط الذي طال البورصات الأمريكية والأوروبية! وعلي الرغم من هذا الانهيار في الموقف الدولي من مكافحة العنصرية, فإن هذا العدد الكبير من التوصيات التي تم حذفها, لم يكن كافيا لإقناع الدول التي قررت مقاطعة المؤتمر نهائيا وعدم المشاركة في أعماله, وعلي رأسها الولايات المتحدة وكندا وإسرائيل وست دول أوروبية, لأن المسودة الأولي للتوصيات كانت تندد بالممارسات العنصرية ضد الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة, ومع أنها تغيرت بموافقة فلسطينية وعربية, إلي الاكتفاء بالإشارة في ديباجة التوصيات إلي المقررات التي اتخذها مؤتمر دربان1 وهي إشارة تقليدية بالنسبة لكل المقررات التي تأخذها منظمات الأمم المتحدة, بما في ذلك مجلس الأمن, فقد غضب الجماعة في تل أبيب, وشنوا حملة عنيفة تدعو لمقاطعة المؤتمر, ربما لأن مشروع بيان المؤتمر, لم يتضمن نصا يقدم لهم الشكر لأنهم يعاملون الفلسطينيين بمنتهي الإنسانية, وانتقل الغضب منهم إلي البيت الأبيض, وإلي بيوت أخري في أوروبا, لا أعرف ألوانها علي وجه التحديد. وجاء إصرارالرئيس الإيراني أحمدي نجاد, علي المشاركة في الجلسة الافتتاحية, وإلقاء خطاب فيها, ليزيد من غضب القوم اشتعالا, باعتباره كما ذكر وزير الخارجية الإسرائيلي ـ المتسامح المؤدب المهذب الذي لا توجد في دمه ذرة واحدة من العنصرية ـ ليبرمان شخصا عنصريا يدعو ليل نهار لمحو دولة إسرائيل, فيهدد بإلقائها في البحر وينكر المحرقة, وما كاد الرئيس نجاد ينتهي من إلقاء كلمته, حتي عاد المنسحبون لحضور جلسات المؤتمر, وتتالت التصريحات المحتجة علي ما قاله نجاد فوصفتها الولايات المتحدة بأنها معيبة ووحشية وحاقدة ودعا الرئيس الفرنسي إلي اتخاذ رد فعل أوروبي شديد الحزم تجاه ما قاله نجاد! والظاهر أن تعصب أسيادنا الذين في أوروبا, ضد أحمدي نجاد وإصرارهم علي أن يدرجوه علي قائمة العنصرية التي ينبغي أن يكافحها المؤتمر, قد أصمهم عن أن يسمعوا ويفهموا ما قاله, فلم يتنبهوا إلي أن الرجل في سياق ترطيب الأجواء بينه وبين الولايات المتحدة وأن يلتقي بهم في منتصف الطريق, وأن يصحح, أو بمعني آخر يرقق في تصريحاته السابقة بشأن إنكار المحرقة والدعوة لإزالة إسرائيل, فبني كلمته, علي فكرة واضحة وصحيحة ومتسقة, خلاصتها: أن الأوروبيين يشعرون بعقدة ذنب بسبب المحرقة التي أقاموها لليهود دفعتهم في محاولة منهم للتطهر من هذه العقدة لمساعدة اليهود علي الاستيلاء علي فلسطين, لتمارس حكوماتهم, منذ ذلك الحين سياسة عنصرية ضد أصحاب الأرض الأصليين. وهو كلام صحيح مائة في المائة, ولا صلة بينه وبين تصريحات نجاد السابقة, بل لعله ينطوي علي اعتراف غير مباشر بالمحرقة, باعتبارها جريمة أوروبية دفعنا نحن العرب ثمنها من دون أن نرتكبها أو نساعد علي ارتكابها, ولا مصلحة لنا في إنكارها, وهو كلام لا يمكن الاستناد إليه لاتهام نجاد بمعاداة السامية, وهي لعبة رخيصة تلعبها الحكومات الإسرائيلية, التي تحاول تحصين سياساتها العنصرية ضد الفلسطينيين, باتهام كل من ينتقد هذه السياسات بأنه معاد للسامية, وهو ماتوقاه نجاد بذكاء ولكن حالة من الغباء التام حطت علي أسيادنا العنصريين في الغرب دفعتهم للتنديد بما قاله بدلا من الترحيب به باعتباره تطورا إيجابيا في أفكار الرجل, وتلك هي مشكلة العنصري الدائمة, فهو يسمع الوساوس التي تسكن رأسه تجاه الآخر بدلا من أن يسمع ـ ويفهم ـ ما يقوله. وربنا يشفيكم.
|