الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 المحطة الاخيرة
3

أحمدي نجاد وأسيادنا الذين في العنصرية الأوروبية‏!‏

السبت 25 / 4 / 2009

صلاح عيسي



أخيرا‏,‏ وبعد ثماني سنوات من انعقاد دورته الأولي في دربان إحدي مدن جنوب إفريقيا‏,‏ افتتحت ـ بأشهر المدن السويسرية جنيف ـ المقر الأوروبي للأمم المتحدة يوم الإثنين الماضي‏,‏ الدورة الثانية لمؤتمر الأمم المتحدة لمكافحة العنصرية‏,‏ وأطلق عليها المنظمون اسم دربان‏2‏ تيمنا باسم المدينة التي انعقد فيها أول مؤتمر لمكافحة العنصرية‏,‏ وباسم البلد الذي شهد أسوأ أشكال العنصرية‏,‏ والذي كان انتصاره عليها‏,‏ شهادة علي أن البشر قادرون علي التطهر من أسوأ شرورهم‏,‏ وهو العنصرية‏.‏
وكان من أبرز الظواهر التي لفتت الأنظار إلي مؤتمر دربان‏1‏ أنه ـ علي العكس من كثير من أنشطة الأمم المتحدة ـ لم يقتصر علي مناقشات أعضاء الوفود التي تمثل حكوماتها‏,‏ حيث يسود الميل عادة لإتمام التسويات وعقد المساومات في كواليس المؤتمرات‏,‏ علي حساب الإخلاص للقضية التي تناقشها‏,‏ بل أتيحت خلاله لأول مرة الفرصة لإبراز الظواهر التي أصبحت مؤثرة علي الخريطة الدولية في عالم ما بعد الحرب الباردة‏,‏ وهي المنظمات غير الحكومية‏,‏ وخصوصا المعنية منها بحقوق الإنسان علي مختلف الأصعدة‏,‏ التي احتشد ممثلوها لمناقشة الموضوعات المدرجة علي جدول أعمال المؤتمر‏,‏ وتناقشها الوفود الرسمية‏,‏ لتتخذ بشأنها توصيات لا تخضع للملاءمات أو المساومات‏,‏ ولا تنطلق إلا من الإخلاص لقضايا حقوق الإنسان‏,‏ ومن الرغبة في تطهير الإنسانية من وصمة العنصرية بكل أشكالها‏,‏ كان لها تأثيرها علي التوصيات الرسمية للمؤتمر من جانب‏,‏ بينما ظل الجزء الأكبر منها التزاما في عنق هذه المنظمات‏,‏ تستند إليه في ممارسة أنشطتها الضاغطة علي حكومات بلادها‏,‏ وعلي الساحة الإقليمية والدولية‏.‏
وخلال السنوات الثماني التي فصلت بين انعقاد مؤتمر دربان‏1‏ وافتتاح مؤتمر دربان‏2‏ يوم الإثنين الماضي‏,‏ جرت في النهر مياه كثيرة‏,‏ فبعد أيام من انفضاض الدورة الأولي لمؤتمر الأمم المتحدة لمكافحة العنصرية‏,‏ وقعت أحداث‏11‏ سبتمبر‏2001‏ الشهيرة‏,‏ وتبادل أسامة بن لادن‏,‏ وجورج بن بوش إصدار بيانات الحرب‏,‏ فأعلن الأول أن غزوتي نيويورك وواشنطن المظفرتين هما أولي الغزوات في الحرب التي سوف يشنها فسطاط الإيمان‏,‏ بزعامته علي فسطاط الكفر الذي يضم الصليبيين واليهود بزعامة جورج بوش‏,‏ الذي رد عليه معلنا أنه سيقود حربا دولية ضد الإرهاب ستكون حربا صليبية‏.‏
وباسم هذه الحرب علي الإرهاب‏,‏ مارس بن بوش وحلفاؤه‏,‏ كل أشكال الإرهاب والعنصرية‏,‏ ضد العرب والمسلمين‏,‏ فاحتلت قوات التحالف الغربي ـ بقيادته ـ بلدين إسلاميين هما أفغانستان والعراق‏,‏ وأنشأت سجونا لا تخضع لأي قانون حتي ولو كان قانون الغاب‏,‏ واستصدرت معظم البلاد الغربية قوانين لمكافحة الإرهاب تبيح لسلطات الأمن فيها حق التنصت والملاحقة والاعتقال والسجن خارج القانون‏,‏ بحق المسلمين أو ذوي الأصول العربية من رعاياها‏,‏ وبحق غيرهم من المسلمين والعرب المقيمين والعابرين‏,‏ وشاع مصطلح الإسلاموفوبيا‏,‏ للدلالة علي تيار إعلامي وفكري وسياسي وقانوني وإجرائي‏,‏ يدعو للتعامل مع كل العرب وكل المسلمين باعتبارهم إرهابيين‏,‏ وإلي مصادرة حقوقهم المشروعة‏,‏ ويحرض علي كراهيتهم وازدراء دينهم وثقافتهم‏,‏ ويمارس ضدهم أبشع أنواع العنصرية‏!‏
وكانت تلك هي النقطة التي بدأ منها ـ بعد ثماني سنوات من دربان‏1‏ ـ الإعداد لمؤتمر دربان‏2‏ وانتهت إلي خلافات لا حصر لها‏,‏ حول مشروع البيان الختامي الذي أعدته اللجنة التحضيرية المكلفة بهذا الإعداد‏,‏ إذ أخذت كل دولة تضع أقواسا حول الفقرات التي تعترض عليها من المشروع‏,‏ حتي شملت معظم نصوصه‏,‏ وجرت المشاورات بين اللجنة وبين المعترضين في محاولة للتوصل إلي صياغة بديلة ترضي كل الأطراف‏,‏ وانتهت إلي هبوط عدد صفحات المشروع من‏150‏ صفحة إلي‏17‏ صفحة فقط‏,‏ وهو هبوط يزيد ـ من حيث النسبة ـ علي نسبة الهبوط الذي طال البورصات الأمريكية والأوروبية‏!‏
وعلي الرغم من هذا الانهيار في الموقف الدولي من مكافحة العنصرية‏,‏ فإن هذا العدد الكبير من التوصيات التي تم حذفها‏,‏ لم يكن كافيا لإقناع الدول التي قررت مقاطعة المؤتمر نهائيا وعدم المشاركة في أعماله‏,‏ وعلي رأسها الولايات المتحدة وكندا وإسرائيل وست دول أوروبية‏,‏ لأن المسودة الأولي للتوصيات كانت تندد بالممارسات العنصرية ضد الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة‏,‏ ومع أنها تغيرت بموافقة فلسطينية وعربية‏,‏ إلي الاكتفاء بالإشارة في ديباجة التوصيات إلي المقررات التي اتخذها مؤتمر دربان‏1‏ وهي إشارة تقليدية بالنسبة لكل المقررات التي تأخذها منظمات الأمم المتحدة‏,‏ بما في ذلك مجلس الأمن‏,‏ فقد غضب الجماعة في تل أبيب‏,‏ وشنوا حملة عنيفة تدعو لمقاطعة المؤتمر‏,‏ ربما لأن مشروع بيان المؤتمر‏,‏ لم يتضمن نصا يقدم لهم الشكر لأنهم يعاملون الفلسطينيين بمنتهي الإنسانية‏,‏ وانتقل الغضب منهم إلي البيت الأبيض‏,‏ وإلي بيوت أخري في أوروبا‏,‏ لا أعرف ألوانها علي وجه التحديد‏.‏
وجاء إصرارالرئيس الإيراني أحمدي نجاد‏,‏ علي المشاركة في الجلسة الافتتاحية‏,‏ وإلقاء خطاب فيها‏,‏ ليزيد من غضب القوم اشتعالا‏,‏ باعتباره كما ذكر وزير الخارجية الإسرائيلي ـ المتسامح المؤدب المهذب الذي لا توجد في دمه ذرة واحدة من العنصرية ـ ليبرمان شخصا عنصريا يدعو ليل نهار لمحو دولة إسرائيل‏,‏ فيهدد بإلقائها في البحر وينكر المحرقة‏,‏ وما كاد الرئيس نجاد ينتهي من إلقاء كلمته‏,‏ حتي عاد المنسحبون لحضور جلسات المؤتمر‏,‏ وتتالت التصريحات المحتجة علي ما قاله نجاد فوصفتها الولايات المتحدة بأنها معيبة ووحشية وحاقدة ودعا الرئيس الفرنسي إلي اتخاذ رد فعل أوروبي شديد الحزم تجاه ما قاله نجاد‏!‏
والظاهر أن تعصب أسيادنا الذين في أوروبا‏,‏ ضد أحمدي نجاد وإصرارهم علي أن يدرجوه علي قائمة العنصرية التي ينبغي أن يكافحها المؤتمر‏,‏ قد أصمهم عن أن يسمعوا ويفهموا ما قاله‏,‏ فلم يتنبهوا إلي أن الرجل في سياق ترطيب الأجواء بينه وبين الولايات المتحدة وأن يلتقي بهم في منتصف الطريق‏,‏ وأن يصحح‏,‏ أو بمعني آخر يرقق في تصريحاته السابقة بشأن إنكار المحرقة والدعوة لإزالة إسرائيل‏,‏ فبني كلمته‏,‏ علي فكرة واضحة وصحيحة ومتسقة‏,‏ خلاصتها‏:‏ أن الأوروبيين يشعرون بعقدة ذنب بسبب المحرقة التي أقاموها لليهود دفعتهم في محاولة منهم للتطهر من هذه العقدة لمساعدة اليهود علي الاستيلاء علي فلسطين‏,‏ لتمارس حكوماتهم‏,‏ منذ ذلك الحين سياسة عنصرية ضد أصحاب الأرض الأصليين‏.‏
وهو كلام صحيح مائة في المائة‏,‏ ولا صلة بينه وبين تصريحات نجاد السابقة‏,‏ بل لعله ينطوي علي اعتراف غير مباشر بالمحرقة‏,‏ باعتبارها جريمة أوروبية دفعنا نحن العرب ثمنها من دون أن نرتكبها أو نساعد علي ارتكابها‏,‏ ولا مصلحة لنا في إنكارها‏,‏ وهو كلام لا يمكن الاستناد إليه لاتهام نجاد بمعاداة السامية‏,‏ وهي لعبة رخيصة تلعبها الحكومات الإسرائيلية‏,‏ التي تحاول تحصين سياساتها العنصرية ضد الفلسطينيين‏,‏ باتهام كل من ينتقد هذه السياسات بأنه معاد للسامية‏,‏ وهو ماتوقاه نجاد بذكاء ولكن حالة من الغباء التام حطت علي أسيادنا العنصريين في الغرب دفعتهم للتنديد بما قاله بدلا من الترحيب به باعتباره تطورا إيجابيا في أفكار الرجل‏,‏ وتلك هي مشكلة العنصري الدائمة‏,‏ فهو يسمع الوساوس التي تسكن رأسه تجاه الآخر بدلا من أن يسمع ـ ويفهم ـ ما يقوله‏.‏
وربنا يشفيكم‏.‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 25 / 4 / 2009
رقم العـدد
631
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg