الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 موضوع الغلاف
3الحراك السلمي تجاوز المطالب الحقوقية إلي الانفصال الصريح عن دولة الوحدة

ماذا يحدث في جنوب اليمن؟

السبت 25 / 4 / 2009

صنعاء ـ إبراهيم العشماوي


تصاعدت في الآونة الأخيرة وتيرة الاحتجاجات والمصادمات في المحافظات الجنوبية والشرقية لليمن‏,‏ علي خلفية نشاط محموم لهيئات الحراك الجنوبي الذي تحول من الحديث علي استحياء عن مطالب حقوقية وسياسية للعسكريين المحالين قسرا إلي التقاعد‏,‏ إلي التصريح علنا والمطالبة بانفصال الجنوب عن شمال اليمن بعد وحدة أصبحت نموذجا عربيا فريدا تحققت في‏22‏ مايو عام‏1990,‏ ثم أعيد تثبيتها بمواجهات دامية أنهت محاولة فاشلة للانفصال في صيف عام‏1994.‏
الخطير في التطورات ليس فقط تنامي ظهور أصوات إعلامية وسياسية تشكل حالة غير مفهومة في المجتمع اليمني الذي عاش لأجيال طويلة يحلم بالوحدة وظهور قناة إعلامية باسم عدن تتحدث عن الاحتلال اليمني الشمالي‏'‏ بالطبع للجنوب‏'‏ مدعومة ببعض الصحف الأهلية والمستقلة داخل اليمن‏,‏ بل في تحول كل ذلك إلي اشتباكات وأعمال عنف دامية أودت بحياة قتلي وجرحي‏,‏ واستهداف علني لممثلي السلطة المركزية والعسكرية والأمنية وحتي ممثلي المؤتمر الشعبي العام‏'‏ الحزب الحاكم‏'‏ بل وحتي استهداف كل ما هو شمالي‏,‏ حتي لو كان فريقا رياضيا كما حدث مع أحد أندية الحديدة الذي كان يلعب مباراة رياضية وتلقي ضربا مبرحا علي يد جنوبيين‏.‏
واللافت للنظر في المشهد الجنوبي أيضا إعلان زعيم الجهاديين في اليمن طارق الفضلي انضمامه إلي الحراك الجنوبي بعد سنوات من التحالف مع السلطة اليمنية كان خلالها ألد أعداء النظام اليساري في عدن‏,‏ وشارك بفاعلية مع أتباعه في دحر الحزب الاشتراكي عند حرب مواجهة الانفصال عام‏1994,‏ ويري البعض أن الفضلي الذي بدأ في الحديث صراحة عن المطالبة باستقلال الجنوب‏,‏ قد يكون دخوله إلي الحراك الجنوبي وسيلة لتفكيكه وتدميره‏,‏ فضلا عن أن غياب الثقة بينه وبين مختلف الأطراف الجنوبية سيعيق دوره المنتظر وإن كان انضمامه يمثل نصرا معنويا وقبليا مهما للحراك‏.‏
أجندة خارجية
وفي تصريحات خاصة لـ‏(‏ الأهرام العربي‏)‏ يتهم مسئول يمني رفيع المستوي جهات خارجية بالوقوف وراء أحداث الجنوب بهدف زعزعة أمن واستقرار اليمن‏,‏ وتنفيذ أجندة خارجية تحاول أن تستقطب أفرادا يمنيين يقيمون في الخارج‏,‏ لكنه قلل في الوقت نفسه من تأثير ما أسماه زوبعة في فنجان من أناس تضرروا من الوحدة ويسعون إلي ضربها بكل الوسائل بعد أن جمدت مصالحهم الخاصة‏,‏ مشيرا إلي أن الوحدة اليمنية بخير ولا قلق عليها من أي مكروه‏,‏ برغم ما وصفها بالأصوات الناعقة بالانفصال والرامية إلي تمزيق البلاد مرة أخري وإعادة عجلة التاريخ إلي الوراء‏.‏
وبدون شك فإن الوضع مختلف الآن عما كان عليه عشية حرب عام‏94,‏ لأن جنوب اليمن الآن ليس لديه جيش ولا أسلحة ولا عتاد ولا يمكن للداعين إلي الاستقلال أن يدخلوا في مواجهات عسكرية محسومة سلفا‏,‏ وليس لديهم أي مقومات أو إمكانات يمكن أن تبني عليها دولة جديدة‏.‏
وبحسب المسئول اليمني فقد تمت معالجة قضايا المتقاعدين المدنيين أو العسكريين والأمنيين المسرحين عقب حرب عام‏90,‏ وأعيدوا إلي عملهم وعولجت أوضاعهم القانونية والمالية أسوة بغيرهم‏.‏ وقال‏:'‏ قبل الوحدة كان هناك‏35‏ ألف عسكري في المحافظات الجنوبية والشرقية‏,‏ الآن هناك ما يزيد علي‏150‏ ألفا ضمن قوام الجيش اليمني‏,‏ كما أن الكثير منهم يتولون مناصب قيادية في الدولة والحكومة‏.‏ فنائب رئيس الجمهورية من الجنوب‏,‏ ورئيس الوزراء من الجنوب‏,‏ وهناك وزراء ونواب وزراء ومحافظون وأعضاء في البرلمان ووكلاء وزارات وقادة عسكريون وأمنيون وسفراء من الجنوب أيضا‏'.‏ ويستغرب المسئول اليمني من ادعاءات البعض بتمثيل الجنوب ومحاولة التحدث باسمه متناسين المتغيرات التي حصلت منذ حوالي عقدين من الزمن‏,‏ ويقصد هنا الحزب الاشتراكي الذي كان يحكم الجنوب قبل الوحدة‏,‏ لافتا النظر إلي أن اليمن دولة مؤسسات ديمقراطية‏,‏ والتغيير السلمي متاح بشرط أن يكون عن طريق صناديق الاقتراع وفي الإطار الوطني‏,‏ ودون اللجوء إلي رفع شعارات يعاقب عليها القانون والدستور تدعو إلي الانقلاب علي السلطة وممارسة العنف‏.‏
ويشعر المسئول اليمني بألم شديد وهو يتحدث عن أن الشباب وصغار السن الذين يخرجون في مظاهرات واحتجاجات ويخوضون اشتباكات مع قوات الأمن في محافظات الجنوب‏,‏ هم الجيل الذي ولد مع الوحدة‏,‏ والجيل الذي لم يعش المآسي والويلات التي عاشها الجنوب إبان حكم الحزب الاشتراكي اليمني قبل الوحدة‏,‏ ولم يجرب التاريخ الدموي للاشتراكي‏,‏ كما لم يعاصر الحروب والنزاعات العسكرية التي دارت بين الشطرين قبل الوحدة‏,‏ وما أدت إليه من كوارث ونكبات‏.‏
الوحدة خط أحمر
وتعتبر الوحدة اليمنية خطا أحمر في تصريحات كل المسئولين اليمنيين‏,‏ فنائب الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي والذي يشغل أيضا منصب الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي العام‏'‏ الحاكم‏'‏ يؤكد‏'‏ أن من يفكر بالعودة إلي ما قبل‏22‏ مايو فهو يحلم لأن الوحدة اليمنية ملك لليمنيين‏,‏ وقد دفعنا من أجلها الدماء في‏94‏ ومستعدون أن ندفع أضعاف هذه الدماء مرة أخري من أجل الوحدة‏'.‏ واعتبر هادي أن وحدة اليمن مكسب لكل اليمنيين من صعدة حتي المهرة‏,‏ وأن الوحدة قناعة كل اليمنيين لأنهم يدركون أن أمنهم واستقرارهم واقتصادهم في وحدتهم وليس في تشرذمهم‏.‏ وأضاف‏'‏ ومن يفكر بعودة اليمن إلي ما قبل‏26‏ سبتمبر‏(‏ أي قبل الثورة التي أطاحت بحكم الإمامة‏)‏ فهو أيضا يحلم‏,‏ ومن يحاول أن يأتي بأفكار خارجية ليطبقها داخل اليمن فلن يستطيع‏,‏ لأن هذا كله خارج عن الواقع اليمني‏'.‏
وحذر نائب الرئيس اليمني من أن أي مساس بأمن اليمن سيدفع الجميع ثمنه‏,‏ وأكد أن‏'‏ محاولات الفوضي التي يحاول البعض إثارتها كلها تؤثر علي التنمية والاستقرار‏'.‏
أول رئيس لدولة الوحدة حيدر أبو بكر العطاس المقيم في المملكة العربية السعودية‏,‏ صرح أخيرا بأن خطر الانفصال قائم‏,‏ وحمل السلطة مسئولية الأحداث الدموية في الحبيلين بمنطقة ردفان بمحافظة لحج‏,‏ والتي أدت إلي مقتل مواطنين اثنين وجرح آخرين‏,‏ مما دفع الأمين العام المساعد لقطاع الإعلام بالمؤتمر الشعبي العام الدكتور أحمد عبيد بن دغر إلي اتهامه بالسعي إلي‏'‏ النهش في جسد الوطن ووحدته‏,‏ تنفيذا لتلك الأجندات الخاصة والمشاريع المشبوهة التمزيقية التي سبق أن تصدي لها الشعب اليمني وأسقطها في حينه‏,‏ وسوف يتصدي وبحزم لكل من يحاولون اليوم الترويج لها وتمريرها وكأن الذاكرة الوطنية قد عطبت‏'.‏
وقال القيادي في الحزب الحاكم‏(‏ إن مثل هؤلاء واهمون وإن أبناء شعبنا اليمني علي درجة من الوعي والإدراك لمعرفة ما يدور ويدبر ضده ومن هي الجهات التي تقف وراء مثل هذه الأنشطة التخريبية الهدامة والدعوات المناطقية والجهوية المرفوضة والتي لا مكان لها في يمن الـ‏22‏ من مايو‏1990).‏
وأكد بن دغر أنه‏'‏ لا تساهل أبدا مع أي عنصر يسعي للنيل من أمن اليمن واستقراره ووحدته الوطنية أو الخروج علي الدستور والقانون أيا كان وأينما كان‏'.‏
ووصف حديث العطاس عن أحداث ردفان بالمغالطات‏,‏ ودافع بأن‏'‏ بعض العناصر الخارجة علي الدستور والقانون والمثيرة للفتنة وثقافة الكراهية‏,‏ والبغضاء بين أبناء الوطن الواحد قامت بالاعتداء المسلح علي أفراد الأمن أثناء أدائهم لواجبهم في منطقة ردفان من أجل ترسيخ الأمن والاستقرار وتوفير السكينة العامة للمواطنين في المنطقة‏,‏ بعد أن حاولت تلك العناصر الفوضوية والمأجورة جعل ردفان بؤرة لأنشطتها الهدامة والهادفة إلي إثارة الفتنة والنيل من الوحدة الوطنية والأمن والاستقرار في محاولة بائسة لإعادة عجلة التاريخ إلي الوراء‏,‏ غير مستفيدة من دروس الماضي وعبره‏'.‏
موقف المعارضة
ويبدو أن أحزاب المعارضة الرئيسية في اليمن تمسك العصا من النصف في المسألة الجنوبية‏,‏ فهي تطالب من ناحية السلطات اليمنية بالاعتراف بالقضية الجنوبية ومعالجتها‏,‏ وتشجع بشكل غير مباشر أطراف الحراك الجنوبي‏,‏ ولكنها في الوقت نفسه تتحاشي تماما الحديث عن الانفصال‏.‏ ويؤكد المسئول اليمني أن أحزاب اللقاء المشترك تسعي إلي استخدام أحداث الجنوب كورقة سياسية رابحة للضغط علي السلطة‏,‏ وتحقيق بعض المكاسب في الحوار القائم مع الحزب الحاكم حول قضايا الإصلاح السياسي والانتخابات‏,‏ ولذلك فإنها تدعم مطالب قادة وممثلي‏'‏ الحراك‏'‏ سياسيا ومعنويا‏.‏ والجانب الثاني أن أحزاب‏'‏ المشترك‏'‏ تعلم جيدا أن أي انقلاب في المعادلة السياسية في الجنوب لن يكون في صالحها‏,‏ وأي نكوص عن الوحدة قد يكلفها وجودها نفسها في الحياة السياسية اليمنية‏,‏ والتي أعطتها دولة الوحدة الشرعية والظهور العلني بدلا من العمل السري في الماضي‏.‏ ولذلك فهي لا تذهب مع‏'‏ الحراك‏'‏ حتي النهاية ولا تدعم مطالب الانفصال‏.‏
وعقب أحداث ردفان حذر المجلس الأعلي للقاء المشترك في بيان له من‏'‏ عسكرة الحياة المدنية‏',‏ وطالب‏'‏ بمحاسبة مطلقي النار علي مظاهرة الحبيلين‏'.‏ وأدان المشترك‏'‏ ما أقدمت عليه قوات الأمن والجيش من استخدام مفرط للقوة والعنف وإطلاق الرصاص الحي علي المواطنين في الحبيلين بمحافظة لحج‏,‏ مما أدي إلي استشهاد اثنين منهم وجرح العشرات‏'.‏ وقالت أحزاب المشترك‏'‏ إن ما قامت به قوات الأمن أسهم في تفاقم أجواء التوتر والعنف والاحتقان الذي استطاعت السلطة من خلاله جر الحراك السلمي إلي مربع العنف‏,‏ وجر المتاعب لنفسها وإدخال البلد في متاهات‏'.‏
وطالبت السلطة وأجهزتها‏'‏ بالكف عن هذه الأساليب والممارسات القمعية المنافية للدستور والقانون‏'.‏
تكوينات الحراك الجنوبي
ويري مراقبون أن معظم الهيئات والحركات والتيارات التي ظهرت في الحراك تتفق علي هدف رئيسي يجمعها تحت مطلب الاستقلال واستعادة الدولة الجنوبية‏,‏ تحت خيار النضال السلمي‏,‏ والدفاع عن النفس إذا تطلب الأمر‏.‏ كما تعول هيئات الحراك علي تدخل خارجي يبدأ من الخليج وينتهي بمجلس الأمن‏,‏ إضافة إلي تكريس لغة الجغرافيا واستعداء أبناء المحافظات الشمالية بطريق مباشر أو غير مباشر‏.‏
وتشمل خارطة‏'‏ الحراك الجنوبي‏'‏ عدة هيئات وتيارات تشكلت في محافظات حضرموت والضالع وعدن وأبين وشبوة ولحج والمهرة منذ‏7‏ يوليو‏2007'‏ يوم انتصار قوات الشرعية الدستورية علي القوات الانفصالية في حرب عام‏1994'.‏
فهناك‏'‏ المجلس الأعلي لاستعادة دولة الجنوب‏'‏ الذي يترأسه حسن باعوم‏,‏ و‏'‏هيئة حركة النضال السلمي الجنوبي‏'‏ المعروفة باسم‏'‏ نجاح‏'‏ التي يرأسها النائب بمجلس النواب‏'‏ البرلمان‏'‏ صلاح الشنفرة وينوبه ستة أعضاء آخرين بينهم النائب الدكتور ناصر الخبجي‏,‏ و‏'‏الهيئة الوطنية لاستقلال الجنوب‏'‏ برئاسة العميد ناصر النوبة رئيس جمعية المتقاعدين العسكريين‏,‏ و‏'‏مجالس التصالح والتسامح‏'‏ التي يترأسها الدكتور صالح يحيي سعيد الشعيبي‏.‏
وتذهب التكهنات اليمنية إلي أن هيئات الحراك الجنوبي تتلقي الدعم والتمويل من حركة‏'‏ تاج‏'‏ المعارضة ومقرها في بريطانيا‏,‏ والمغتربين اليمنيين المقيمين في أمريكا وبريطانيا ودول الخليج‏,‏ واشتراكات بعض الأعضاء والتجار المغتربين‏,‏ ونائب الرئيس اليمني السابق علي سالم البيض‏,‏ ورئيس الوزراء الأسبق حيدر أبوبكر العطاس‏,‏ ورئيس‏'‏ اليمن الجنوبي‏'‏ السابق قبل الوحدة علي ناصر محمد‏.‏
ويبقي اليمن المتعب من ملفات صعبة أخري مثل طبول الحرب السادسة مع الحوثيين في صعدة‏,‏ وتدفق اللاجئين الصوماليين إلي سواحله ومواجهاته العنيفة مع تنظيم القاعدة الذي يركز عليه في هذه الفترة‏,‏ يبقي في مواجهة عدة خصوم في وقت واحد مما يفرض علي القيادة السياسية اليمنية والرئيس علي عبد الله صالح‏,‏ الذي أجاد في الماضي ولايزال لعبة التوازنات المحلية أن يخرج البلاد من عنق الزجاجة بأقل الخسائر‏,‏ محافظا علي مكسب الوحدة الذي دفع من أجله الشعب اليمني الكثير والكثير‏*‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 25 / 4 / 2009
رقم العـدد
631
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg