215‏السنة 123-العدد2001مايو5‏11من صفر 1422 هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
علم و تكنولوجيا
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
برج الحظ
المحطة الأخيرة
مقالات

فن‏..‏ مازال في المواجهة
الكاريكاتير تحت بند السب والقذف‏!‏

القاهرة ـ عزمي عبدالوهاب
بيروت ـ كمال طنوس
الدوحة ـ العزب الطيب الطاهر
ـ جدة ـ آمال رتيب
الكويت ـ فوزي عويس

في مصر القديمة كانت جدران المقابر والمعابد وقطع الفخار وورق البردي حافلة بالرسوم الكاريكاتيرية‏,‏ فتري الأسد يلعب مع الحمار الشطرنج‏,‏ والذئاب ترعي الأغنام‏,‏ والفئران تهاجم قلعة القطط‏,‏ والفأر يجلس علي كرسي فخم‏,‏ وبيده كأس الشراب بينما تقوم علي خدمته القطط‏.‏
وحدثت الفجوة التي قضت علي الريادة الفرعونية‏,‏ واحتاج الأمر إلي سنوات حتي أطل الفنان رخا علي ساحة فرسانها الأسباني سانتوس والتركي رفقي والأرميني صاروخان وتوالت أسماء كتيبة الفن المشاغب‏:‏ عبدالسميع وزهدي وطوغان وجاهين وحجازي وبهجت ورجائي وحاكم والليثي والبهجوري‏..‏ وغيرهم‏.‏
ودفع جيل الريادة والتمصير ثمن مواقفه‏,‏ فسجن رخا أربع سنوات بتهمة العيب في الذات الملكية‏,‏ وكان عمره آنذاك‏22‏ عاما‏,‏ وعلي أبواب الزنازين في السجن الحربي والقلعة كانت رسومات زهدي‏,‏ الذي أقام في عام‏1950‏ معرضا لأعماله في الشارع وعلي أحد الأرصفة‏,‏ وكان يري أن الكاريكاتير لابد أن يعايش الناس ويأخذ مادته منهم ويردها إليهم بشكل عملي‏,‏ وعلي قدر ما يستطيع يجعل كلمته مؤثرة في أوسع الدوائر‏,‏ فهو يعكس الواقع‏,‏ وهذا يقتضي ثقافة سياسية من الرسام‏.‏
وعندما كان للرقيب مكتب في كل مطبوعة استطاع الكاريكاتير أن ينفذ من رقابته ويصل إلي القاريء‏,‏ وكان الرقيب يتغير بعد أسبوع‏,‏ ومقال أحمد بهاء الدين الشهير عن كتاب طوق الحمامة لابن حزم‏,‏ أو فصله المخصص عن الرقيب ـ أي العزول في لغة الحب ـ كانت نتيجته فصل الرقيب بعد ساعات من صدور المجلة‏..‏ فهل يكون الإبداع أكثر ازدهارا في ظل تقييد الحريات والرقابة‏,‏ لأن المبدع يكتشف خلال هذا الجو الخانق حيلا ووسائط فنية جديدة‏,‏ أم أن انتعاش الإبداع يتناسب طرديا مع الحرية؟
انتهي عصر الرقباء‏,‏ ودخلنا أجواء الألفية الثالثة والفضائيات والإنترنت والوسائط التكنولوجية المتقدمة‏,‏ وقبل هذا وذاك تحقق هامش ديمقراطي ضيق في عدد من بلداننا العربية‏,‏ فهل يأخذ هذا من حساب فن الكاريكاتير بالخصم أم بالإضافة ذلك ما تبحث عنه الأهرام العربي في هذا الملف‏!‏
من بيروت حيث يعترف الجيل القديم بفضل التأسيس لفن الكاريكاتير عبر مصر ولبنان‏,‏ فالفنان جان مشعلاني الذي يشغل الصفحة الأخيرة برسوماته في جريدة الأنوار اللبنانية الصادرة عن دار الصياد‏,‏ يقول‏:‏ كانت مصر ومازالت أم الصحافة الكاريكاتيرية‏,‏ وكلما اتسعت مساحة الحرية أكدت علي حضور هذا الفن الساخر‏,‏ المضحك والمحزن في آن‏,‏ فمصر التي عرفت بهذا الوجود الحر من خلال مطبوعتي روز اليوسف وصباح الخير‏,‏ شكلت مدرسة للعديد من الرسامين اللبنانيين‏,‏ الذين يحتلون المرتبة الثانية بعد المصريين‏.‏
ويواصل مشعلاني‏:‏ يظن البعض أن في لبنان حرية واسعة لكنهم لا يعرفون أنها ملغومة‏,‏ وأحيانا مشبوهة‏,‏ لذا تراجع هذا الفن في بيروت‏,‏ ليتألق في أماكن أخري كان محظورا فيها‏,‏ مثل دول الخليج العربي‏,‏ التي تشهد نهضة فنية في هذا الإطار‏.‏
والكاريكاتير ـ في رأي مشعلاني ـ هو فلسفة الرسم‏,‏ ودليله علي ذلك أن هناك العديد من التشكيليين في مختلف أنحاء العالم‏,‏ لكننا لا نقع إلا علي عدد قليل من رسامي الكاريكاتير‏,‏ الذين يجيدون أصول هذا الرسم الصعب‏,‏ الذي لا يعلم في معاهد أو جامعات‏,‏ ولا أصول حرفية له سوي الموهبة الإبداعية التي تولد مع الرسام وتتطور بتطور فكرة ونظرته إلي الحياة‏.‏
وعلي عكس ما جاء في مقدمتنا‏,‏ بالإشارة رلي ريادة الفراعنة‏,‏ يري مشعلاني أن فن الكاريكاتير حديث النشأة‏,‏ بدأ بالظهور منذ حوالي‏400‏ سنة مع الفنانين مايكل أنجلو وليوناردو دافنشي‏,‏ اللذين حاولا التطرق إلي هذا الفن‏,‏ ولم ينجحا‏,‏ وبيكاسو كانت له محاولات تجريبية‏,‏ ولم يخرج منها إلا بأشكال المربعات‏,‏ التي عرفناها‏,‏ وصعوبة هذا الفن ليست في تصوير الخطوط‏,‏ بل في أن يكون لدي الفنان فكر سياسي‏,‏ والكثير من الرسامين في لبنان يحتاجون إلي من يلقنهم الأفكار حتي يرسموها‏.‏
وينتمي مشعلاني إلي الجيل الأول الذي بدأ الرسم في الستينيات ويتوقف عن الحرب الأهلية اللبنانية‏,‏ التي وضعت البنادق والمتاريس في صدر ورأس الرسام‏,‏ فصار عليه أن يخلق رقابة ذاتية علي نفسه‏,‏ مما حد من حرية القول والتعبير‏,‏ وبعد الحربة استمرت هذه الأجواء‏,‏ وحسب مشعلاني فإنه ليست كل الشخصيات السياسية تقبل بما يقدمه الرسام من كاريكاتير‏,‏ مما جعله مكبلا‏.‏
ويتذكر مشعلاني حقبة رئيس الجمهورية السابق إلياس الهراوي الذي كان شخصا منفتحا‏,‏ يقبل الانتقاد‏,‏ علي عكس سلفه الذي يبدو متجهما‏,‏ رافضا لمثل هذا الفن‏,‏ وفي بيروت ـ يقول مشعلاني ـ تنقصنا الحرية الحقيقية لأن هناك حدودا ومناطق ممنوع تجاوزها‏,‏ وحساسيات لا يمكن التطرق إليها‏,‏ ومازالت هناك شخصيات سياسية لا يمكن الاقتراب من شكلها وأدائها وأعمالها‏.‏
أما عن طغيان الصورة الصحفية علي الرسم الكاريكاتوري فهذا يعزوه مشعلاني إلي أن الصورة صارت هي المادة الإعلامية بامتياز‏,‏ فصورة واحدة عن مدينة تغني عن قراءة مقال‏,‏ فعصر السرعة جعل من الصورة ناطقا حسيا بامتياز بعيدا عن الإسهاب‏,‏ لكنها لم تؤثر علي موقع الكاريكاتير‏,‏ فيمكن أن يؤرخ لمراحل وأحداث تاريخية تماما كما للمقالة والصورة الصحفية لا بل أكثر أحيانا‏,‏ لأنه يتضمن موقف المجتمع من هذه الأحداث‏.‏
المستقبل للإنترنت

إيلي صليبا أد الرسامين الكاريكاتوريين اللبنانيين الشباب وله بصماته في هذا الفن‏,‏ لاسيما من خلال جريدة الديار اللبنانية اليومية والعديد من الصحف العالمية والعربية‏,‏ وأخيرا كان له باع طويل في إعادة تأسيس مطبوعة الدبور الهازئة بعد توقفها عن الصدور في عام‏1975‏ التي تذكر بأيام روزاليوسف‏.‏
صليبا يري أن الأجواء العربية منقسمة في مفهومها للحرية‏,‏ فهناك حرية فيما يختص بالصراع العربي ـ الإسرائيلي‏,‏ لكن تبقي هناك محرمات ممنوع تجاوزها والتطرق إليها في داخل البلدان العربية‏,‏ وهو شأن يعرفه كل مواطن عربي‏,‏ فليست كل الشخصيات العربية تتقبل التطرق إلي مواضيع معينة تطال سياستها أو أفكارها‏,‏ وأداءها‏,‏ مما يضع الرسام في حالة بحث عن رموز وشخصيات حتي يوصل أفكاره‏,‏ وهذا يعتبر عبئا علي الرسام ويحد من إبداعه‏.‏
ففي لبنان ومصر لا يوجد مثل هذه المشكلة‏,‏ حيث هامش التعبير والحرية واسع‏,‏ أما في البلدان العربية الأخري فإمكانية التعبير محكومة بالعديد من القيود‏.‏
أما بالنسبة إلي الحرية المرتبطة بشكل وثيق بفن الكاريكاتير فهي محكومة أولا وأخيرا بسياسة المطبوعة أو الصحيفة نفسها‏,‏ بحيث إن بعض أصحاب هذه الصحف يكونون علي علاقة وطيدة وشخصية بوجوه سياسية معروفة وذات طموحات سياسية معينة‏,‏ ولايقبلون بنهج كاريكاتوري معين قد يطال انتماءهم السياسي وقد يضر بمصالحهم فيمنعون الكاريكاتوريين من أداء دورهم‏,‏ وهنا تدخل السياسة المطبوخة في الرسم الكاريكاتيري‏,‏ مما تفقده معناه الحقيقي‏,‏ وتحد من أفقه‏,‏ وفي المقابل هناك صحف لا تباع ولا تشتري وقراراتها ذاتية‏,‏ وبالتالي تكون الحرية مطلقة لديها والرسام الكاريكاتيري يستطيع أن يعبر عما يجول في فكره‏.‏
واليوم الإنترنت فتحت باب الحرية علي مصراعيه‏,‏ فصار الرسام يستطيع أن يعبر عن كل ما يريد دون أن يطاله أحد وبالتالي يصل إلي أرجاء العالم جميعا‏,‏ ويصبح رساما عالميا يخص كل مواطن في أي بلد كان‏,‏ الإنترنت خدمت فنان الكاريكاتير بشكل مباشر وكبير‏,‏ وجعلته ملك نفسه لا يتحكم فيه أحد‏,‏ لكن يبقي أن الكاريكاتير في الإنترنت يجب أن يكون موضوعه علي صلة بالعالمية‏,‏ حتي يفهمه أي فرد في العالم‏,‏ ونحن في البلدان العربية أكثر ما نحتاج إلي هذه الخصوصية والحرية المحلية لأن الكاريكاتيري أولا وأخيرا ابن مجتمعه ويجب أن يكون تأثيره ضمن مجتمعه يعالج مشاكله الخاصة قبل أن ينطلق لمعالجة الشئون الدولية الكبيرة‏.‏
والإنترنت سيف ذو حدين‏,‏ فهناك بعض الرسامين الذين استفادوا من هذه التقنية الجديدة وصارت رسوماتهم متطورة ونقية ونظيفة‏,‏ وأنا منهم والبعض الآخر يبقون في منأي عن هذا التطور الذي يجعلهم أقرب إلي مدارك العالمية‏.‏
وتأثير الكاريكاتير محكوم بموهبة الفنان نفسه‏,‏ وهو فن صعب جدا‏,‏ وإحصائيا يمكن أن نقول إن بين كل مليون شخص هناك كاريكاتوري واحد يعبر عن هذا المليون‏,‏ ففي لبنان هناك أربعة رسامين فقط‏,‏ فرسام واحد موهوب يمكن معه الاستغناء عن مليون صورة صحفية ومقال صحفي ونحن اليوم نحتاج إلي مثل وجود هؤلاء النوابغ ونعطيهم الحرية في التعبير‏,‏ فهناك بعض الرسامين الذين لديهم ملكة الخط‏,‏ لكنهم يفتقدون الأفكار والبعض لديه الفكرة ويفتقر إلي لغة التعبير الصارخة والمؤثرة‏,‏ وهذا يعود إلي مكانة الجريدة وأفكارها‏,‏ فهي التي تستطيع وحدها أن تحدد المواهب‏,‏ تطلقها أو تحدها‏,‏ وتعمل علي تطوير الفنان الكاريكاتوري لديها‏,‏ وهذا أقوله عن خبرة لأن العديد من الصحف تضع خطوطا وتقول للرسام ممنوع تجاوزها‏,‏ وهنا كيف يمكن لي أن أفكر وأعمل وأرسم‏.‏
فالكاريكاتير ليس مجرد رسمة لتزيين الصفحات‏,‏ بل هو فكرة عميقة جارحة وهازئة ومعلمة وناقدة واليوم مع تراجع الصحافة الورقية صار هناك خوف علي الكاريكاتير‏,‏ فالعالم ما عاد يقرأ الصحف التي تأتي بالأخبار المبيتة‏24‏ ساعة‏,‏ في حين يتعرف عليها طازجة وساخنة من خلال الفضائية التي تعطيه الأخبار لحظة بلحظة من خلال محطات كالـ‏C.N.N‏ والجزيرة من هنا أنا ما عدت متفائلا بموقع الكاريكاتير الذي يتراجع مع تراجع الكلمة المكتوبة وخلال السنوات التالية سيكون التراجع أكبر وعلي الرسامين الكاريكاتوريين أن يؤسسوا لحضورهم من خلال الفضائية والإنترنت‏,‏ وهذا سيضعهم في حالة تجريب لأن تكون أفكارهم ذات طابع عالمي بعيد عن المحلية‏,‏ ولابد من وجودهم في إطار محلي‏,‏ فهذا يحتاج إلي وجود مطبوعات كاريكاتورية خالصة تصور المجتمع وتعريه من عيوبه وأخطائه كما هو اليوم في مجلة الدبور اللاذعة التي أعدنا تأسيسها بعد توقفها الطويل‏,‏ وهي المجلة الكاريكاتورية التي رافقت كل الاحتلالات الأجنبية والانتدابات والاستقلال الذي عرفه لبنان‏,‏ عدنا إليها اليوم لنقول كلمتنا دون خوف عسي ألا ترفع القضايا ضدنا‏,‏ واليوم هناك خمس دعاوي قضائية ضدي أتمني ألا أدخل من خلال أية واحدة منها السجن‏.‏
يشبه الكاريكاتير

ومن لبنان إلي مصر نذكر أن محيي الدين اللباد في كتابه نظر‏2‏ وخلال استعرض سريع لمراحل تمصير الكاريكاتير‏,‏ يكتب‏:‏ وبانحسار المد الوطني‏,‏ وبتغير الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية‏,‏ وبتبدل الأهداف والأعداء‏,‏ وبتفرق أساتذة مدرسة صباح الخير ـ جاهين ووفاة بعضهم فإن ما يبقي من تلك المدرسة العظيمة في الكاريكاتير المصري هومجرد بقايا قد فرغت من الوعي الاجتماعي ـ السياسي‏,‏ والانحياز للشعب وللوطن‏..‏ إنه شيء يشبه الكاريكاتير‏,‏ لكنه ليس هو‏.‏
ربما لا تبدو الصورة مظلمة علي هذا النحو‏,‏ فالكاريكاتير مازال فن المواجهة‏,‏ خاصة في الصراع العربي ـ الإسرائيلي‏,‏ الأمر الذي دعا مساعد وزير الخارجية الأمريكي يبدي ملاحظاته للرئيس مبارك‏.‏ أثناء زيارته الأخيرة إلي أمريكا‏,‏ حول أداء الصحافة المصرية المعادي لإسرائيل‏,‏ خاصة في مجال الكاريكاتير‏.‏
فما الذي يحدث؟‏!‏ الفنان جمعة فرحات يشير إلي أنه في ظل أزمة الحرية ـ كما يقولون ـ كان الكاريكاتير فنا مزدهرا‏,‏ فالثورة كانت تري أن السياسة معناها ألا أنتقد مسئولا‏,‏ وفيما عدا ذلك فلا توجد خطوط حمراء‏,‏ وهذا مفهوم قاصر‏,‏ فكل ما يتعرض له الكاريكاتير سياسة‏,‏ وهو ينقسم إلي ضاحك أو سياسي‏,‏ أما تصنيفه إلي اجتماعي واقتصادي‏..‏ إلخ فهذا ليس صحيحا‏.‏
والقضايا الاجتماعية التي طرحتها مجلة صباح الخير كانت في غاية الأهمية‏,‏ اليوم تخلف المجتمع المصري‏,‏ وأصبح لا يسمح بمناقشة هذه القضايا‏,‏ فرئيس التحرير يريد أن يرضي الحاكم والمجتمع‏,‏ بتنفيذه تعليمات غير مكتوبة‏,‏ وهذا ما يقف في وجه حريتي‏,‏ فعندما كان صلاح جاهين يرسم نادي العراة لم يعترض أحد‏,‏ اليوم لا تستطيع أن ترسم رجل دين‏,‏ في الخمسينيات كان عبدالسميع يرسم الشيخ متلوف وهو يعاكس النساء‏,‏ وفي الثلاثينيات كانت رسومات روز اليوسف ـ أحيانا ـ ضد شيخ الأزهر والبابا‏,‏ حتي القضاء المصري رسمه الفنان‏.‏
‏*‏ هل تتحسر علي هذا الزمن الآن‏,‏ وقد كان الرقيب جزءا من تركيبته؟
كان الرقيب يحدد الممنوعات وعلي هذا الأساس يفكر الرسام‏,‏ أما رئيس التحرير الآن فقد أخذ يوسع دائرة المنع‏,‏ الوحيد الذي يمتلك مساحة حرية كبيرة هو مصطفي حسين‏..‏ من أين له هذه الحرية؟ ولماذا؟ وفي ظل هذا التقييد اعتزل كثير من الرسامين‏,‏ ومات من مات‏,‏ ومناخ روز اليوسف لا يمكن إعادته‏,‏ فالمجموعة التي عملت بها كانت متقاربة في السن‏,‏ وباستمرار كانت بها طفرة شبابية ونوع من التواصل بين الأجيال‏,‏ لدرجة أن عددنا بها وصل ـ يوما ـ إلي‏14‏ رساما‏,‏ دار الهلال العريقة‏,‏ التي ضمت بهجت وعبدالسميع والبطراوي‏,‏ لم يعد بها رسام واحد‏,‏ الأهرام المسائي لا يوجد بها رسام كاريكاتير واحد‏,‏ وطوغان كقيمة كبري لا يصح التعامل معه علي هذا النحو‏.‏
ويؤكد جمعة أن الكاريكاتير هو فن اللمسة الإنسانية‏,‏ وأهم ما فيه الفكرة‏,‏ والرسم ليس إلا وسيلة لتوصيلها‏,‏ فهو جيد بمدي نجاحه في توصيل الفكرة‏,‏ وهذا ما تتحكم فيه شخصية الفنان‏.‏
ولابد أن يكون لدي الفنان رصيد ثقافي‏,‏ فالثقافة هي العمود الفقري للرسام‏,‏ وهي لا تأتي بين يوم وليلة‏,‏ ولا يمكن أن أحاسب الشباب بمقاييسي‏,‏ فلديهم الإنترنت يرون من خلالها‏200‏ رسمة أسبوعيا‏.‏
ويواصل‏..‏ الكاريكاتير متقدم في العالم العربي عنه في مصر‏,‏ رغم أن القيادات الصحفية هناك ليست أفضل حالا‏,‏ لكن لديهم مساحة هائلة لمع من خلالها فرزات ـ في سوريا ـ ومازال يرسم ما كان سائدا في أوروبا الشرقية‏,‏ وهذا ما يفعله العراقيون أيضا‏,‏ لكن فرزات طور الكاريكاتير الميتافيزيقي‏,‏ وهناك محمود كحيل‏,‏ لكنه يعالج قضايانا من خلال وجوده خارج العالم العربي‏.‏
وبالطبع لم يذكر جمعة اسمي العراقيين مؤيد نعمة وعبدالرحيم ياسر‏,‏ اللذين غابت عنا رسوماتهما‏,‏ لأسباب لا نعرفها‏,‏ كما فاته امتلاك رؤية اللباد حين قال‏:‏ أصبحت قلوبنا وعقولنا لا تتحرك مع كثير من رسومات لرسامين متأنقين يسكنون عواصم أوروبية‏,‏ رسوم طبعت بالألوان علي ورق لامع فاخر‏,‏ بأحدث وسائل الطباعة التي يضبطها الإلكترون والليزر‏,‏ وهذا الكلام جاء في معرض مقال عنوانه فضائح كاريكاتورية يرصد فيه مجموعة سرقات للفنان اللبناني محمود كحيل ـ المقيم في لندن ـ من رسامين أجانب‏.‏
وفي الاتجاه ذاته يؤكد الفنان محسن جابر أن الكاريكاتير يحتاج إلي حرية مضاعفة‏,‏ لأنه فن مباشر‏,‏ لا يخضع لعمليات التطويل أو اللف والدوران‏,‏ مثل الكتابة التي تجعلك في حاجة إلي صفحتين لإعلان رأيك أما الكاريكاتير فعبارة عن مشهد‏,‏ ينفذ علي الورق‏,‏ مصحوبا بجملة أو جملتين‏,‏ وأحيانا بدون كلام‏.‏
والحرية في الستينيات كانت تختلف عما قبلها‏,‏ فقبل الثورة كان الكاريكاتير مزدهرا جدا دون الدخول في تفاصيل‏,‏ لكن ما يهمنا هو أن أزمة مارس‏1954‏ جعلت الساحة تشهد صداما وتحولا في حرية التعبير‏,‏ فخضعت الصحف للرقابة الشديدة وللنظام الثوري‏,‏ وفقدت ما كانت عليه من استقلال قبل الثورة‏,‏ والآن حتي بعد زوال الرقيب قننت المسائل وخضعت لمسئوليات رئيس التحرير تبعا لقوانين الصحافة‏..‏ حتي أن ريشة جيل الرواد افتقدت سخونتها بعد الثورة وظهر الجيل الجديد‏,‏ الذي بدا متوائما ـ نفسيا ـ مع النظام لأن الشعب كان يراه نظاما وطنيا‏,‏ ولم يكن هناك تناقض بين الرسامين والمثقفين والنظام القائم بل كانوا يعتبرون جزءا من المشاركة في التغيير فظهرت أساليب جديدة عن طريق البهجوري وحجازي وجاهين والليثي وإيهاب وناجي واللباد‏,‏ هؤلاء رسموا في مناخ تفاؤلي‏,‏ ولم يكن القاريء يريد من الرسام أن يسخر من الحكومة‏,‏ وكان الفنانون متوائمين مع رؤساء التحرير‏,‏ يتضامنون معهم في وجه الرقباء‏,‏ لكن بعد‏67‏ تكشفت أشياء كثيرة‏,‏ ظهر جيل لم يكن يكره الثورة‏,‏ ولكنه رأي قصورا في السياسة الداخلية علي المستوي الاجتماعي‏.‏
وهل تدخل الوسائط التكنولوجية كجزء من معوقات ازدهار هذا الفن؟
يجيب محسن جابر‏:‏ المفترض أن تخدم الإنترنت الكاريكاتير‏,‏ لا أن تجعله يفقد قيمته‏,‏ فالكمبيوتر يساعده في التكوين الجيد وحفظ الرسومات‏,‏ إضافة إلي أنه يجعلك تنشر شغلك في أي مكان‏,‏ ومن المفترض أن ترفع الإنترنت من مستوي الرسامين لأنهم يرون كل رسومات فناني العالم‏.‏
ويضيف محسن جابر إلي أسباب التراجع جديدا حين يقول‏:‏ كثير من الصحف يتساوي فيها الجيد والرديء‏,‏ وهي تخضع لباب أن ما هو موجود قد احتل مكانه‏,‏ وبالتالي يمنع صعود أي جديد‏,‏ وفي غياب التقييم الحقيقي وتبني المواهب‏,‏ تظل الإمكانات المتواضعة هي السائدة ويتأخر ظهور الموهوبين‏,‏ قديما كانت الفرصة متاحة للجميع‏,‏ وكان الرواد بمثابة مدارس داخل المؤسسات الصحفية‏,‏ الآن تراجعت صباح الخير وروز اليوسف ودخلت المجلتان في السباق مع الصحف للاهتمام بالصورة فتقلص دور الكاريكاتير‏,‏ ولم يعد يعامل كفن مستقل‏.‏
قلة أدب‏!‏

من النقطة ذاتها ينطلق الفنان محمد حاكم‏..‏ فالكاريكاتير تحول إلي تابع إلي آخر‏,‏ قد يكون مقالا أو مساحة فارغة يريدون ملأها‏,‏ لقد سلب المسئولون عن الصحافة الكاريكاتير استقلاليته كفن‏,‏ لا يختلف عن المقال أو القصة أو القصيدة‏,‏ وأصبحت وظيفة الفنان لديهم أن يكتفي برسم النكتة‏,‏ وبذلك منعوه من أن يكون سلاحا يسخر من أوضاع فاسدة‏,‏ فالرقيب القديم الذي كان يجلس بمكتب خاص به في الجريدة أصبح الآن اسمه رئيس التحرير وبإمكانه أن يتخذ مواقف تعسفية‏,‏ وبالتدريج يضطرك لأن ترسم‏,‏ وفي ذهنك محاذير عديدة‏,‏ سيقول لك لا توجد معايير محددة‏,‏ لكنه في النهاية مرتبط بفكرة بعيدة عنك‏,‏ فلديه مصلحة ما يقيس علي أساسها شغلك‏.‏
وحاكم ضد سيطرة الآلة علي الإنسان‏,‏ خاصة في الفن‏,‏ وحسبما يقول فالكمبيوتر يبعدك عن التفكير الحر‏,‏ لأنك تصبح أسيرا له‏,‏ ولا يعطيك فرصة أن تكون حرا‏,‏ فالحرية تنبع من داخلك‏,‏ بمعني أنك أنت الذي تفكر وتغير الأشكال لتناسب الوضع الذي تتهيأ له‏.‏
أما الفنان طه حسين‏,‏ فيسبح ضد التيارحين يشير إلي أن البعض يعود بالأزمة إلي المناخ السياسي وهامش الحرية المتاح‏,‏ وهذا وهم‏,‏ لأن الحرية موجودة في كل زمان‏,‏ وهي تتوقف علي قدرة من يتحمل تبعات ممارسة الحرية‏,‏ ويتجاهل هذا البعض قضية الاحتضان فمنذ‏50‏ عاما كانت مساحة الحب بين الفنانين كبيرة‏,‏ وكان العطاء بلا مقابل‏.‏
المناخ الحالي أصبح أكثر تعقيدا‏,‏ فأمثال حسن فؤاد ليسوا موجودين‏,‏ كنموذج‏,‏ هذا الرجل كانت مهمته في الحياة اكتشاف الفنان واحتضانه‏,‏ وأيضا هناك غياب عقليات علي غرار أحمد بهاء الدين‏,‏ انعدم هذا الدور وتلك الفرحة بميلاد فنان‏,‏ ومعظم الذين يتباكون علي وضع الكاريكاتير هم المدانون‏.‏
ولأنه قضي في السجن سبعة أشهر بسبب رسوماته‏,‏ فلابد أن يأتي رأيه مختلفا إلي حد ما‏,‏ فـ عصام حنفي كان يستمد من صمود بهجت عثمان قوة في سجنه‏,‏ حتي إنه وضع ضمن وثائق دفاعه رسوم عبدالسميع عن مصطفي النحاس والملك‏,‏ ليري الجميع كيف كان رأس السلطة في البلاد يهاجم دون أن يدرج أحد هذه الرسومات تحت بند السب والقذف‏.‏
الكاريكاتير الآن ـ يقول عصام حنفي ـ يعامل معاملة المواد المتفجرة‏,‏ وما نراه من انحسار له عملية مقصودة‏,‏ لأنهم يدركون جيدا أنه ترمومتر لقياس الحريات‏,‏ فالأحكام تجرم هذا الفن في الفترة الأخيرة‏,‏ وفي ظل قوانين النشر تحول رئيس التحرير إلي رقيب‏,‏ ودون معيار محدد‏,‏ ففي سنة‏1986‏ كنا نهاجم زكي بدر ـ وزير الداخلية ـ بدون مشكلات‏,‏ الآن لا نستطيع تناول وزير الزراعة مثلا‏,‏ صرنا نترحم علي أيام الستينيات ـ يواصل حنفي ـ فأقصي ما كان يمكن فعله هو نقل الصحفيين إلي الهيئة العامة للاستعلامات أو باتا‏,‏ اليوم يرمون في الشوارع‏,‏ ويضربون عن الطعام‏,‏ دون أن يسأل عنهم أحد‏.‏
وفي العصر الذي يصفونه بالشمولي‏,‏ سجن الرسام زهدي بسبب انتمائه السياسي‏,‏ لا بسبب رسمه‏,‏ ومع ذلك كانت حرية الإبداع مصونة‏,‏ أنا سجنت بسبب رسمي‏,‏ فمهنتي في نظر المسئولين قلة أدب‏,‏ الآن يمكن أن نقارن بدولة مثل بنما تحاكم الرسامين‏,‏ أو تقتلهم‏,‏ كما في الهند ويذكر حنفي‏:‏ الكاريكاتير فن مقاتل‏,‏ يحدد مكان الفنان في المعارك التي يخوضها‏,‏ ويمثل حجازي ـ بهجت ـ الليثي مرحلة الدفع الرئيسية‏,‏ فهذا الجيل بمواقفه الوطنية وخطوطه‏,‏ دفع ثمن التزامه‏,‏ فمنهم من اضطر إلي الهجرة خارج مصر ومنهم من أحبطه الواقع‏,‏ لكنهم تركوا لنا تجارب تعطينا القدرة علي الاستمرار والصعود‏,‏ ولا ننسي أن ناجي العلي أول شهيد قدمه الكاريكاتير في ساحة حرية التعبير‏,‏ كما أن مدرسة روز اليوسف أفرزت نموذج الرسام الذي يعتمد علي خطوطه وأفكاره علي عكس المدارس التي تعتمد علي اثنين‏:‏ أحدهما يرسم والآخر يفكر‏,‏ وكأن الرسام مجرد ناقل أفكار الغير‏,‏ ولا يعبر عن نفسه‏.‏
‏*‏ ولكن لماذا تقلص دور الكاريكاتير؟
يجيب عصام حنفي‏:‏ نتيجة الفزع القانوني الذي نعانيه‏,‏ والذي غلب منطق أن الكاريكاتير نكتة‏,‏ في حين أنه يعبر عن أحداث مؤسفة ومحزنة جدا‏,‏ وتضاؤل مساحته في الصحف جزء من أزمة الصحافة غير القادرة علي استيعاب الرسامين الجادين‏,‏ فالصحيفة هي معرض الفنان‏,‏ وإذا كانت لا تتلقي الآن إبداع الأساتذة فهل تقبل إنتاج تلاميذهم؟
ولا يفوت حنفي الإشارة إلي أن بعض الفضائيات العربية تعرض برامج كاريكاتير جيدة‏,‏ بينما تمسخ هذا الفن القنوات المصرية بتحويله إلي نكته‏,‏ وهنا يأتي التأثير السلبي‏,‏ حين تصور الرسام وكأن همه الأساسي البحث عن نكتة‏.‏
كانوا يسارا

ويعود الفنان سعد الدين شحاتة إلي خسمينيات وستينيات القرن الماضي فيري أنه رغم يمينية النظام السياسي إلا أن رموز الثقافة كانوا يسارا وفي هذا المناخ ظهر الجيل المؤسس لمدرسة روز اليوسف‏,‏ وبرغم أن الطريق لم تكن ممهدة أمامهم إلا أنهم أنتجوا أعمالا فذة‏,‏ فـ صلاح جاهين لم يكن يرسم كاريكاتيرا سياسيا صريحا في الأهرام غير أنه كان يحمل رسوماته الاجتماعية أبعادا سياسية غير ظاهرة‏,‏ وهذا ما وثق العلاقة بينه وبين القاريء‏,‏ ويؤكد سعد الدين أن المشكلة ليست في مساحة الديمقراطية‏,‏ بل في مساحة الموهبة‏.‏
ويستشهد سعد الدين بمقولة بريخت‏:‏ مهمة الفنان ليست في تفسير العالم‏..‏ بل في تغييره وبرأي بيكاسو أن الفنان مخلوق سياسي‏,‏ ويذكر أنه كرسام أمام خيارين‏:‏ أن يرسم ما يراه منسجما مع الواقع والحقيقة‏,‏ فتتعرض أفكاره للرفض‏..‏ أو يؤثر السلامة ويخضع القدم لمقاس الحذاء‏,‏ لكنه ـ سعد الدين ـ يقر بأن المطلق الذي يحلم به رسامو الكاريكاتير في العالم لا يوجد في الواقع فالرسام الفرنسي المشاغب بلانتون سجن عاما لأن رسومه الجريئة تجاوزت السقف المسموح به‏,‏ فالحرية في النهاية نسبية تمنح وتمنع حسب الظرف السياسي والاجتماعي‏.‏
ويقول سعد الدين‏:‏ المشكلة لم تعد في إحكام الرقابة فقط لكننا كرسامين أصبح في رأس كل منا رقيب داخلي‏,‏ وهناك صحف عربية لا تعترف بالكاريكاتير علي الإطلاق‏,‏ وفي بعضها مطلوب من الفنان ألا يطرح الأسئلة الصعبة‏,‏ بل أن يظل مطيعا‏,‏ ينفذ ما يطلب منه دون زيادة أو نقصان‏.‏
وينفي إبراهيم الوهيبي ـ شيخ رسامي الكاريكاتير في السعودية ـ أن يكون فن
الكاريكاتير في مأزق سيادة عصر الصورة والفضائيات ويقول‏:‏ بالعكس قد يكون وجود
الفضائيات إضافة لمساحة أوسع من الاطلاع والمتابعة لكل أحداث العالم في نفس الوقت
والمكان لذلك أري أن من الخطأ أن نعتبر ذلك مأزقا لفن الكاريكاتير بقدر ما
أعتبره مساندا دائما له بل وبحسب استخدام المؤثرات الإلكترونية تكون الفائدة
لذلك الفن بالرغم من أنني مازلت أفضل استخدام الريشة للانسيابية التي تبدعها
يد الفنان نفسه بدون مساعدة الكمبيوتر التي قد تكون أحيانا إضافة سيئة وأحيانا
اصطناعية لفنان أعرج القدرة الفنية كما إنني لا أري أن الكاريكاتير في تراجع
ولكنه أصبح يفتقد ذلك الألق الذي تحلي به الكاريكاتير في الخمسينيات والستينيات
ومن ناحية اتساع الهامش الديمقراطي فمن المؤكد أن الفنان المتمكن يستطيع الإبداع
حتي في ظل انحسار ذلك الهامش فكيف به إذا أعطي هامش أكبر من المؤكد أن إبداعه سيتنامي ولا أنسي دور الصحافة في الخمسينات والستينيات وإيمان
المسئولين فيها بأهمية الكاريكاتير وشمولية وصوله للجميع وقوة تأثيره
والتفاعل الشعبي معه كونه يخاطبه بلهجته البسيطة ويلامس همومه اليومية وهذا
الإيمان من مسئولي الدور الصحفية خلق أسماء لامعة مازالت أعمالهم تحتفظ بنفس
البهاء والجمال بالرغم من مرور كل هذه السنوات‏.‏
وما زالت الصحف تمنح المساحات للكاريكاتير ولكن الرسام هو
الذي يعطي الفرصة لتلك الصحف بتضييق المساحة كونه يسبح في عالم بعيد عن هموم
الناس المعنيين بوجوده لذلك فابتعاد الفنان عن مهمته الأساسية يحجم من قيمته
وتكون الفوتوغرافيا أو الإعلان ـ فرق ـ هي الحل الأمثل لتهميش الكاريكاتير وتقليص
مساحته غير أن الأزمة تعود بالأساس إلي المعوقات الرقابية رغم قناعتي أن
الفنان المتمكن يستطيع تجاوز تلك المعوقات الرقابية ولكن وجود الهاجس الرقابي
في ذهن الفنان يشكل المعوق الأكثر حدا من إبداعه فمن خلال خوفه من لمس أي ممنوع
في طروحاته يجعله يمارس مناقشة القضايا بشكل أكثر محدودية وأقل تحررا وهذا
كفيل بإضعاف أدائه مستوي الفكرة لديه‏.‏
أنصاف المواهب

وفي قطر استطاع الفنان سلمان المالكي أن يجعل القراء يترقبون رسوماته كل صباح بصحيفة الوطن‏,‏ وقبلها الراية وهو لا يؤمن بأن هناك تراجعا أصاب فن الكاريكاتير‏,‏ لكنه يأسف لعدم ظهور أسماء جديدة‏,‏ تفرض حضورها‏,‏ وتعلن انتماءها إلي هذا الفن‏,‏ ويري المالكي أن تعبير هامش الحرية مطاطي‏,‏ فهو أشبه بالأواني المستطرقة أو الميزان المائي يمكن أن يتدفق في مكان وينحسر في آخر‏,‏ فليس ثمة معيار أو مقياس لهامش الحرية المتاح‏,‏ والأمر في حاجة إلي نظام مؤسساتي حتي يضمن استقرار هذا الهامش‏.‏
وماذا عن الهامش المتاح للمالكي في قطر؟ يقول‏:‏ خلال السنوات الثلاث المنصرمة لم يمنع لي رسم كاريكاتيري علي الرغم من أن بعضه شائك‏,‏ وبعضه الآخر يخضعني للمساءلة‏,‏ غير أنني لدي حنين إلي الزمن الذي كان فيه سيف الرقابة مسلطا علي رقبة الصحافة‏,‏ لأنني في هذا الزمن ـ قبل أربع سنوات ـ كنت أستمتع بالتحايل علي الرقيب‏,‏ ونجحت في تمرير رسوماتي‏,‏ الآن أنا المسئول عن أعمالي‏,‏ ويتعين علي أن أحترم ذكاء المتلقي وفي الوقت ذاته لا أستغل الهامش المتاح من الحرية في التجريح‏,‏ أو أن أكون بوقا للسلطة‏,‏ أو ريشة رئيس التحرير‏,‏ بل أنشر ما يعكس قناعاتي ورأيي ويري المالكي أنه من الطبيعي أن تستحوذ الصورة الفوتوغرافية علي‏99%‏ من مساحة الصور في المطبوعة‏,‏ لكن هذا لا يمنع من أن الكاريكاتير رغم ضآلة مساحته يشكل عنصرا أكثر إثارة من الصورة‏,‏ فهو يظل عالقا بالذاكرة‏,‏ بينما الصورة سرعان ما تتلاشي‏,‏ فالكاريكاتير ينطوي علي رأي‏,‏ وفي أحيان كثيرة يكون عاملا تحريضيا أو استفزازيا‏.‏
ويتعرض المالكي إلي جوانب أخري تضيف إلي الأزمة أبعادا جديدة فهو يؤكد أن ثمة شعورا بالإحباط بات يسيطر علي رموز هذا الفن‏,‏ وحسبما يقول‏:‏ ما يوجع هو أن رواد الكاريكاتير طالهم الإحباط فصلاح جاهين في آخر أيامه فرض علي نفسه العزلة والانطواء‏,‏ والمرء يتساءل‏:‏ أين محيي الدين اللباد وبهجت عثمان وحجازي‏..‏ وغيرهم؟‏!‏ لقد تراجع الرموز‏,‏ وباتوا كالفارس الذي لا يجد أرضا يحارب فوقها‏.‏
وسلمان المالكي لا يريد للكمبيوتر أن يسلب القاريء طزاجة مشاعر الفنان وأحاسيسه الحقيقية‏,‏ لكنه يشير إلي أن الكمبيوتر يساعد الدخلاء علي الكاريكاتير‏,‏ فالأجهزة تتحول إلي قناع لأنصاف الموهوبين‏.‏
وفي النهاية يقرأ المالكي واقع الكاريكاتير في قطر فيري أن التجربة مازالت غيرمؤثرة علي الصعيد العربي‏,‏ ولا يمكن وصفها بالمدرسة إلا أنها جعلت القاريء لا يستسيغ مطبوعة بدون رسم كاريكاتيري‏!‏
ومن الكويت كانت تأتينا رسومات ناجي العلي حاملة للوجع الفلسطيني وللخزي العربي‏,‏ وقد ظلت المؤسسات الصحفية الكويتية تضم عددا من الرسامين العرب حتي فرض العنصر الكويتي نفسه بقوة في شارع الصحافة‏,‏ وضمن هؤلاء جعفر رجب الذي يعتبره الكثيرون فنان الكاريكاتير الأول‏,‏ وتفرد له جريدة الرأي العام كل عدة أسابيع صفحة يقدم خلالها انتقاداته‏.‏
ويؤكد رجب علي عدم وجود استيعاب عربي حقيقي للكاريكاتير مشيرا إلي عدم وجود مجلات متخصصة‏,‏ في حين أن دولة كإيران بها سبع مجلات للكاريكاتير‏,‏ وفي تركيا أربع‏,‏ وهذا يرجع إلي عدم وجود هامش حقيقي من الحرية في بلادنا وإلي وجود رقابة حكومية من جهة واجتماعية من جهة أخري ولهذا بات ذلك الفن حكوميا لا يطال الكبار‏,‏ ولا ينتقد سوي البسطاء‏,‏ فالسياسي يعتقد أن الرسام قد يؤثر علي مركزه إذا انتقده‏,‏ في حين أنه قد يرضي بمقال انتقادي‏.‏ ويتناول وليد الجاسم ـ مدير تحرير جريدة الوطن ـ الحالة الكويتية في هذا السياق فيقول‏:‏ نحن نعاني هاجس رفع الدعاوي القضائية علي الصحف‏,‏ رغم أننا لا نخضع للرقابة الحكومية إلا أنه من حق أي مواطن أن يرفع قضية علي أي صحيفة‏,‏ وأتذكر أننا في عام‏1992‏ بعد المصافحة الشهيرة لياسر عرفات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي والرئيس الأمريكي نشرنا كاريكاتير علي ثمانية أعمدة‏,‏ في الصفحة الأولي‏,‏ قيل إن به خروجا علي تقاليد العمل اليومي والأعراف الاجتماعية لكونه يظر عرفات وقد تنكر لنضال شعبه‏,‏ وكان لهذا الكاريكاتير صدي واسع فبعض القراء قاموا بتعليقه علي الجدران‏,‏ وكثيرون رفعوا ضدنا قضايا‏,‏ دون أن يعوا أن الحدث قد يفرض علينا التحلل شيئا ما من بعض الانضباطات‏,‏ حتي نقدم أعمالا إبداعية جيدة‏,‏ وفي دولة مثل الكويت خرجت من أزمة احتلال وتحررت بفضل الله ومساعدة الأشقاء والأصدقاء‏,‏ ولهذا لا يمكن أن يطال فن الكاريكاتير دولا ساندتنا‏..‏ وهذه هي الخطوط الحمراء‏.‏
ومع ذلك فإن الجاسم يؤكد أن فن الكاريكاتير يزدهر في المجتمعات المحكومة بالديكتاتوريات‏,‏ فالفنان الذكي يستطيع أن يبرز نفسه باستخدام إبداعه‏,‏ بحيث يقفز متحاشيا مقص الرقيب‏.‏
ويؤكد صلاح الساير ـ الكاتب الساخر ـ أن هذا الفن قائم في الأساس علي السخرية‏,‏ وواقعنا بات أكثر سخرية من رأيه رسومات‏,‏ ولهذا مهما اشتد ساعد الفنان فلن يفلح في التغلب علي واقعه الأكثر مرارة‏.‏ ويذكر فيصل القناعي ـ أمين سر جمعية الصحفيين ـ أن البلد الديمقراطي لا يكون الرسام فيه في حاجة إلي استخدام الرمزية في النقد أو التخفي من أجل إيصال فكرته ويدلل علي ذلك بأن هذا الفن رغم ازدهاره في مصر خلال حقبتي الخمسينيات والستينيات إلا أن مبدعيه لجأوا إلي الخارج هروبا من الرقابة‏.‏