
|
كشف حساب الانتفاضة.. وسلطة الاستغلال الذاتي |
 | |
كتب ـ عزمي عبد الوهاب
يعد هذا الكتاب أول دراسة وافية حول الكيان الفلسطيني الذي نتج عن اتفاقيات أوسلو, ذلك الكيان الذي لا نستطيع أن نسميه دولة, والكتاب حصيلة ثلاث سنوات أقامتها لوتيسيا بوكاي في غزة, في مناخ تعاملت فيه مع العديد من المصاعب, فلم يكن سهلا بالنسبة لسيدة فرنسية أن تحظي بقبول في أوساط تتظر إليها بريبة, وإن كانت لديها خبرة خاصة بإتقانها اللغة العربية, وأفادتها أيضا دراستها عن الجزائر خلال سنوات جبهة الإنقاذ الإسلامية. وتتوقف بوكاي أمام التحولات التي تمخض عنها المجتمع الفلسطيني بعد انتفاضة1987 حيث إنها تري في تحويل العنف إلي منتج اجتماعي يتعلق في المقام الأول بالشباب الذي تحاول سلطات الاستغلال الذاتي كسبه إلي صفوفها بتوفير فرص عمل لبعضهم بتوظيفهم في الشرطة, ليفرضوا رقابتهم علي غيرهم من الشباب ولكن المسألة أيضا ـ حسب تعبير المؤلفة ـ تعني أن السلطات ذاتها تحولت إلي مصد بين الشباب الفلسطيني المعدم في غزة وبين الدولة الإسرائيلية, كما أن العنف القديم الذي مارسته منظمة التحرير الفلسطينية ضد الدولة العبرية تحول ـ في إطار الاستقلال الذاتي ـ إلي احتكار المنظمة للعنف الشرعي لمواجهة الطبقات الخطرة الفلسطينية وحماس, وذلك لحماية إسرائيل. ويدعم وجهة النظر هذه لدي المؤلفة, مادعت إليه حماس في أغسطس1996 عن طريق المنشورات, إلي الوقوف ضد السلطة الفلسطينية علي إثر مواجهات وقعت بين قوات النظام والمدنيين الفلسطينيين متهمة أياها بتنفيذ المهام القذرة التي كلفها بها الإسرائيليون. وفي مايو1994 عشية إعلان الاستقلال الذاتي الفلسطيني في قطاع غزة أطلق شاب عاطل عن العمل في مخيم جباليا التحذير التالي لو اضطهدتنا السلطة الوطنية ولم تحترم الديمقراطية فسنثور عليها وستكون هناك انتفاضة أخري وتحققت النبوءة في سبتمبر2000 غداة زيارة شارون إلي ساحة الحرم القدسي, ولكنها كانت ضد الاتجاه الآخر, وبآليات متطورة عن الانتفاضة التي تفجرت قبل13 عاما, بمبادرة من الطبقات الشعبية وسكان المخيمات الفقيرة, وحولتها الأحزاب السياسية إلي انطلاقة جماعية, وقد فوجيء قادة الخارج في باديء الأمر بحجم الانتفاضة, التي يقودها شباب أعمارهم تتجاوز الثلاثين قليلا. ودفعت الأمور قادة إسرائيل للبحث عن وسيلة لإيقاف الانتفاضة بأي ثمن, وكانت المفاوضات التي دفعت أنصار منظمة التحرير الفلسطينية للحاق بقطار الانتفاضة واحتلوا من جديد الصفوف الأولي بمشاركتهم في محادثات السلام, وبالطبع فقد همش موقف القيادة الجديد دور محركي الهبة. وانتهت المفاوضات, أو تخللتها عودة أكثر من عشرة آلاف فلسطيني إلي غزة, وكان في ذلك إيذان بتفجر أوضاع جديدة, أساسها سلوكيات الوافدين وقيمهم التي تشربوها من مجتمعات الشتات المختلفة, وظهرت خطابات من شباب الداخل تنكر علي هؤلاء الوافدين دينهم ونضالهم, فهم الأكثر غني وقربا من السلطة, وبسببهم تدهورت الأوضاع الاقتصادية. فماذا جري لرءوس الانتفاضة في ظل هذا المناخ؟ لقد تحولوا إلي مرءوسين أو شغلوا وظائف ثانوية فسلطة المنظمة تنبع من قوة الدولة العبرية علي حد تعبير المؤلفة, حتي إن عرفات بالنسبة لبعض أعضاء فتح التابعين للسلطة, وليسوا جزءا من النظام, أشبه بالنار إذا اقتربت منه أكثر مما ينبغي احترقت, وإذا ابتعدت عنه أكثر من اللازم يكون الجو باردا. وتحلل المؤلفة خطب عرفات في المناسبات المختلفة, فهي تكون ذات نزعة إنسانية داعية إلي التصالح مع الإسرائيليين, وهذا ما يهدد بقاءه السياسي وفي مواجهة تعثر عملية السلام تراه يحيي أبطال النضال ضد إسرائيل ويحرص علي ذكر اسم الشيخ أحمد ياسين, ويردد أسماء المدن في الضفة وغزة, ويؤكد علي استحالة التخلي عن القدس, ويحرص كل أسبوع علي الظهور عبر شاشة التليفزيون وهو يصلي الجمعة. وتري المؤلفة أن عرفات بهذا المسلك يحاول أن يبدو خير مدافع عن حقوق الفلسطينيين, ويحرص في الوقت نفسه علي أن تقتصر الوطنية علي العواطف التي يثيرها في خطابه, كما أنه يسعي إلي تحجيم الحمية التي قد يثيرها برنامج حماس الطموح, وهذا التناقض العرفاتي تعززه إسرائيل من آن إلي آخر فـ الشراكة بين السلطة الفلسطينية والدولة العبرية تجعل الإسلاميين خارج المجال, وقد توثق التعاون بين جهازي الاستخبارات الإسرائيلية والفلسطينية لقمع الحركات المضادة لهما, وتقويض الخيار العسكري للحركة الإسلامية, بعد عدة عمليات فدائية داخل إسرائيل, وقد تأكد كلام المؤلفة بالفعل عندما أرشد جهاز عرفات سلطة الاحتلال عن مواقع قذائف الهاون التي تزعج إسرائيل الآن في ثنايا انتفاضة.2000 ورغم الصورة القاتمة التي ترسمها المؤلفة لسلطة الاستقلال الذاتي وللتحولات التي جرت لشباب انتفاضة1987, إلا أنها تذكر:يظل المجلس التشريعي الفلسطيني المؤسسة الرئيسية ذات الطابع الديمقراطي في ظل الحكم الذاتي فهذا المجلس قدم تقريرا حول فساد وزراء منهم نبيل شعث وياسر عبد ربه وسليم الطرفي. وفي النهاية ينبغي ألا نطلب من كاتبة فرنسية أن تكتب عنا حسبما نريد, الكتاب صدرت ترجمته العربية لـحليم طوسون عن دار العالم الثالث بالتعاون مع المركز الفرنسي للثقافة والتعاون العلمي في القاهرة.
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|