أحمد عطية.. حصل علي البراءة ولكنه مجروح جعلوني مجرما.. بالشبهات!
أجري الحديث ـ مجدي الجلاد تصوير ـ موسي محمود
في نفس اللحظة التي نطق فيها القاضي حكمه ببراءة جميع المتهمين في قضية شاطيء المعمورة الشهيرة.. كان رجل الأعمال الإسكندراني أحمد عطية يكتب بخط يده واحدا من أكثر الإعلانات إثارة وغرابة في تاريخ الصحافة المصرية! وفي نفس اليوم الذي نشرت فيه صفحات الحوادث حكم محكمة الجنايات.. نشر الإعلان في الصفحة الأول من جريدة الأهرام بكلمات تبدو كأنها تفتح القضية من جديد.. فقبل الأول من إبريل الحالي كان السؤال: هل يدخل أحمد عطية المتهم رقم11 في القضية السجن مع العشرة الباقين أم يحصلون علي البراءة؟!.. وبعد ساعات قليلة من صدو الحكم ونشر الإعلان بات السؤال: لماذا ينسحب عطية الآن من شاطيء المعمورة, وبالتحديد بعد صدور حكم البراءة.. وماذا يعني هذا الإعلان.. وماذا حدث في كواليس وتفاعلات القضية التي شغلت الناس قبل وأثناء وبعد المحاكمة؟! كان لابد أن نذهب إلي هذا الرجل في الإسكندرية.. فحيثيات حكم البراءة جاءت قاطعة وحاسمة ومثيرة لعلامات الاستفهام وملف القضية ـ تقريبا ـ لا يضم مستندا واحدا ضد المستثمر وباقي المتهمين.. والمحاكم لا تأخذ بالشبهات أو الأقوال المرسلة.. ولم تقتصر مساحات الغموض علي ذلك وإنما أثارت صيغة الإعلان المنشور عقب الحكم مباشرة المزيد من التساؤلات.. ولنقرأ ما جاء فيه تعلن شركة بارادايزإن للاستثمارات السياحية ـ رئيس مجلس إدارتها أحمد عطية ـ أنها قد تنازلت بإرادتها عن عقد استغلال وإدارة الشاطيء الرملي للمعمورة وقامت بتسليمه إلي شركة المعمورة للإسكان والتعمير لاتخاذ ما تراه.. وتبدي الشركة أسفها لرواد المعمورة عن هذا القرار وتشكرهم علي تعاونهم معها في التجربة الرائدة والتي حققت نجاحا مشهودا والتي كانت فقط من أجل التنمية السياحية للإسكندرية وخلق فرص للعمل وتطوير أدوات الجذب السياحي مع رفع مستوي الخدمات لقاطني ورواد المعمورة.. توقيع أحمد عطية ـ رئيس مجلس الإدارة. لم تكن هذه الكلمات هي كي محتوي الإعلان.. فكما كانت كلمة بإرادتها مثيرة للتعجب والاستفهام.. جاءت الاستهلال في أعلي الإعلان وكأنه رسالة أخي تنكأ جرحا في أعماق هذا الرجل.. الكلمات ذاتها ليست في حاجة إلي تفسير وقل إعملوا فسيري اله عملكم ورسوله والمؤمنون صدق الله العظيم. فأي عمل قدمه أحمد عطية؟! وهل رأي الله ذلك ورسوله والمؤمنون؟! * سألت عطية ونحن نجلس في مكتبه في فندق موتربول بالإسكندرية فأجاب بتلقائية وهدوء: هل تسألني عن العدل الإلهي.. أم تسألني عن عامين كاملين من العمل الشاق والاستثمار والإنفاق علي شاطيء المعمورة لتحويله إلي منطقة جذب سياحي بعد سنوات الإهمال.. وفي غمرة العمل والخسائر ظللت طوال هذه الفترة متهما أمام القضاء والرأي العام بدون اتهام واضح أو حتي شبهة جنائية كاملة. * ما معني عبارة بدون اتهام واضح لا سيما أنك مثلت للمحاكمة أمام محكمة الجنايات؟ أنا نفسي مازلت لا أفهم ما حدث.. وكثيرون غيري لم يفهموا.. وأقول لمن يفهم أرجوك قل لي كيف سارت الأمور بهذا المنطق؟ إذن.. فلنفهم معا القصة منذ بدايتها.. وبالتفصيل؟ البداية عام1999 تحديدا عندما وجهت شركة المعمورة للإسكان والتعمير مالكة شاطيء المعمورة الرملي الدعوة للمستثمرين في المجال السياحي لدخول مزايدة لاستغلال الشاطيء وتطويره إيجاره لمدة10 سنوات.. ورغم أنني لا املك خبرة كافية في تشغيل الشواطيء إلا أنني تقدمت مع سبعة مستثمرين آخرين من منطلق رغبة صادقة في تحقيق قفزة نوعية لهذا الشاطيء بعد أن عاني لسنوات طويلة الإهمال.. وفي جلسة الترسية تم ترتيب العروض وفقا للمقابل المالي للاستغلال.. وكنت العرض رقم(2) بقيمة23 مليون جنيه, والعرض الثالث كان16 مليون جنيه ثم8 ملايين.. بينما كان العرض الأول من سيدة تمتلك كافتيريا تافرنا السياحية, وتدعي سامية مصطفي بقيمة35 مليون جنيه. وبالتالي تمت ترسية المشروع عليها لأن الحد الأدني للترسية والذي وضعه مجلس إدارة الشركة سرا حسب القواعد كان20 مليون جنيه.. أي أنني أنا وسامية مصطفي كنا العرضين الوحيدين فوق الحد الأدني.. وفي جلسة الترسية سألنا أعضاء اللجنة هل يريد أحدكم التعلية علي عرض سامية مصطفي.. فأجبنا بصوت واحد لا.. فالمبلغ الذي قدمته كان خياليا ويستحيل تحقيقه من الشاطيء.. وانصرفنا بعد أن قدمنا لها التهنئة. * إذن.. فأين الأزمة بالضبط؟ الأزمة حدثت بعد3 ساعات من الجلسة.. فبعد عودتي فوجئت باتصال من مجلس إدارة الشركة ولجنة الترسية أبلغوني فيه أن سامية مصطفي اعتذرت ولم تدفع الدفعة الأولي المنصوص عليها في شروط المزايدة(200) ألف جنيه.. وقالوا إنها لن تستطع الاستمرار في المشروع.. فقلت وما المطلوب مني الآن؟! فأجابوا المطلوب أن تتفضل عندنا وتدفع التأمين والدفعة الأولي باعتبارك العرض الثاني بعد السيدة المعتذرة قلت ببساطة وهو كذلك.. ورجعت إلي اللجنة ودفعت ثم انصرفت. وأضاف أحمد عطية وهو يلوح بيده في الهواء ثم يستقر في مقعده مندهشا: فيها حاجة دي؟! * قلت: أنا الذي أسألك؟ قال: اسمع.. ما حدث بعد ذلك كان خارج التصور.. يكفي أن أقول إن قرار اتهامي في القضية كان بالحرف الواحد إن أحمد عطية تعاقد مع شركة المعمورة رغم أنه يعلم أنه ليس أفضل الأسعار.. فهل هذه هي جريمتي؟! وأي منطق يقول ذلك؟!.. فالعرض الأول اعتذرت صاحبته ولم تسدد المبلغ الفوري رغم علمنا جميعا بأن جلسة المزايدة يجب أن تحضرها بشيكات مقبولة الدفع بـ200 ألف جنيه. وبعد الجلسة عدت إلي منزلي واتصلوا بي بعد تأكدهم من عدم جديتها باعتباري العرض الثاني.. فأين التهمة إذن؟! * يقولون إن السيدة سامية مصطفي تظلمت بعد ذلك.. مما يشير إلي أنها كانت تريد الاستمرار؟ بالنسبة لتظلمها فهذا حقيقي.. أما نية الاستمرار فهذا شيء لا علاقة لي به.. فقد عادت للشركة بعد3 أيام وقالت لهم أريد أن أدفع التأمين فقالوا لها خلاص.. الوقت انتهي طبقا لشروط الترسية.. فقدمت شكوي إلي رئيس المحكمة الإدارية العليا.. وقام المستشار القانوني للمحكمة بدراسة القضية بالكامل, وأصدرت المحكمة قرارا بصحة جميع الإجراءات بالنسبة لطلبي.. وقالت إن السيدة سامية مصطفي تستأجر كافيتريا داخل المعمورة ومدينة للشركة بمليون و400 ألف جنيه علي مدي6 سنوات.. وعليها شيكات مرتدة.. كما أظهرت سوء النية أكثر عندما لم تلتزم بدفع التأمين الخاص بالشاطيء الرملي عند رسو المزايدة عليها ووجه رئيس المحكمة الإدارية مجلس إدارة الشركة إلي أنهم لو أرسوا المزايدة عليها فإن ذلك يعد إهدارا للمال العام.. لأن الأمر ببساطة أن سيدة متعثرة عن سداد إيجار كافيتريا بـ140 ألف جنيه سنويا فكيف ستسدد3 ملايين جنيه في السنة مقابل تشغيل الشاطيء لمدة10 سنوات. * وماذا كان موقفك في أثناء نظر الأمر في المحكمة الإدارية؟ الأمر لم يكن يعنيني من قريب أو بعيد.. فالشكوي والشد والجذب كانت بين السيدة ومجلس الإدارة ولجنة المزايدة.. أما أنا فقد بدأت بالفعل في تصوير الشاطيء وأنفقت الملايين عليه حتي يتحول إلي منطقة جذب للسائحين. * وكيف وصلت القضية إلي نيابة الأموال العامة؟ قبل ذلك.. دخلت القضية المحكمة المدنية التجارية حين رفعت سامية مصطفي دعوي قضائية ضد شركة المعمورة وأيضا لم أكن طرفا فيها.. وحكمت المحكمة الاستئنافية بصحة جميع إجراءات شركة المعمورة وصحة الترسية علي وذلك يوم20/8/2000 وقالت المحكمة في الحيثيات إن السيدة أخلت بشرط المزايدة ولا يمكن الترسية عليها.. إذن فالمحكمة الإدارية ثم الاستئنافية أكد ا صحة كل الإجراءات.. فإذا كان مجلس الإدارة واللجنة مخطئين.. فهل أخطأت المحكمتان؟! ورغم ذلك فلم أكن طرفا في أي قضية أو شكوي. * لماذا تصر علي تكرار عبارة لست طرفا في القضية؟ لأن هذا هو الواقع.. وكل المستندات والتطورات تؤكده. * لكنك أصبحت المتهم رقم11 في القضية بعد إحالتها إلي نيابة الأموال العامة؟ وهل أسأل أنا عن ذلك؟ مرة أخري.. كيف وصلت القضية إلي الأموال العامة؟ فوجئت في شهر سبتمبر الماضي بنيابة الأموال العامة تفتح ملف القضية باعتبارها ـ كما يرون ـ جريمة.. حيث شكلت لجنة خبراء, وقامت اللجنة بمراجعة جميع الإجراءات مع شركة المعمورة وشركة تافرنا ولكن النيابة سألت الجنة عن أسباب عدم الرجوع إلي شركة بارادايز إن.. فرد رئيس اللجنة: وما علاقة بارادايز إن بالأمر.. فنحن نراجع إجراءات شركة قطاع عام المعمورة في ترسية مزايدة.. وسواء كانت هذه الإجراءات سليمة أم خاطئة فلا علاقة للمستثمر بها.. لكن النيابة أحالت القضية إلي محكمة الجنايات رغم أنها قضية مدينة تجارية. * ومن المتهمون العشرة الذين قبلك؟ بعض أعضاء مجلس إدارة شركة المعمورة بما فيهم رئيسها وأعضاء لجنة الممارسة المزايدة.. والطريف أن كاتب جلسة المزايدة كان من بين المتهمين وتم حبسه علي ذمة القضية45 يوما.. وربما كانت هذه هي المرة الأولي التي أري فيها كاتب جلسة يدخل السجن متهما في قضية رغم أن كل مهمته تسجيل وتدوين ما يحدث ولا يحق له إبداء أي رأي أو المشاركة في القرار. * ولماذا هربت إلي الخارج كما ردد الكثيرون لا سيما أنك كما تؤكد لا علاقة لك بالقضية وبراءتك ثابتة؟ أنا لم أهرب إلي الخارج.. فقد كنت ـ ومازلت ـ أثق ثقة كاملة في نزاهة القضاء المصري.. كما كنت علي يقين من براءتي.. لذا لم أوكل محاميا للدفاع عني.. لكن ما حدث أنني عند فتح التحقيقات في نيابة الأموال العامة كنت في رحلة لحضور أحد مؤتمرات الأستا.. حيث بدأ التحقيق في شهر4/99 وبدأت النيابة بمجلس إدارة الشركة والسيدة الشاكية وأعضاء لجنة المزايدة وحتي شهر9/2000 لم يتم استدعائي للتحقيق. فسافرت لحضور الأستا.. بعدها قبضوا علي المتهمين وطلبوا استدعائي فلم أحضر.. والأخطر من ذلك أنهم وضعوا اسمي ضمن قوائم ترقب الوصول في جميع منافذ الوصول.. يومها أحسست بأنني إرهابي أو مجرم خطير. * وأين قضيت هذه الفترة؟ انتقلت مع أسرتي من لندن إلي بيروت.. ثم أعدتهم إلي القاهرة وبقيت أنا هناك لمدة ثلاثة أشهر حتي نزلت القضية إلي المحكمة.. وعدت في شهر نوفمبر الماضي ورفضت توكيل محام.. لذا فقد حصلت علي البراءة غيابيا وهي أفضل أحكام البراءة علي الإطلاق. * إذن فالمحكمة للمرة الثالثة والأخيرة قالت منذ أيام أن أحمد عطية وكل المتهمين أبرياء.. فلماذا تنازلت عن الشاطيء وأعدته إلي شركة المعمورة بعد انفاقك علي تطويره والإيجار الذي دفعته علي مدي عامين كاملين؟ أنا لم أتنازل عن مشروع الشاطيء فحسب.. وإنما أعدت أيضا مشروع الشلالات إلي محافظة الإسكندرية.. وهذا المشروع كان من الضخامة بحيث ينقل الإسكندرية إلي مصاف المدن العلاجية الكبري.. فهو عبارة عن منتجع صحي عالمي للمرضي الأجانب والعرب الذين يحتاجون إلي علاج طبيعي ويسافرون إلي بعض دول العالم وينفقون الملايين.. ورغم أنني كنت قد قطعت مرحلة كبيرة في المشروع مع الخبرة الفرنسية إلا أنني أعدته إلي المحافظة وقررت عدم الاستمرار فيه بإرادتي تماما مثلما فعلت مع شاطيء المعمورة. * مازلت اسأل لماذا؟ ببساطة.. لأنني لا أمتلك مواصفات بعض الزملاء من المستثمرين ورجال الأعمال مع احترامي للجميع.. يروحوا النيابة ويتهموا ويتحبسوا وبعدين يطلعوا براءة وكأن شيئا لم يكن. * وما وجه الاختلاف بينك وبينهم؟ هذا السؤال مستفز.. ألا يكفي ما حدث لي علي مدي عامين لن أذكر تفاصيل المعاناة والعذاب وخسائر السمعة.. ولكن أقول إنني سأكتفي بإدارة فنادقي الخاصة ولن أدخل مشاريع عامة مهما حدث.. وسأكفي خيري شري! * يبدو أنك مصدوم.. ربما مجروح؟ قل ما شئت.. الكلمتان أقل من العذاب الذي سكن أعماقي طوال الفترة الماضية ومازال يرفض مغادرتي حتي الآن. * رغم أنك حصلت علي البراءة؟ نعم.. فهل البراءة تمحو مأساة تدمير مستثمر كان يريد أن يفعل شيئا لمدينته التي يحبها. * لكنك لست أول من وقع عليه ظلم.. ولن تكون الأخير؟ هذه حقيقة.. لكن من حق المظلوم أن ينسحب من ميدان يري أنه يدار بأسلوب لا يضمن حماية الشرفاء. * وكيف يتم علاج ذلك من وجهة نظرك؟ المسألة بسيطة للغاية وليست كيميا.. ففي أي قضية عامة تمس شخصيات تتأثر بسهولة بأي زوبعة يجب التحقق أولا من صحة الشكوي قبل توجيه الاتهام ووضع الشخص في قفص الاتهام أمام الرأي العام.. وحيثيات الحكم في قضيتنا تؤكد ذلك فالأمر كله كان قائما علي شبهات ولا توجد أي وثائق أو مستندات فكيف نقول بعد ذلك تعالوا واعملوا مشروعات؟! * إذن.. فأنت تريد أن تقول إن الثمن الذي دفعته كان باهظا؟ باختصار وبعيدا عن العواطف والمعاناة.. أنا شغلي اتخرب معظم استثماراتي خسرت مبالغ طائلة لوجودي في الخارج.. ولم أحضر أكثر من7 مؤتمرات اقتصادية.. ويكفي أن أبنائي كانوا يواجهون المجتمع وهم يتمزقون لأن والدهم وقدوتهم متهم في قضية أموال عامة وربما يدخل السجن في أي لحظة. * ورغم ذلك رفضت الاستمرار.. إذن فأنت اعتزلت الاستثمار في المشروعات العامة؟ نعم.. فالتجربة كانت سيئة للغاية.. ولا أريد أن أشعر بهذا الإحساس مرة أخري.. ولكن أقول لابد من تشجيع الآخرين علي الاستثمار. * أخيرا.. هل كان الإعلان الذي نشرته رسالة مقصودة كمالاحظ البعض؟ ربما.. فقد أردت أن أقول إن مشروع شاطيء المعموة كان خاسرا بالنسبة لي. فقد أنفقت علي البنية الأساسية ولم أجمع أموالي بإرادتي وربما تكون رسالة إلي المجتمع بالكامل بـ أن موش كل رجال الأعمال وحشين.. لأن موش كل الناس وحشين.. فمازال في البلد شرفاء!