أطفال لقطاء بعيون لا تري.. ولا تبكي الخطايا.. علي الطريقة اللبنانية!
بيروت ـ كمال طنوس تصوير ـ أحمد أسعد
مهزوم ذلك الطفل الذي لم يعرف ثدي الرضاعة.. صوته أنين.. وملامحه إدانة للجميع, هو المرمي في أيامه الأولي قرب مقلب النفايات صرته مفتوحة علي أمعاء لم يدخلها الإ طعام الرذيلة, أقرب للهلاك وهو يبدأ يومه الأول من أحشاء أم لا يعرفها وأب مدسوس في بطن الحياة كالحوت يأكل ويأكل وخلقته بائسة كأفعاله. القطط حين تلد صغارها تنام فوقها لتحميها من إعصار البرد ومن همجية الأب الذي يتغذي علي لحم صغاره والعصافير لا تترك زغاليلها إلا تحت جناحيها خوفا من أن يصطادها الشر وتقع فريسة الغربان أما بعض' البشر' فيحبلون بالدنس ويلدون الشر ويضعون بيوضهم كالضفادع في المستنقعات والفضيلة تتعذب ثم تموت تاركة وراءها رائحة لا تحتمل. هذا قليل مما يقال حين تزور مركز الرعاية الاجتماعية لمؤسسة دار الأيتام الإسلامية تلك الدار التي ترفع جدرانها حول أرواح وأجساد أطفال متروكين لمغبة الملذات الدنية. خمسة وعشرون لقيطا سنويا يدخل المؤسسة محمولين من أمام الكلاب المفترسة والدهاليز والسوداء والبراري البعيدة والأماكن القذرة. المرأة التي تحمل في أحشائها طفلا مدة تسعة أشهر ولا أقول أما لأن هذه صفة لا تليق بالتي تترك ولدها قرب أقذر الأماكن ليلتقطه عابر طريق أو ليموت بصمت حتي لا يشهد في حياته علي الشيطان الأكبر الذي يسكن أحشاء من أنجبته. تقول وفاء البابا رئيسة) مركز الرعاية الاجتماعية( أكثر اللقطاء هم أولاد زنا لذا يتم التخلص منهم بهذه الطريقة البشعة متروكين في العراء محمولين- في نشأتهم التي نوفرها- علي أخلاق سوداوية نحاول أن نبيض بعض صفحاتها. لكن هيهات أن ننجح وهؤلاء هم النكرات في الحياة مهما حاولنا أن نضيف خيوط أمل ونبدد الغيظ الذي يحملونه في صدورهم. اللقطاء أطفال بلا أسماء وبلا هويات وبلا مرجعيات زرع مقطوف من غابة سوداء بلا ملامح وبلا أرضية إنهم أناس الفراغ المثقوبين من كل الجهات فلا تعلق في أذهانهم أية فضائل وأية تشريعات تخلت عنهم سموات الأمومة والأبوة منذ ولادتهم فلم يعرفوا إلا الأمطار النتنة نفوس مسكونة علي وهن لأنها مشتاقة للحب والعاطفة. ها هي فاطمة تدخل مكتب الرئيسة في دار الأيتام الإسلامية جسد نحيل ووجه ينظر في كل الاتجاهات وكأن عيونا ما تتربص بها تهمس لي الرئيسة ليكن حوارك معها يقظا ومبطنا لأنها في حالة خوف وذعر دائم. ولا تستلطف الحديث عن الذي يذكرها بحالها. تجلس فاطمة علي الكرسي أمامي وكأنها في حلقة اعتراف خطير نصف جسدها مستو علي نصف الكرسي وأصابع رجليها محكمة بقوة علي الأرض وكأن ريحا ما ستقلعها وتطيرها في الهواء. - تبدين في آخر أناقة وثياب جميلة وعلي الموضة؟ - أنا أختار ملابسي بنفسي ولي مزاج في تبديل الملابس الله يخليلنا دار الأيتام فهي توفر لنا لناكل ما نحتاج إليه من مأكل وملبس وتعليم ولا ينقصنا شيء. تقولها وتدمع عينها وتضيف أكره نفسي أكره لحظة حياتي ليتني كنت بلا مستقبل لأنني بلا ماض, صحيح أنا لا أحتاج إلي شيء لكن أفتقد إلي أكثر ما أحتاجه في طفولتي كرهت الأدب وكتب اللغة جميعا لأنها لا تعنيني لا تتحدث إلا عن الأم والأب والجد والجدة والإخوة فما يعنيني من كل هذه الدروس التي أجد نفسي خارج إطارها. أنا اليوم في الثانوية العامة تقول المعلمة: إنني ذكية ومجتهدة لكن أحتاج إلي التركيز' ترتجف كورقة خفيفة وتضيف وصوتها يتهدج' لكن كيف سأركز وغيوم من الأفكار تجتاحني تنقض علي ليلي ونومي حين أسأل نفسي ماذا بعد؟ ماذا في الغد أنا شتلة بلا حسب وبلا نسب نعم أنا نكرة حتي إشعار آخر أنا ابنة الخطيئة ومن سيعترف بي وأنا نفسي لا أعترف بنفسي. - لكنك يا فاطمة تحملين نفسك أكثر من وسعها... - ولدت بلا تاريخ وبلا اسم' تضحكني أغنية فيروز' حين تقول شو تعبوا أهالينا حتي وجدوا أسمينا أنا حساسة ولا أحتمل مفردات أب أو أم إنها كلمات تطعنني بسكين غير مسنون أية أم هذه التي ولدتني كيف هو وجهها في أية قبر تسكن حتي أزورها بلا باقة زهور أمي ملعونة ولم تورثني الا اللعنة. - إنسي ما أنت علية واهتمي بدروسك علك تصلين إلي مبتغاك. - لا يسعني الجلوس والتركيز والمذاكرة أعيش مع الوحدة كصديقة وأخافها وأمقتها لا طموح لي الآن سوي أن يتسني لي لليلة واحدة أن أغادر سور المؤسسة وأذهب مع صديقاتي في نزهة ثم أعود أحسد أولئك الذين يسهرون مع عائلتهم يضحكون ويمرحون أنا لا أنكر للمؤسسة فهي داري وبيتي هي كل شيء. لكن من يستطيع أن يزيح هذا الإثم الذي لم أرتكبه. عالمي مغاير لكل العوالم ليتني أستطيع التفوق علي نفسي فلا أعود أشعر بصحراء العمر وبلا جدوي الحياة. - ألا تحبين أن تكوني شيئا ما في هذه الدنيا فكري في الأفضل تحصلين عليه؟
- أحلم أن أكون مذيعة فلديي هواية الالقاء والتعريف بكل النشاطات التي تقوم بها المؤسسة ويقولون إني ناجحة في هذا المجال لكن في الوقت نفسه أعرف أن المذيعة قدوة وأنا بلا' أصل'. أعرف بأن للمذيعة هيئة ما وأنا لوني يميل إلي' السواد' وتبلع ريقها فهيئتي لا تلاءم طموحاتي... كفي مهزلة أنا أعرف قدري ولن أدعي ما ليس لي طاقة عليه. ثم تصمت بجلالة وتدفن رأسها بين يديها وتنظر نحو الأرض أريد أن أغادر الآن فاسمحوا لي.. تعلق وفاء البابا بقولها: إن اللقيط إنسان معذب, لأن الكل من رفاقه يأتي ويذهب إلا هو فيبقي في المؤسسة لا أحد يسأل عنه. خاصة أن لدينا اليتيم والمعاق وفقير الحال نهتم به لكنه يغادر أما أولئك فلا أحد يتذكرهم فيشبون علي نفسية حاقدة وسلبية ووجوههم تحمل معاني الأسي لسبب يعرفونه هم وحدهم واختبروه هم وحدهم. محمد ابن السنوات الأربع لا ينفك يغادر القلم الورقة ويظل يرسم, وقدم لي هديته الثمينة صورة لرجل وأمرأة الأم بلا ذراعين والأب بلا عينين لفت نظره إلي أن الهدية ناقصة فليكملها حتي يتسني لي تعليقها في المكتبة فأصر علي أن لوحته الطفولية اكتملت لكن أين العينان يا محمد وأين اليدين فضحك وقال لعمري لم أشهد عيني والدي ولم تنظرا إلي ولم أحظ بضمة من ذراع أمي فكيف أرسم شيئا لا وجود له. قصة محمد ليست عارية من الحقيقة ويحب هذا الطفل ان يكون اشبه بطير مالك الحزن حتي يطير من بلد الي آخر دون أن يتبع أثره أحد. أما ربي فسألت المرشدة كيف تختارون لنا الأسماء وكيف تصنعون أمهات وأباء وهميين لا وجود لهم إنها الكذبة التي نكبر عليها وعلينا أن نصدقها حتي لا نتألم أكثر تقول ربي لمعلمتها نحن أطفال الأعجوبة. ولدتنا الأفاعي في مكان ما لا أحد حتي يخبرنا عن المكان الذي وجدنا فيه ليس لسبب لكن فقط لأعترف بأن جسدي كان نائما في محل ما أنا وأمي نعرفه فأزوره أجد ـ بالمصادفة ـ والدتي تبكي هناك فأعرفها علي نفسي فأحضنها وتحضنني ولن اؤذيها أو أعاتبها فقط أريد أن أعود إليها تماما كما في إعلانات التلفاز التي تصور الأم دامعة لحضور ابنها بين يديها. تضيف وفاء البابا جميع اللقطاء لديهم هاجس عن المكان الذي وجدوا فيه حين حملتهم قوي الامن الداخلي الي المؤسسة لكننا نحرص الا يعرفوا حتي لا تزيد من عمق تمزقهم وتشتتهم لأن ذلك لن ينفع ولن يغير من سيرة حياتهم بل سيعذبهم أكثر ويحفر في دواخلهم أوهام لا تتحقق. أحوال اللقطاء في مجتمعنا تحسنت بعد اعتراف الدولة بهم من خلال هويات وتذاكر تعرف عنهم بالرغم من أنها وهمية وعارية عن الصحة لكنها تبقي بطاقة تعريف بعد أن كانوا أسماء لا تعترف بها دوائر النفوس المحلية لكن تبقي العقلية الاجتماعية والتقاليد الأسرية تزيد من تشرذمهم ومن ضياعهم فإذا أراد أحد أن يلعن أحدا آخر يقول له' أنت بلا أصل' فاللقيط لعنة في ذهن وعقلية المجتمع وهو يعرف هذا ويتعذب إنما في البلدان العربية الأخري فاللقيط كرامته مصانة أكثر لأنه يعتبر من أولاد الدولة ويكرم ويعزز ولا تتقاذفه الألسن كما هي الحال عندنا أما في البلدان الغربية فلا مشكلة علي الإطلاق لأن الأم تحمل ابنها دون أن يكون والده معروفا' وتضحك وفاء' وإلا أعتبر نصف المجتمع الغربي لقيطا لأن الاعتبارات العائلية أقل بكثير من عندنا فنحن إذا أرادوا أن يزوجوا أحدا يسألون عن أصله وفصله وعائلته وعندنا يتفاخرون باسم العائلة فهناك العائلات المرموقة وصاحبة الجاه والسلطة والعلم وعائلات أخري معروفة بفقر حالها وعائلات متنامية تماما كحال الدول. يتعلم اللقيط بحكم واقعه أن يحسد والحسد عنده هائل ومريع ويتناول الفضائل فيبيدها بالرغم من أن مؤسسة دار الأيتام الإسلامية كغيرها من المؤسسات الأخري تعني بها أشد عناية ويعوضهم عن كل نقص حتي إنهم يعيشون في بحبوحة يحسدون عليها لكن لتعويض المادي لا معني له أمام كل فقدان عاطفي. 'وكل غريب للغريب قريب' هذا المثل الذي نغص حياة سوزان الطفلة التي شهدت موت أمها وهي تحرق نفسها أمامها نتيجة تعنت وظلم الأب وتهديده لها وهي لم تكمل بعد عامها الثاني وبما أن سوزان ذات أب وأم معروفين شاء القدر ان يعيدها الي أحضان جدتها بعد انتهاء البحث والتفتيش مما جعلها تعيش حياة سوداء بين رفاقها في المؤسسة الذين أدركوا أن سوزان ستغادرهم الي أهلها فضربوها ونعتوها وشتموها وراحوا يصرخون ليلا ونهارا لماذا نحن لا تجدون لنا أمهات وأباء أو جدات. وتقول وفاء بالرغم من أننا حريصون علي أن نحافظ علي مشاعرهم لكن اللقطاء لا شيء يفكرون فيه او يتحدثون عنه الا وضعهم, فبالنسبة لهم فإن الزمن لا جديد فيه ولا مثير فالوقت عندهم مجرد راهن لا يتغير لا بحد المعرفة ولا بحد المال ولا بحد الطموح. وإلا لماذا لم ينجح زواج سناء بطارق, سناء الممرضة وطارق المهني اللذين كبرتهما مؤسسة الأيتام الإسلامية ووجدا في نفسيهما تقاربا ما فتزوجا لكنهما انفصلا بعد حين لأن تركة اللقيط لم تبارح ذهنهما وطالما كانا يتحدثان عن أن أولادها سيكونون جيلا لقيطا من جيل لقيط رغم أن فاطمة معروفة وطارق معروف ويحبان أن يكونا أسرة سعيدة, لكن صفة اللقيط ثقيلة.