من قال إن كل الجراح تبرأ.. إن منها ما يميت ومنها ما يستمر حتي بعد الموت.. يموت الإنسان ويظل ذلك الجزء المجروح حيا من بعده لا يكف عن الأنين من الألم.. حتي الموت لا يهزم الجراح. وهنا تسقط دعوي أن الزمن يلملم الجرح أو أن الزمن شفاء, والشفاء يكون عن طريق النسيان. فلا شيء ينسي. حتي وإن التأم الجراح فإن موقعه يظل سخيا بالألم. ويشتد الألم في حالتين الأولي حين تحل الذكري السنوية لمسببات الجرح والثانية حين يتعرض الإنسان لموقف مشابه.. الموقف الجديد يشعل النيران في الجرح القديم فيبدو وكأنه جديد من شدة الألم. والذكريات أسوأ من الحدث ذاته. ففي الذكريات اجترار. في الذكريات تجميع لكل ما هو سيء واستعادته.. تصبح الصورة مكتملة.. بانوراما.. ومن ذلك يمكن الوصول إلي الحقيقة.. وبعض الحقائق تدعو لليأس. ولا أمل في الإصلاح. ولا أمل في النسيان, ولا طريق إلا التناسي أي بذل جهد إرادي لتبدو أمام نفسك أنك نسيت والحقيقة أنك لم تنس وإنما تسدل ستارة واهية علي الأحداث فتراها وكأنك لا تراها.. ستارة كاشفة فاضحة ولكنها ستارة تعوق الرؤية الكاملة الواضحة.. وما لا تراه مكملا أو واضحا فكأنك لا تراه ولكنه يظل موجودا.. إذن هو موجود ولكنك لا تراه. هذه هي المعادلة أو هذا هو التناسي.. هو نوع من التغليف الرديء. فأنت تحمل أسفارك علي ظهرك ولا تراها ولكنك تعرف محتواها.. وهذا هو الفرق بين الإنسان والحمار. الإنسان يعرف والحمار لا يعرف. ولكن كليهما مثقل بحمله.. وما أشد أحمال النفس وأثقلها. إنها تشد الإنسان إلي الأرض حتي يكاد يقع. ولكن الرحلة لابد أن تمضي إلي حتفها. لابد من مواصلة الطريق. والصراع الأزلي هو بين العقل والقلب.. بين الفكر والوجدان. بين الحكمة والهوي. ويغلبنا الهوي ويشدنا القلب ويدمينا الوجدان. العقل يصدر حكما غير قابل للنقض. حما مبنيا علي حقائق لا تنكر. ويأتي القلب ليفسد كل شيء. فالهوي غلاب.. وتبدأ رحلة مصالحة النفس لكي تغفر أو لعلها تنسي دون أن تغفر أو لعلها وهو أضعف الإيمان تتناسي.. والذكريات الحلوة تشفع. الشفاعة مطلوبة في مثل هذه الأحوال. والشفاعة معناها أن الإنسان لابد أن يخطيء لأنه ضعيف. ولهذا فهو يحتاج لمن يتوسط له. يحتاج إلي شفاعة قوة أكبر. يحتاج إلي كرمات سابقة تخفف من هول الحقيقة الواقعة. يحتاج إلي من يطلب السماح من أهل السماح وإذا لم يكن السماح ممكنا فلننح الأمور جانبا ونكمل المسيرة. فلندفعها بعيدا عن منطقة التذكر المباشر, فلنحبسها في الغرفة المظلمة من مستودع الذكريات, فلنغلفها حتي وإن كان التغليف رديئا ولكنه علي الأقل سيعوق الرؤية المباشرة والواضحة. سيعوق الاجترار الملح. سيعوق أن نربطها بأحداث مشابهة حتي لا تبرز حقيقة دامغة لا تدع أي فرصة للتناسي بل تؤكد أن السيء يظل سيئا لأنه طبع علي السوء.. هكذا خلقه الله بنفس ضعيفة متدنية تنزع إلي الانحراف وتميل إلي الدنس وتستهويها القاذورات.. ما أبشعها من حقيقة وما أروع أن يتسامح الإنسان فإنه لم يستطع فلينس فإن لم يستطع فليتناس. غير أن التناسي ليس علاجا. ليس حسما نهائيا للأمور. ولكنه تسكين مؤقت للآلام.. حجب مؤقت للحقيقة.. ففي لحظة تنهار الحيل الدفاعية التي استخدمها الإنسان ليتناسي وإذا به يعيش التجربة المريرة وكأنها وقعت الآن في التو واللحظة. ويالتعاسة الإنسان إذا كانت الخبرة المريرة تتعلق بأمانة عزيز أو صدق صديق أو إخلاص حبيب. هذه هي الجراح التي لا تبرأ.. هذه هي الجراح التي تظل حية حتي بعد أن يودع الإنسان في القبر. والقصة بسيطة جدا يعرف كل منا عشرات مثلها.. إذن ليس فيها ما يثير. وربما لو قرأ الإنسان سطورها الأولي لتركها وانصرف لشيء آخر, القصة هي أن زوجة جميلة وصغيرة ومخلصة لزوجها الذي تحبه تململت في الفراش وهي نائمة.. مدت يدها في اتجاه زوجها النائم بجوارها. كانت هذه هي عادتها إذا أخذ النوم في الانسحاب من عينيها فتمد يدها لتلمس زوجها فتهدأ ووتعود مرة ثانية إلي النوم.. كانت اسوأ لياليها حين يضطر للسفر في عمل فيصبح مكانه خاليا في الفراش فإذا استيقظت في أي وقت من الليل لا تنام.. النوم العميق ارتبط به. وأحلي صباح حين تفتح عينيها عليه وهو بجوارها فتهزه هزا رقيقا فيقول وأكثر من نصف عقله نائم: صباح الخير.. فتدب الحياة في أوصالها وتنهض نشيطة لتعد له العصير.. أشياء بسيطة ولكنها كانت من أساسيات حياتها.. والحرمان منها ولو ليوم واحد يصيبها بالألم والعطش. في هذه الليلة مدت ذراعها إلي أقصاها فلم تجده بجوارها فتصورت وهي مازالت في شبه غيبوبة النوم أنه مسافر ولكنه سرعان ما استيقظ عقلها بالكامل لتتذكر أن آخر مرة لأته فيها كانت منذ ساعات ليلة وهما يدخلان الفراش معا وأنه تكاسل عن مداعبتها كالمعتاد.. قالت ربما ذهب للحمام.. انتظرت وقتا كافيا ولكنه لم يعد. لم تشأ أن تنادي عليه حتي لا يستيقظ من في البيت.. ساورها قلق له مسبباته. نهضت في اتجاه معين. وقفت علي باب غرفة بعينها تتنصت. سمعت صوت حركة وربما أنفاسا تتردد بسرعة من الصعب سماعها إلا إذا توقعتها. استعصي الباب علي الفتح حين حاولت.. صرخت.. وسرعان ما فتح الباب من الداخل خشية الفضيحة.. اندفع زوجها إلي الخارج بينما ظلت قريبتها التي جاءت لزيارتها قابعة علي الفراش مطأطأة الرأس.. هذه كانت اللحظة الوحيدة المثيرة في القصة. يفتح باب مغلق علي رجل وامرأة معا لا يوجد أي مبرر لوجودهما معا داخل حجرة ومغلقة.. ولنضع عشرة خطوط تحت كلمة مغلقة.. مغلقة من الداخل لتمنع سهولة اقتحام الحجرة لأن من كانا بالحجرة يودان حجب شيء معين عن الأعين. حاول الزوج أن يبرر موقفه ولكن الصدمة أفقدت الزوجة القدرة علي السمع.. وتركت البيت أربعة أشهر كاملة.. وبذل هو جهودا مضنية حتي استطاع أن يستعيدها للبيت. وقبل أن نستطرد وربما لا يتوقع أحد أي أحداث مثيرة تأتي بعد ذلك إلا أن الذي نريد أن نوضحه أن هذا الزواج لم يكن عاديا. إنها قصة حب طويلة وحقيقية. علاقة حب أثمرت زواجا وأطفالا وبيتا مستقرا وحياة أحلي من العسل ومستقبلا مشرقا.. كل ذلك علي مدي سنوات اقتربت من العشرين.. والحق يقال إن الزوجة كانت جميلة وذكية ومتفانية, والغريب أنه هو الذي بدا عليه تقدم العمر ففقد قدرا غير قليل من جاذبيته وتأثيره علي الجنس الآخر فلا يعد مطمعا لأي امرأة لأي غرض. هذا بالإضافة إلي أن سمعته قبل الزواج كان يشوبها الكثير وخاصة فيما يتعلق بعلاقته بالجنس الآخر إلا أن الزوجة العاشقة تغاضت عن كل ذلك لأنه حدث في الزمان الماضي قبل أن تلتقي به. المهم أنها عادت إلي البيت واستأنفت الحياة.. والحقيقة أن الزواج بذل جهدا مضنيا لاسترضائها لأنه كان يحبها حقا ولا داعي لأن نخوض نحن في تفسير خيانته لها رغم أنه ينكر بشدة الخيانة وأنه ما خانها منذ أن تزوجها رغم ولعه بالنساء.. ولقد قدم مبررات ساذجة لا تصدق لوجوده في حجرة قريبة زوجته في هذا الوقت المتأخر من الليل. أما هي أي الزوجة فلم تغفر أبدا ولم تنس أبدا وكانت تقول لصديقتها التي عرفت بالقصة كيف أنسي واقعة رأيتها بنفسي.. إن ما نري بأعيننا ليس مثل ما نسمع.. أن ما نراه بأعيننا هو الحق. أما ما نسمعه فيحتمل أنه باطل. ولقد سمعت عن سلوكه المعوج الكثير ولكني كنت لا أصدق. والملابسات كلها تدينه. ولقد حاولت أن أخدع عقلي وأصدق أيا من إدعاءته فلم أستطع. تسألينني يا صديقتي لماذا عدت إليه.. والإجابة أنني لا أعرف. ربما لأنني مازلت أحبه.. وكيف أحب من خانني!! فأقول أنني أحبه أحيانا وأكرهه في أحيان أخري. بل أني أحبه وأكرهه في نفس الوقت. ولكني أحيانا أحبه كثيرا وأكرهه قليلا وأحيانا أخري أكرهه كثيرا وأحبه قليلا. ولكنه خائن خائن خائن. لا أستطيع أن أراه إلا خائنا. ولقد بذلت جهدا خارقا لكي أسامحه فلم أستطع, ولم أستطع أن أنسي. ولكني أتوه عقلي.. أخذه بعيدا.. أحيانا أسيطر علي هذا العقل وأنسي في اللحظة الحاضرة ما فعله.. تغيب عن مخيلتي صورته وهو خارج من الحجرة وصورتها وهي جالسة علي السرير.. أحاول أن أندمج في لحظة الحب معه.. وخاصة وأنا أراه يبذل الجهد لإرضائي وخاصة أنني مقتنعة فعلا أنه يحبني.. أصدقه في لحظة أنه لم يخني. ولكني أعود فأتذكر التفاصيل المخذية وأضم إليها كل القصص الأكثر خزيا التي حكيت عنه. إن له تاريخا أسود يؤيد أي سلوك انحرافي يصدر عنه الآن أو في المستقبل. لا أحد يتغير وإنما تغير الظروف هو الذي يجعل بعض الميول والطباع تتواري ويجعل البعض الآخر في منطقة الضوء. الانحراف مطبوع علي الجينات ولم يستطع أحد حتي الآن أن يغير جيناته. ولقد أصبحت أشك في كل سلوكه.. فهو كاذب ولكنه يجيد فن الكلام. يجيد تزويق حديثه. يمتلك قدرة أن يجعلك تصدقه.. وكنت في الماضي أصدقه. ولكنني الآن أتشكك في كل كلمة يقولها.. ولقد أرهق أعصابي كثيرا بمتابعته ومراقبته. استنفذد كل طاقتي حتي كدت أن أموت. فأصابتني اللامبالاة.. ولقد توصلت إلي صياغة أراحتني.. فليفعل ما يشاء.. هذا أمر لم يعد يهمني لقد أغلقت باب الغيرة تماما.. حقا أنني لا أغير عليه.. فاسترحت كثيرا. أصبحت أنام بعمق.. أصبحت أستمتع باللحظة ولا أفكر فيما يقبلها أو فيما سيأتي بعدها. لو غاب عن ناظري لا أهتم لو تأخر في مكان مجهول لا أسأل.. أصبحت لا أتحقق من رواياته بل أدعي أنني أصدقه.. قد تسأليني يا صديقتي كيف وصلت إلي هذه الحالة؟ أقول لك لقد تعبت.. أرهقتني شكوكي.. أتعبتني متابعته.. ذحبتني مشاعري المتناقضة نحوه والتي هي مزيج من الحب والكراهية.. كان علي أن أعيش معه بكل أحاسيس وهذا معناه أن أسامحه وأن أنسي تماما أو أتركه دون رجعة.. لم أستطع هذه أو تلك.. لا أستطيع أن أنسي ولا أستطيع أن أتركه.. وبذلك كنت أموت في كل لحظة. وكرد فعل طبيعي للجهاز العصبي ليدافع عن حياتي فإنه أصيب بالتبلد. فليفعل ما يشاء بعيدا عن ولكنني لا أريد أن أري شيئا بعيني.. آه من رؤيا العين.. هذا هو ما يذبح حقيقة.. إن ما تراه عيناك حقا إلا إذا كنت مجنونا ومصابا بالهلاوس البصرية أي تري أشياء لا وجود لها. ويوم أن رأيته مع قريبتي خلف حجرة مغلقة بعد انتصاف الليل لم أكن مجنونة بل كنت أثق به وأحبه إلي حد الجنون. أما الآن فقد برئت من الجنون ولكني أحبه أن يظل معي لأني تعودت أن أري الدنيا معه. تعودت علي وجوده وأسلوبه وطريقته.. تعودت علي أنفاسه.. لم أهتم برجل آخر غيره ولا أستطيع أن أكون لرجل آخر. لقد حاولت علي مستوي التخيل فلم أستطع. أني لا أصلح لأي رجل آخر غيره.. المرأة لا تكون إلا لرجل واحد إلا إذا كانت شاذة. والمرأة تعتاد الرجل نفسيا حتي وإن خانت بجسدها فلا يملك فكرها ومشاعرها إلا رجل واحد لا يتغير ولا يتبدل. والمرأة تحب الاعتياد وتميل إلي الاعتمادية ولا تتحول مشاعرها إلا ببطء شديد.. ولذا فالمرأة ليست تعددية في مشاعرها. فهي لرجل واحد بمشاعرها وفكرها حتي وإن عاشرت عشرات الرجال. هذه هي مشكلتي يا صديقتي والتي لا يستطيع أحد أن يتفهمها لأن كلها متناقضات.. كيف أعيش معه ولا أغير عليه؟ كيف أسعد بملامساته وأنا لا أثق به؟ كيف أأتنس بصحبته وأنا أحتقره؟ كيف أشتاق إليه وأنا أراه مجرما؟ كيف أستمع إليه وأنا أعرف أنه كاذب؟ أستريح إذا ابتعد, وأتألم إذا غاب.. أفرح لذهابه وأشقي بامتناعه.. أهنأ برؤياه وأشمئز لتذكره. إنها حالة من فوضي المشاعر وعشوائية التفكير. والطبيب النفسي يري أنه تعلق مرضي واعتمادية عاطفية لسنوات طويلة وعدم القدرة علي البداية من جديد لتقدم العمر. وأنا لا أراه تعلقا مرضيا ولكنه ارتباط له جذوره العميقة ضاربة في سنوات العمر أو أهم سنوات العمر تشكلنا فيها معا وفق صياغات ترددت أفكارها الأساسية داخلنا في تناغم واتفاق فصبغت الوجدان وأفرزت أسلوب حياة وأقرت أساسيات وأكدت مفاهيم ومعاني. فأصبح من المتعذر أن ينسجم العقل وأن يميل القلب وأن تأتلف الروح مع إنسان آخر. وأنا أعرف أنه هو ذاته لا يستطيع أن يعيش مع امرأة أخري. ولذلك فقد كتب علينا معا العذاب ولا مفر إلا عن طريق اللامبالاه وهذا هو المرض الحقيقي.