215‏السنة 123-العدد2001مايو5‏11من صفر 1422 هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
علم و تكنولوجيا
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
برج الحظ
المحطة الأخيرة
مقالات

القرضاوي في اتفاق فريد مع طنطاوي وواصل
العمليات الاستشهادية‏..‏ أعظم أنواع الجهاد

إعداد د‏.‏ حسن علي دبا

في اتفاق فريد اجتمع رأي فقيه الوسطية د‏.‏ يوسف القرضاوي مع فضيلة الإمام الأكبر د‏.‏ محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر‏,‏ ود‏.‏ نصر فريد واصل مفتي الديار المصرية في مسألة من أخطر المسائل الفقهية التي شغلت الرأي العام أخيرا‏,‏ وتتعلق بهوية المندفعين نحو أهداف إسرائيلية هل هم شهداء في سبيل الله أم انتحاريون؟ فقد اتفق العلماء الثلاثة علي أنهم شهداء‏,‏ ليردوا بذلك علي مفتي المملكة العربية السعودية الذي قال بأنه لا يعلم بوجود وجه شرعي للعمليات الاستشهادية‏,‏ هنا يرد د‏.‏ القرضاوي علي القائلين بانتحار أصحاب تلك العمليات ويفسر الآيات القرآنية المعروفة‏(‏ ولا تلقوا بأيديكم إلي التهلكة‏)‏ عارضا لتفسيرات علماء التفسير قديما وحديثا‏.‏
يقول د‏.‏ القرضاوي إن العمليات الاستشهادية من أعظم أنواع الجهاد في سبيل الله‏,‏ وهي من الإرهاب المشروع الذي أشار إليه القرآن الكريم في قوله‏:(‏ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم‏)(‏ الأنفال‏:60),‏ وهي عمليات فدائية بطولية استشهادية‏,‏ أبعد ما تكون عن الانتحار ومن يقوم بها أبعد ما يكون عن نفسية المنتحر‏.‏
‏*‏ لكنه يدخل معركته وهو يدرك أنه سوف ينهي حياته‏,‏ هل هو بذلك بعيد عن الانتحار؟
المنتحر يقتل نفسه من أجل نفسه‏,‏ وهذا يقدم نفسه ضحية من أجل دينه وأمته‏,‏ والمنتحر إنسان بائس من نفسه‏,‏ ومن روح الله‏,‏ هذا المجاهد إنسان كله أمل في روح الله تعالي ورحمته‏,‏ والمنتحر يتخلص من نفسه ومن همومه بقتل نفسه‏,‏ والمجاهد يقاتل عدو الله وعدوه بهذا السلاح الجديد الذي وضعه القدر في يد المستضعفين ليقاوموا به جبروت الأقوياء المستكبرين‏,‏ أن يصبح المجاهد قنبلة بشرية تنفجر في مكان معين وزمان معين في أعداء الله والوطن الذين يقفون عاجزين أمام هذا البطل الشهيد الذي باع نفسه لله ووضع رأسه علي كفه مبتغيا الشهادة في سبيل الله‏,‏ إنه يدافع عن أرضه‏,‏ وهي أرض الإسلام‏,‏ وعن دينه وعرضه وأمته‏,‏ إنه ليس بمنتحر‏,‏ بل أبعد ما يكون عن الانتحار‏.‏
‏*‏ لكنه حين يقوم بعمليته الاستشهادية قد يقتل بعض المدنيين من الإسرائيليين؟
المجتمع الإسرائيلي مجتمع عسكري‏,‏ رجاله ونساؤه جنود في الجيش يمكن استدعاؤهم في أي لحظة‏,‏ وإذا قتل طفل أو شيخ في هذه العمليات‏,‏ فهو لم يقصد القتل بل عن طريق الخطأ‏,‏ وبحكم الضرورات الحربية‏,‏ والضرورات تبيح المحظورات‏.‏
‏*‏ هل يمكن اعتبار عمل هؤلاء في العمليات الاستشهادية ملقين بأيديهم إلي التهلكة؟
لا يعد عملهم من الإلقاء باليد إلي الهلكة‏,‏ بل هو عمل من أعمال المخاطرة المشروعة والمحمودة في الجهاد‏,‏ يقصد به النكاية في العدو‏,‏ وقتل بعض أفراده‏,‏ وقذف الرعب في قلوب الآخرين‏,‏ وتجرئة المسلمين عليهم‏.‏
‏*‏ هل يقف المفسروون للآية الكريمة‏(‏ ولا تلقوا بأيديكم إلي التهلكة‏)‏ معك في هذا التفسير؟
سوف ألخص لك ما قاله المفسرون‏:‏ هذا هو الإمام الجصاص ـ وهو حنفي ـ في كتابه‏(‏ أحكام القرآن‏)‏ يقول راويا عن أبي أيوب حينما رأي رجلا يحمل علي العدو في غزو القسطنطينية وقال له الناس‏:‏ مه‏..‏ مه لا إلا إله إلا الله‏!‏ يلقي بيده إلي التهلكة‏!‏ قال أبو أيوب‏:‏ إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما نصر الله نبيه وأظهر دينه الإسلام‏,‏ فقلنا‏:‏ هلم نقيم في أموالنا ونصلحها‏,‏ فأنزل الله تعالي‏(‏ وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلي التهلكة‏)‏ فالإلقاء بالأيدي إلي التهلكة‏:‏ هو أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد‏,‏ قال أبو عمران‏:‏ فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتي دفن بالقسطنطينية‏,‏ فأخبر أبو أيوب أن الإلقاء بالأيدي إلي التهلكة هو ترك الجهاد في سبيل الله‏,‏ وبعد أن عرض لعدد من الروايات وناقشها قال الجصاص‏:‏ وعلي ذلك ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه متي اد نفعا في الدين‏,‏ فبدل نفسه فيه حتي قتل كان في أعلي درجات الشهداء‏.‏
ثم إليك ما قاله الإمام القرطبي ـ المالكي في تفسيره‏(‏ تفسير القرطبي‏)‏ اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله علي العدو وحده‏,‏ فقال القاسم بن مخيرة والقاسم بن محمد وعبدالملك من علمائنا‏:‏ لا بأس أن يحمل الرجل وحده علي الجيش العظيم إذا كان فيه قوة وكان لله بنية خالصة‏,‏ فإن لم تكن فيه قوة فذلك من التهلكة‏,‏ وقيل‏:‏ إذا طلب الشهادة وخلصت النية فيحمل‏,‏ لأن مقصوده واحد منهم‏,‏ وذلك بين في قوله تعالي‏:(‏ ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله‏)‏ ثم ذكر القرطبي‏,‏ بعد أن ناقش عددا من الروايات حول الموضوع‏,‏ كلمة محمد بن الحسن‏:‏ لو حمل رجل واحد علي ألف رجل من المشركين وهو وحده‏,‏ لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمح في نجاة أو نكاية في عدو‏,‏ فإن لم يكن كذلك فهو مكروه لأنه عرض نفسه للتلف في غير منفعة المسلمين‏.‏
وقال الرازي‏(‏ تفسير الفخر الرازي‏)‏ الشافعي مفسرا الآية‏:‏ أي لا تقتحموا في الحرب بحيث لا ترجون النفع‏,‏ ولا يكون لكم فيها إلا قتل أنفسكم‏,‏ فإن ذلك لا يحل وإنما يجب أن يقتحم إذا طمع في النكاية‏,‏ وإن خافا القتل‏,‏ فأما إذا كان آيسا من النكاية وكان الأغلب أنه مقتول‏,‏ فليس له أن يقدم عليه‏.‏
وذكر نحو ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في فتواه المشهورة في قتال التتار مسئولا بما روي مسلم في صحيحه عن النبي صلي الله عليه وسلم من قصة أصحاب الأخدود وفيها أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين‏(‏ حين طلب إليهم أن يرموه بالسهم ويقولوا‏(‏ باسم الله رب الغلام‏)‏ قال‏:‏ ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار‏,‏ وإن غلب علي ظنه أنهم يقتلونه‏,‏ إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين‏.‏
وقال الشوكاني في تفسيره‏(‏ فتح القدير‏)‏ والحق أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فكل ما صدق عليه أنه تهلكة في الدين أو في الدنيا‏,‏ فهو داخل في هذا‏,‏ ومن جملة ما يدخل تحت الآية‏:‏ أن يقتحم الرجل في الحرب‏,‏ فيحمل علي الجيش مع عدم قدرته علي التخلص‏,‏ وعدم تأثيره لأثر ينفع المجاهدين‏,‏ ومعني هذا أنه إذا كان لاقتحامه أثر ينفع المجاهدين كإرهاب العدو وإفزاعه لم يعد هذا في التهلكة‏.‏
‏*‏ وماذا عن المفسرين في العصر الحديث؟
قال العلامة رشيد رضا في تفسير المنار‏:‏ ويدخل في النهي‏:‏ النطوح في الحرب بغير علم بالطرق الحربية التي يعرفها العدو‏,‏ كما يدخل فيه كل مخاطرة غير مشروعة‏,‏ بأن تكون لأتباع الهوي لا لنصر الحق وتأييده‏,‏ ومفهوم هذا أن المخاطرة المشروعة المحسوبة التي يرجي بها إرهاب عدو الله وعدونا ويبتغي فيها نصر الحق لا اتباع الهوي لا تكون من الإلقاء باليد إلي التهلكة‏.‏
إن هذه الأقوال كلهار ترد علي أولئك المتطاولين‏,‏ الذين اتهموا هؤلاء الفتية الذين آمنوا بربهم وازدهم هدي‏,‏ والذين باعوا أنفسهم لله‏,‏ وقتلوا في سبيله بأنهم قد انتحروا‏,‏ وألقوا بأيديهم إلي التهلكة‏,‏ فهم ـ إن شاء الله ـ في طليعة الشهداء عند الله‏,‏ وهم العنصر الحي المعبر عن حيوية الأمة‏,‏ وإصرارها علي المقاومة وإنها حية لا تموت‏.‏
‏*‏ هل هناك من أطر يجب أن توضع فيها هذه العمليات الاستشهادية؟
إننا نطلب أن تكون هذه العمليات بعد دراسة وموازنة لإيجابياتها وسلبياتها‏,‏ وينبغي أن يتم ذلك عن طريق تفكير جماعي من مسلمين ثقاة‏,‏ فإذا وجدوا الخير في الإقدام أقدموا وتوكلوا علي الله‏.‏
‏*‏ هل تري وجها لاشتراك الأطفال في انتفاضة الشعب الفلسطيني‏,‏ وهل هناك وجه شرعي لذلك؟
الجهاد نوعان‏:‏ جهاد الطلب‏,‏ وجهاد الدفع‏,‏ وجهاد الطلب فرض كفاية‏:‏ إذا قام به بعض المسلمين سقط عن الباقي‏,‏ أما جهاد الدفع فيكون إذا اغتصب عدو أرض المسلمين‏,‏ فهنا يجب علي المسلمين جميعا أن ينفروا‏:‏ الولد دون إذن والديه‏,‏ والمدين دون إذن دائنه‏,‏ والطفل دون إذن أهله‏,‏ وإننا نباهي بما يفعله أطفالنا في فلسطين‏,‏ وماذا نفعل إذا تقاعس الرجال الكبار عن الجهاد‏,‏ وتقدم الأطفال‏,‏ بل إن أعمالهم فيها ما فيها من رعب لليهود‏,‏ فهؤلاء هم ـ بحق ـ الصغار الكبار‏,‏ التلامذة الأساتذة‏,‏ الأشبال الأسود‏.‏

في الحلقة القادمة‏:‏


الاستنساخ بين الحلال والحرام