215‏السنة 123-العدد2001مايو5‏11من صفر 1422 هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
علم و تكنولوجيا
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
برج الحظ
المحطة الأخيرة
مقالات

صورة قلمية
ماكيكو تاناكا‏..‏ كالماء والهواء

حسن فؤاد

رقيقة مثل كل اليابانيات‏,‏ ذكية سريعة البديهة مثل والدها رئيس الوزراء الراحل‏,‏ درست في أمريكا لمدة سنتين ولكن لم تعجبها الثقافة الأمريكية‏,‏ وتستطيع الآن أن تخفي مشاعرها الحقيقية بعد أن وقع عليها الاختيار وزيرة للخارجية‏.‏
رضعت السياسة منذ أن كانت في المهد‏,‏ حيث كان أبوها من أقطاب الحزب الديمقراطي الليبرالي الحاكم رغم أنه لم يحصل من التعليم أكثر من الشهادة الابتدائية ومازالت تقول‏:‏ كانت السياسة بالنسبة لنا مثل الماء والهواء‏,‏ نستنشقها ونرتشفها‏!‏
وهي من مواليد برج الجدي‏,‏ الذين يتميزون بالتفكير العميق والواقعية والبعد عن الخيال‏,‏ ونساؤه يزددن جاذبية كلما مرت السنون‏.‏ وجاء مولدها بعد نحو سنتين من معركة بيرل هاربور الشهيرة التي دمرت الطائرات اليابانية خلالها ثلث الأسطول الأمريكي وقتل‏2300‏ من بحارته‏..‏ وعندما أكملت ماكيكو عاما ونصف العام من طفولتها كان إمبراطور اليابان يوقع وثيقة الاستسلام بعد أن نزل من علياء قصره إلي ظهر المدمرة الأمريكية الرابضة في بحر اليابان‏.‏
وعندما التحقت بالجامعة كان والدها يشكل الحكومة‏,‏ ولم تكد تتخرج من الجامعة حتي رأت والدها يستقيل ثم يقدم للمحاكمة في أشهر قضية رشوة شهدتها اليابان خلال السبعينيات وهي المعروفة باسم قضية لوكهيد والتي أصبحت رمزا للفساد السياسي وللروابط الخفية بين الساسة ورجال الأعمال وظلت المحاكم تتداولها لمدة‏19‏ سنة‏,‏ مات خلالها جميع المتهمين ومعظم الشهود‏!‏
ومن عجب أن هذه القضية تكشفت لأول مرة في الولايات المتحدة‏,‏ وبمحض المصادفة‏,‏ حيث كان أحد مديري شركة لوكهيد الأمريكية لصناعة الطائرات يدلي بشهادته أمام الكونجرس عندما ذكر عرضا أن أحد بنود ميزانية الشركة يتضمن تقديم إكراميات إلي بعض المسئولين في الدول الأجنبية لكي يوافقوا علي شراء منتجات الشركة‏..‏ ولم يتمالك الشاهد تحت ضغط الأسئلة المتلاحقة إلا أن يسرد أسماء الذين تلقوا الإكراميات‏,‏ وكان في مقدمتهم السيد كاكوي تاناكا رئيس وزراء اليابان في ذلك الوقت والذي كانت إكراميته خمسة ملايين دولار أمريكي‏.‏
ورأت ماكيكو والدها وهو يساق إلي المحكمة بعد أن أرغم علي الاستقالة‏,‏ ثم سمعت بأذنيها الحكم الصادر عليه من المحكمة الابتدائية والذي يقضي بسجنه أربع سنوات‏.‏
ولم يستطع الأب أن يحتمل هذه الفضيحة فأصيب بشلل في ذراعه اليمني وصعوبة في النطق ودخل إلي المستشفي‏,‏ وتولت ابنته الإشراف علي تمريضه وفي نفس الوقت متابعة الاستئناف المقدم منه‏,‏ ولكن المرض لم يمهله فقد قضي نحبه في ديسمبر‏1993,‏ قبل‏14‏ شهرا من صدور الحكم النهائي والذي جاء تأييدا للحكم الابتدائي ولدي وفاته كانت ثروته حوالي‏120‏ مليون دولار‏,‏ حصلت علي النصيب الأكبر من هذه التركه ابنته ماكيكو‏.‏
أما الحزب الديمقراطي الليبرالي الذي كان يتزعمه الأب‏,‏ فقد سقط في انتخابات يوليو‏1993,‏ بعد نحو‏40‏ سنة في الحكم‏,‏ تحت تأثير فضيحة لوكهيد وعدد من الفضائح الأخري المماثلة‏.‏
وخلال هذه السنين كانت ماكيكو قد أصبحت عضوا في مجلس النواب وتزوجت من زميل عضو بالمجلس واشتهرت خلال الجلسات البرلمانية باستجواباتها الجريئة واقتراحاتها البناءة واختيرت أخيرا رئيسة لوكالة العلوم والتكنولوجيا بدرجة وزير مما جعل رئيس الوزراء الجديد يختارها كأول وزيرة خارجية في تاريخ اليابان‏,‏ وذلك ضمن خمس وزيرات‏.‏ ومن الغريب أن بعض سفراء اليابان في الخارج لم يكونوا يعرفونها‏,‏ أو ربما لم يتوقعوا تعيينها لهذا المنصب البارز‏,‏ حتي أن أحدهم سأل طاقم سفارته‏:‏ من هي السيدة ماكيكو؟