
|
سويوز تي ـ إم32 |
 | |
بقلم ـ د. عبد المنعم سعيد
ربما يبدو هذا العنوان غير تقليدي, ولكنه سوف يكون معتادا في قادم الأيام, فقد سبق أن كانت هناك عناوين لرحلات جوية في المقالات والكتب وأفلام السينما, وكانت كلها تقول معلومات عن شركة الطيران ورقم الرحلة وموعد الإقلاع والبوابة التي ينطلق منها المسافرون, وكان معني ذلك أن بنية أساسية ضخمة قد تكونت مع اختراع الطائرات فكانت مصانع إنتاجها, والمطارات التي تطير فيها, وشركات تسويق استخدامها تجاريا للسياحة أو للشطارة. الآن لا يوجد كل ذلك بالنسبة لمركبات الفضاء والرحلات إلي العالم الخارجي, ولكن بدايات ذلك كله دخلت إلي الحياة العملية عندما قررت موسكو أن تقبل أول سائح علي ظهر مركبتها سويوز تي ـ إم32, وبالمصادفة كان الرجل أمريكيا, وبالمصادفة أيضا كان الرجل من رجال الأعمال, وبالمصادفة ثالثا كان الرجل غنيا جدا إلي الدرجة التي جعلته يدفع20 مليون دولار ثمنا لتذكرة الذهاب إلي الفضاء ومراقبة الكرة الأرضية من خارجها مع قضاء بضعة أيام ممتعة في المحطة الدولية الدائمة. وهكذا أصبح السيد دينيس تيتو أول إنسان يذهب إلي الدنيا خارج الكرة الأرضية باعتباره إنسانا عاديا في الطريق إلي رحلة دفع ثمنها, وهو بالتالي مثل أول إنسان ركب القطار عندما كان يسير بسرعة لا تزيد علي ستة كليو مترات في الساعة, وأول إنسان يركب السيارة بدلا من الحصان, وأول إنسان يركب الطائرة لغير الأغراض العلمية أو الحربية. ولو تخيلنا كل ذلك الذي حدث بعد وجود هذا الراكب الأول فربما عرفنا ما الذي سوف يحدث بعد رحلة دينيس تيتو. القطارات تحولت إلي محطات هائلة, وقدرات فائقة علي اختراق المسافات, ونقل البضائع والبشر, وربط أجزاء الدول حتي إنه يصعب تخيل وجود الولايات المتحدة كدولة لو لم توجد السكك الحديدية. والسيارات حدث معها نفس الشيء, وبعد أن كانت أضحوكة وسائل النقل لأنها باستمرار تحتاج غذاء خاصا لا يمكن توافره بذات السهولة التي يتوافر بها غذاء الحصان, فقد اندثر هذا الأخير كوسيلة نقل, وامتدت الطرق الممهدة للسيارات, وبعدها محطات البنزين, ومعه تطورت صناعة هائلة للنفط, وشركات صناعية وتجارية كبري. أول سائح للفضاء الخارجي لن يجد أيا من ذلك موجودا, ولكنه سوف يطلق إشارة الانطلاق, ومن المتخيل أن تكون هناك خلال نصف القرن القادم محطات كثيرة في كل دولة, أو ربما يوضع عدد من المحطات علي خط الاستواء وتذهب إليها الطائرات بالركاب الذين ينطلقون منها إلي المركبات الفضائية, التي عليها البقاء لإعادة التموين بضع ساعات في المحطة الفضائية الدائمة قبل الانطلاق إلي الكوكب المعني. فكما نجد التكامل الآن بين وسائل النقل المختلفة, حيث يرتبط كل مطار بشبكة الطرق البرية والحديدية وربما البحرية أحيانا, فليس بعيدا أن يحدث ذلك مع دمج وسائل السفر إلي الفضاء معها. ويبدو أن بعض المشكلات التي عرفناها في السابق, ونعرف بعضها حاليا عن مصاعب السفر ومشاقه بدأت بالفعل في الظهور, فبينما كانت مركبة سويوز تستعد للانطلاق ومعها أول سائح فضائي حتي أعلنت وكالة ناسا الأمريكية استحالة حدوث ذلك لأن هناك مشاكل في الحواسب الآلية للمحطة يقوم المكوك إينديفر بإصلاحها وهو يحتل الرصيف الوحيد المتاح في المحطة, فضلا عن انشغال المحطة بأعمال أخري منها تركيب الذراع الآلية الكندية كندرام2 حتي يمكن إعادة مركبة التموين الإيطالية رافيللو إلي المكوك. الصورة هنا لا تختلف كثيرا عما يحدث في أي مطار دولي, عندما يطلب من الطائرات عدم الانطلاق من بلادها لأن, مطار الاستقبال لديه زحمة طائرات, أو أن هناك ظروفا جوية طارئة مثل الضباب والعواصف الرعدية, أو بسبب الإضراب من جانب عمال المطار كما يحدث في معظم الأيام في المطارات الإيطالية. لكن يبدو أن المشكلات التي سوف يواجهها دينيس تيتو أكبر من المعضلات الفنية أو بسبب الظروف الطبيعية الصعبة. فكما ظهر من تطور الأحداث أن هناك عناصر سياسية قد دخلت الموضوع, فالجانب الأمريكي ممثلا في وكالة ناسا غير متحمس لأن يقوم أول مواطن أمريكي سائح بالذهاب إلي الفضاء الخارجي من خلال مركبة روسية. صحيح أن هناك اعتراضات فنية تثيرها الوكالة لأن الراكب غير مدرب, أو أن البرنامج الفضائي غير مؤهل بعد لاستقبال العامة, أو للخوف من المخاطر الجديدة في رحلة تحفها مخاطر هائلة بطبيعتها, لكن أيضا ليس مستبعدا أن تكون هناك أسباب أخري. فالولايات المتحدة لا تريد أن تستعيد أحداثا في الزمن الماضي باتت ذكري لا يريد أحد تذكرها عندما سبقت روسيا, أو الاتحاد السوفيتي آنذاك, الولايات المتحدة إلي الفضاء عندما أطلقت أول رحلة يقودها رائد الفضاء يوري جاجارين. أيامها هز هذا الحدث الأعصاب الأمريكية, وناسا لا تريد هزات جديدة بعد أن ظنت أنها قد حسمت سباق الفضاء لصالحها وإلي الأبد, فالوكالة الأمريكية هي التي تدفع الجانب الأكبر من التكلفة للمحطة الفضائية الدائمة لأنها لا تريد لأحد أن يفاجئها بمبادرات جديدة غير محسوبة. لكن بغض النظر عن الغيرة المهنية, أو استغلال المقدرة الاقتصادية, أو الخلاف في وجهات النظر الأمريكية والروسية بشأن المسألة الفضائية, فإن الأمريكيين وجدوا مشكلة في أن يسبقهم الروس الجدد في المسألة الرأسمالية إلي مسألة تجارية بحتة تعتقد الولايات المتحدة أن ذلك مصدر امتيازها وتفوقها. وهي كذلك لا تقبل بالطريقة البدائية التي بدأت بها روسيا الموضوع حيث سمحت لراكب فضائي واحد دفع20 مليون دولار فقط بالسفر إلي الفضاء, فما كانت أمريكا سوف تفعله هو أنها سوف تذيع من خلال مراكز علمية كثيرة كيف أن الخروج إلي الفضاء يطيل عمر الإنسان, وعلي الأرجح قدراته الجنسية أيضا, ومن الجائز أن حالة انعدام الوزن تقضي علي كل التجاعيد. وبعد ذلك تفتح الباب للآلاف المؤلفة معلنة أنها سوف تختار طبقة متميزة بحيث يشعر من يذهب بأنه سوف ينتمي إلي صفوة من نوع ما, حيث يذهب واحد تلو الآخر, ربما مصحوبا بزوجته حتي تتحقق السعادة الزوجية أو يتاح لأيهما الخلاص من الطرف الآخر علي مسافات بعيدة من الوطن. بعد ذلك كله سوف يتم تحديد السعر, وقد يكون أكبر أو أصغر مما قدرته روسيا, لكنه في كل الأحوال سوف يكون متصلا بعملية كبري وشبكة هائلة من المصالح التجارية والصناعية التي ستسدد كل ما دفعته أمريكا علي برنامج الفضاء منذ بدايته حتي لحظة جلوس أول السائحين إلي الفضاء في مقعده في الطريق إلي السماء. هل هذه أحلام أو تخيلات لا أساس لها, من لا يصدق عليه أن يعود إلي التاريخ, وسوف يجد كل ذلك ممكنا تماما.
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|