
|
تجاوز للخطوط الحمراء |
 | |
د. محمد السعيد إدريس
منذ أن وضعت إسرائيل للعرب خطوطا ملونة لضبط سلوكياتهم ومواقفهم وهم ـ أي العرب ـ ليسوا أقل حرصا من إسرائيل علي مراعاة الأصول في التعامل مع هذه الخطوط والتمييز بين ما هو أحمر منها وما هو أخضر, في وقت لا تعرف هي ـ أي إسرائيل ـ أي حدود أو قيود في العمل مع العرب خصوصا إذا كان الأمر يتعلق بالأمن الإسرائيلي سواء كان أمن الدولة أم أمن الأفراد, بدليل تسابق الجرافات مع الدبابات والطائرات والصواريخ الإسرائيلية في تدمير وإفناء الوجود العربي في فلسطين, البشر والمزارع والمنازل والمنشآت, كله معرض للتدمير والإفناء مادام ذلك هو الوجه الآخر للمستقبل الذي يريده الإسرائيليون وفق ما يطمح الحاخام عوفيديا يوسف بإفراغ فلسطين من العرب. أحد الالتزامات الفلسطينية الجادة بخطوط إسرائيل الحمراء منها بصفة خاصة كان اعتقال السلطة الفلسطينية للدكتور عبدالعزيز الرنتيسي الناطق باسم حركة حماس في غزة بدعوي أنه تجاوز الخطوط الحمراء. والخطوط الحمراء التي تجاوزها الرنتيسي واستوجبت اعتقاله تتلخص في إعلانه عددا من اللاءات اعتبر أنها ضرورية في الوقت الراهن الذي تذبح فيه الانتفاضة وشعبها وسط حالة من الصمت العربي المريب لاءات الرنتيسي قالها أمام حشد جماهيري ضخم في جباليا لرفض معاودة التنسيق الأمني الفلسطيني ـ الإسرائيلي حيث أكد علي أن الشعب الفلسطيني خرج ليقول للعالم أجمع إنه لا خيار للمفاوضات, ولا للاحتلال الصهيوني, ولا للعودة إلي النكوص والضعف, ولا للمبادرة المصرية ـ الأردنية. قرار اعتقال الرنتيسي تزامن مع قرار آخر أصدره ما يسمي بـ مجلس الأمن القومي الفلسطيني بحل لجان المقاومة الشعبية التابعة لحركة فتح والتي يقع عليها العبء الأكبر من عمليات الانتفاضة, في وقت كان يتجه فيه وزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيريز إلي القاهرة ومن بعدها إلي العقبة للبحث في تفاصيل المبادرة المصرية ـ الأردنية. هذه الإجراءات التي اتخذتها السلطة الفلسطينية هدفها المباشر ـ كما أعلن ـ هو إعادة الهدوء للضفة وغزة تمهيدا لاستئناف المفاوضات مع الإسرائيليين, أما المعني الحقيقي ـ دون أي تجميل لفظي ـ فهو وقف الانتفاضة, نعم وقف الانتفاضة, ولذلك جاء رفض لجان المقاومة الشعبية التي هي بمثابة الجناح العسكري لحركة فتح لقرار حلها وللاعتقالات التي تجريها السلطة, وهو الرفض الذي يوحي بإمكانية حدوث انشقاقات بين السلطة والجماهير في واحدة من أسوأ تجارب الكفاح الوطني الفلسطيني. لقد جرب الفلسطينيون علي حد قول الأخ مروان البرغوثي القيادي الفتحاوي المميز في صفوف الانتفاضة الحالية, شكل المقاومة عن طريق الطلائع الثورية الفلسطينية من خارج أرض فلسطين في مرحلة ما قبل الانتفاضة الأولي عام1987, ثم جربوا مرحلة المقاومة عن طريق الشعب من الداخل في السنوات القليلة للانتفاضة الأولي التي أجهضتها اتفاقيات سلام مدريد, وجاءت انتفاضة الأقصي الراهنة كتجربة جديدة للتلاحم بين الشعب والقيادة, بين الجماهير والسلطة داخل فلسطين, وكان الأمل أن تأتي هذه التجربة الثالثة بأفضل النتائج, ولم يتوقع أحد أن تكون النتيجة صداما بين القيادة والجماهير. المشهد الآن داخل الأراضي الفلسطينية( مناطق الحكم الذاتي) يبدو علي النحو التالي: ـ السلطة الفلسطينية تدرك فداحة الموقف بسبب العنف الدموي الإسرائيلي والنتائج شديدة السلبية للحصار المفروض علي الضفة والقطاع وتسعي لاستئناف المفاوضات ووقف دائرة العنف بعد أن فشلت في الحصول علي حماية دولية بسبب الفيتو الأمريكي, وأنه لم يعد هناك مجال لاستمرار استنزاف القدرات الفلسطينية( البشرية والمادية) أكثر من ذلك مادامت الدول العربية لم توفر الضمانات والشروط الكافية والضرورية لاستمرار الانتفاضة. ـ كوادر الانتفاضة سواء في صفوف حركة فتح أم فصائل المقاومة الإسلامية( حماس والجهاد) ترفض ما يسمي بوقف العنف وإعادة الهدوء واستئناف المفاوضات دون الحصول علي مكاسب سياسية جادة تؤمن مسيرة السلام, وتري أن وقف الانتفاضة في ظل سياسة الإرهاب الإسرائيلي هو تمكين لشارون من كسب رهاناته وبالذات رهانه الذي وعد به ناخبيه بإنهاء الانتفاضة دون تقديم أي تنازلات, وعدم تمكين الفلسطينيين من امتلاك القدرة علي إجبار إسرائيل علي تقديم تنازلات سياسية. ـ صمت عربي مريب وفراغ سياسي يخلو من أي قدرة علي فعل شيء باستثناء المبادرة المصرية ـ الأردنية التي تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه بوقف دائرة العنف. وقف العنف أصبح مطلبا عربيا ليغطي علي العجز العربي الكامل عن فعل شيء يؤدي إلي نجاح الانتفاضة في تحقيق أهدافها, كما أنه يعني بالنسبة للسلطة الفلسطينية إنقاذ ما يمكن إنقاذه من بقايا تأسيس كيان فلسطيني, أما بالنسبة للشعب الذي قدم الشهداء فإنه يعني تبديد الحلم الفلسطيني في استعادة الحقوق واستسلام كامل أمام المشروع الصهيوني. الكل الآن أمام المأزق التاريخي, بل إنه وبوضوح أكثر أمام الخطوط الحمراء الإسرائيلية. أهم هذه الخطوط الحمراء هي إفراغ أرض فلسطين من شعبها لتتسع أمام الشعب اليهودي أو ما يسمي بـ الشعب اليهودي إذ أن أرض فلسطين الضيقة لا تتسع لشعبين, وشارون الذي بحكم الآن هو صاحب مشروع الخيار الأردني للفلسطينيين, أو استبدال الشتات اليهودي بالشتات الفلسطيني يعود اليهود أو يستعمر اليهود فلسطين ويخرج الفلسطينيون إلي الشتات. شارون يسعي الآن إلي عودة مليون يهودي أخرين إلي فلسطين في القريب العاجل علي غرار عودة مليون يهودي في العقد الماضي من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق, وينظر حاليا إلي حوالي نصف مليون يهودي في أمريكا اللاتينية( الأرجنتين وفنزويلا والمكسيك والبرازيل بصفة خاصة) ويطمح في أن يأتي نصف المليون الآخر من جنوب إفريقيا وفرنسا وأوكرانيا. وعندما يعود هؤلاء لن تكفي المستوطنات الحالية لاستيعابهم ولن يكون لديهم من بديل إلا بناء مستوطنات جديدة علي ما تبقي من أرض فلسطين. مشروع شارون هو المأزق التاريخي الحقيقي أمام العرب, وهم يفكرون في كيفية الخروج من مأزق وقف أم استمرار الانتفاضة وعندما يتعامل العرب بجدية مع مشروع شارون الذي ليس له غير معني واحد هو عبثية عملية السلام فإنهم لن يجدوا من بديل غير تجاوز خطوطه الحمراء.
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|