215‏السنة 123-العدد2001مايو5‏11من صفر 1422 هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
علم و تكنولوجيا
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
برج الحظ
المحطة الأخيرة
مقالات

سيمفونية الجازورين والكافور

محمد حبوشة

كنا بالأمس البعيد صغارا في قريتنا الصغيرة الهادئة التي تحتضن شاطيء البحر الصغير‏,‏ نستمتع بالطبيعة الريفية الساحرة‏,‏ حيث كان البساط الأخضر يكسو كامل التراب ومن حوله الأشجار تزين الجداول علي أقصي مرمي للبصر‏.‏
وخلال تلك السيمفونية الخضراء كانت الألوان الأخري تتباري في محاولة للسيطرة علي جميع جوانب اللوحة‏,‏ فكان الأصفر لون زهرة القطن العتيقة يتحدي الأبيض لون زهرة البرسيم‏,‏ قبل أن يتحول الأول إلي الأحمر القاني الذي يبشر بنضج لوزة القطن‏,‏ وتحول الثاني إلي البني الداكن عندما يعلن استواء بذور البرسيم وشحوب الأوراق الخضراء عندما تضعف الأعواد في رحلة الوداع الأخير‏.‏
وبالطبع كانت تسكن البيوت الطينية اللبنية أبرز مكان في تلك اللوحة الطبيعية الساحرة‏,‏ وتشكل خطوطا متعرجة في صورة أزقة وشوارع وميادين فسيحة نلهو طوال الليل في فنائها الواسع ويجمعنا السمر الصيفي الرائق بعد أن عصفت بأجسادنا أوراق الكتب في المدارس والجامعات مثلما تعصف الرياح الباردة بأعواد الكافور والتوت في مواسم الخريف معلنة قدوم الربيع والزهر والندي والنحلات الصغيرات تطن في الأذن فرحا وتهليلا بالخير القادم‏.‏
واليوم نعود نفس البشر العادين الذين عاشوا في أركان وأحضان جوانب تلك اللوحة لنجد أن البيوت الخرسانية‏,‏ قد سيطرت بفعل زحفها الكاسح علي ذلك البساط الأخضر‏,‏ وشوهت ذلك المنظر الطبيعي البديع تتنافس فيما بينها بفعل فلوس النفط التي لم يدرك أصحابها قيمة العرق والجهد الذي بذل‏,‏ حيث تنتهي رحلة الشتاء في تشييد تلك البيوت التي تتراوح في ملامحها بينن الطرز المعمارية الإسلامية والأمريكية التي يجسد نموذجها واحة البيت الأبيض الشهيرة‏.‏
يأتي أهلنا من بلاد النفط ويستعيرون في رحلة وداعهم مدن الخليج‏,‏ النموذج الأمريكي والإنجليزي والأسباني والإيطالي في البناء‏,‏ ولا أدري كيف يتآلف الفلاح أو المواطن المصري البسيط مع تلك الأبنية‏,‏ وينسي بيته الطيني الحاني بجواره تقطن مواشيه ودواجنه التي أصبحت الآن من تراث الماضي البغيض علي حد تعبير أحدهم‏.‏
رحم الله قريتنا عندما كانت حضنا يتسع للقاصي والداني والقريب والبعيد‏,‏ والغريب الذي كان يبحث عن موطن أمان‏,‏ رحم الله أهلنا الطيبين الذين أدركوا قيمة تلك الطبيعة الساحرة‏,‏ وعلي روحهم السلام حيث مازالوا يرقدون في مقابرهم تحت أشجار التوت العتيقة ويسمعون سيمفونية الجازورين والكافور‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا