215‏السنة 123-العدد2001مايو5‏11من صفر 1422 هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
علم و تكنولوجيا
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
برج الحظ
المحطة الأخيرة
مقالات

قانون الجمعيات والحرية‏:‏
أوامرك يا حكومة‏!‏

بقلم‏:‏ نبيل عبدالفتاح

نقاشات عديدة دارات ـ ولا تزال ـ حول مشروعات قانونية عديدة قبل أن تطرح علي السلطة التشريعية من قبل الحكومة‏,‏ وأحيانا من بعض النواب‏,‏ ومع ذلك لا نجد لها انعكاسا مؤثرا علي مسار بعض المناقشات أثناء عرضها علي مجلس الشوري والشعب‏!‏
غالبا ما يثار سؤال من المثقفين وغالبية الناس ما قيمة الحوار‏,‏ أو الجدل أو السجال علي مشروعات القوانين مادام لا يؤخذ بالآراء الجادة والتي تتسم بالتوازن والاعتدال في الرؤية‏,‏ أو النزعة إلي الإصلاح السياسي والاجتماعي؟‏!‏
بعض مشروعات القوانين الحيوية في مجال الحريات العامة وحقوق الإنسان‏,‏ والجمعيات الأهلية غالبا لا تتأثر بالاتجاهات الإصلاحية ورؤاها النقدية البناءة‏,‏ يمكنك أن تراقب الحوارات حول مشروع قانون الجمعيات والمؤسسات الأهلية الجديد ـ القديم‏!,‏ أو الرهن العقاري‏,‏ أو الملكية الفكرية‏,‏ أو غيرها من القوانين‏,‏ ولن تجد ظلا إيجابيا للاقتراحات أو الآراء التي تطرحها الصحف علي النقاشات إلا فيما ندر من استثناءات‏!‏ في المجالات الحيوية يلعب النقاش والجدل والخلاف في وجهات النظر‏,‏ دورا حيويا في إنضاج الرؤي المختلفة عبر أطروحاتها العديدة‏,‏ وتفتح الباب لمعرفة الجوانب السلبية في أثناء إعداد القانون ومدي دقة صياغته من الناحية الفنية‏,.‏
هناك مزايا عديدة يمكن للحوار أو الجدل أو السجال‏,‏ والخلاف عموما بين رجال القانون‏,‏ والصحافة‏,‏ والسياسة أن يحققها خارج البرلمان منها تمثيلا لا حصرا‏:‏ أن استطلاع آراء بعض المتخصصين من رجال الفقه أو الجماعة القانونية عموما‏,‏ يؤدي إلي كشفهم عن مدي تناقض النصوص أو انسجامها في بنية المشروع التشريعي المقترح‏,‏ ومدي تصادمه أو اتفاقه مع المباديء القانونية والقضائية العامة التي استقرت في التطبيق‏,‏ ويمكن أن تؤدي وجهات النظر الفقهية إلي الكشف عن بعض الجوانب التي تتصل بمدي دستورية المشروع المقترح رجال السياسية من المعارضة أو المستقلين دورهم مهم في النظر إلي القانون من زاوية الحريات السياسية‏,‏ أو مدي انعكاس القانون المقترح علي التطور الديمقراطي‏,‏ أو علي الثقافة السياسية من منظور الحث علي دعم الحياة السياسية والحزبية‏,‏ وجذب الناس إلي دائرتها أم إبعادهم عنها‏!‏ ومن ناحية أخري ينظر الرجل السياسي إلي مشروعات القوانين من زوايا المصالح الاجتماعية للفئات الاجتماعية التي يمثل التعبير عن مصالحها في خطابه السياسي‏,‏ أو في عمله الحزبي أو البرلماني أو الإعلامي‏,‏ من ثم يمكن للسياسي‏,‏ والقانوني بل والمثقف والإعلامي أن يسهموا في إنضاج عملية إعداد التشريع‏,‏ أو التأثير علي مسارات النقاش حوله في البرلمان أو في إطار المجموعات الوزارية ثم مزايا عديدة أخري منها أن النقاش خارج البرلمان في الأحزاب ووسائل الإعلام وعبر آليات المجتمع المدني ـ الذي يتشكل ـ يسهم في دفع عمليات إنتاج التشريع قدما نحو الارتقاء بها‏,‏ وفي تعزيز عملية المقرطة الشعبية للسياسة التشريعية ـ إذا أجاز التعبير ـ ونقصد بذلك مساهمة فئات عديدة ـ أيا كان حجمها ـ لا تشارك في المناقشات البرلمانية أو الحكومية في الحوار أو الجدل أو السجال حول القوانين‏,‏ وبما يساعد علي تطوير وإبداع أشكال جديدة للمشاركة السياسية‏,‏ وقد يؤدي إلي إنتاج جماعات وآليات للضغط والتأثير لتحقيق الفئات الاجتماعية والجماعات السياسية لمصالحها أثنناء عملية تقنين بعض هذه المصالح أو المساس بها في البرلمان‏,‏ ويؤدي الحوار والجدل حول القوانين وظيفة مهمة في مجال التصدي للمشروعات التي تقيد الحريات الأساسية‏,‏ أو تمس حقوق بعض الفئات علي مستوي الممارسات السياسية والديمقراطية‏.‏علي الرغم من الانتقادات التي وجهت إلي القانون الحكومي الذي أعد للجمعيات الأهلية أثناء إعداده من نشطاء الجمعيات الأهلية‏,‏ ولا سيما المنظمات الدفاعية ورغما عن ما أبدته عناصر أهلية شاركت بتقديم مقترحات عديدة ومتوازنة أثناء إعداده إلا أن الذي عرض علي البرلمان ثم أقره ـ تحت رقم‏153‏ لسنة‏1999‏ ـ وصدر بعد ذلك وتم نشره لكي يطبق جاء عموما مشروع قانون الجمعيات والمؤسسات الأهلية مخيبا للآمال التي تعلقت بالاتجاه نحو إلغاء القانون رقم‏32‏ لسنة‏1964,‏ الخاص بالجمعيات والمؤسسات الخاصة ورغما عن اللامبالاة الحكومية بالرأي العام لنخبة المنظمات الدفاعية ـ ولا سيما الصغيرة منها ـ الساعي إلي مقرطة القانون‏,‏ والدفع نحو صياغة إصلاحية لقواعده‏,‏ تسهم في دعم الأنشطة الأهلية عموما‏,‏ وفي تنشيط الآليات الديمقراطية والشعبية تؤدي إلي إنتاج مبادرات طوعية في مجالات عديدة‏,‏ بعيدا عن أيدي الأجهزة البيروقراطية‏,‏ والإدارية لوزارة الشئون الاجتماعية‏,‏ وأيضا الأدوار الرقابية للسلطة الأمنية‏,‏ كان الهدف من هذا الاتجاه الإصلاحي عموما بغض النظر عن هؤلاء المدافعين عن غياب الشفافية والرقابة علي تمويل أنشطتهم من الخارج لمنع الكشف عن الإنحرافات المالية ـ هو تشجيع الناس علي الإنخراط في العمل الطوعي‏,‏ وإضفاء حيوية تؤسس علي المبادرات الشخصية ودون خشية أو تردد أو نزع الخوف عن العمل الأهلي‏,‏ والاتجاهات نحو التطوعية‏,‏ لاسيما في مجال حقوق الإنسان علي اختلافها‏,‏ ولا شك أن النزعةالتطوعية خفت صوتها في المجتمع المصري نظرا لعوامل عديدة‏,‏ منها تأميم المبادرة الفردية خلال عقود عديدة‏,‏ نظرا لخوف أجهزة الدولة وحكوماتها المتعاقبة من تحول العمل في الأطر الأهلية من المجال الخيري إلي المجال السياسي‏,‏ ومن ثم تشكل بؤر للعمل السياسي‏,‏ أو توظيف الجماعات السياسية المحجوبة عن الشرعية‏,‏ ولا سيما الماركسيين والليبراليين ـ ثم الناصريين فيما بعد ـ إلي استغلال المنظمات والجمعيات الأهلية في نشاطاتهم السياسية والحزبية‏.‏
أصبحت المنظمات الدفاعية والحقوقية ـ ما يسمي الآن بالحركة الاجتماعية الجديدة ـ تمثل الشيطان الجديد للحكومة ـ وغيرها من الحكومات العربية ـ أو مصادر الرعب والخوف الجديدة لاعتبارات عديدة منها علي سبيل المثال‏:‏ إنها قادرة عبر الآليات العولمية الجديدة أن تؤثر عبر تفاعلها مع نظائرها من المنظمات الدفاعية والحقوقية علي مستوي المجتمع المدني الكوني‏,‏ الذي يسهم في دعمها ماليا ومعنويا‏,‏ والأهم بالأدبيات والأفكار‏,‏ أن المنظمات الدفاعية هي الطلائع الجديدة للحركة الكونية الاجتماعية الجديدة ـ إذا جاز التعبير وساغ ـ وهي منظمات وحركة تتسم باستقلالية ـ ذات هوامش عديدة ـ عن الدول والمنظمات الدولية‏,‏ وقادرة علي التأثير في القرارات الدولية واتجاهاتها‏.‏ وفي هذا الإطار تخشي الحكومة أن تكون هذه الجمعيات أداة ضغط سياسية ضد سياساتها وقراراتها الداخلية‏!‏ هذا يرجع طبعا‏!‏ إلي أن النخبة السياسية الحاكمة لا تزال أفكارها وعقائدها السياسية والأمنية والإدارية تري أن الحكومة تصدر قراراتها فلا راد لها‏,‏ وأن الجميع عليهم الطاعة والتنفيذ أوامرك يا حكومة‏!‏ هذا الجمود الفكري للعقل السياسي التسلطي ونزعته اللاديمقراطية‏,‏ ينظر إلي نشطاء المجتمع المدني ـ تحت التشكيل ـ كمجموعة من الرعايا أو عبيد الدولة‏,‏ وهذا كان مفهوما في ظل دور تدخلي للدولة في الحياة الاجتماعية‏,‏ وفي توفير العمل والتعليم والصحة والترفيه والثقافة‏.‏ الآن تراجع دورها من المجال الاجتماعي والاقتصادي‏,‏ ووراءها جيوش من العاطلين‏,‏ والمرضي والفقراء والتعليم البائس والثقافة المتدهورة والإعلام المنهار‏...‏ ولاتزال ترفع شعارات وسيوف وقمع التسلطية فلم تعد تسمع‏,‏ ولا تري‏,‏ ولا تريد أن تتحاور مع نشطاء المجتمع الأهلي‏!‏ هل هذا ممكن‏!‏


للرد على المقال أضغط هنا