
|
حيل وأطماع وأياد خفية حرب الوكالات التجارية في السعودية |
 | |
جدة ـ هناء طوبار
الوكالات التجارية يعتبرها رجال الأعمال في دول الخليج الدجاجة التي تبيض ذهبا, ولذا أطلق عليها البعض الوكالات الذهبية. بل قد يعجز بعضهم عن الولوج في عالم التجارة, ما لم يكن صاحب وكالة, أو لديه القدرة علي السطو علي وكالة رجل أعمال آخر!! ولذا فالسباق محموم للجمع بين أكثر من وكالة, وربما لأنشطة وسلع متباينة. وفي السعودية بلغ الصراع مداه في السنوات الأخيرة, حيث سلك البعض طرق وأساليب ملتوية, لخطف وكالة تجارية من وكيلها الحالي, وتأججت المشكلة بإلغاء بعض الشركات الأجنبية عقد الوكالة مع الوكيل المعتمد, ونقلها آخر قبل انتهاء مدة العقد, أو عدم تجديده. والنتيجة عداءات ومشاحنات ومنافسة غير شريفة, عكرت صفو العلاقة بين رجال الأعمال, وكبدت بعضهم خسائر فادحة. ووسط هذا الصراع تثار عدة تساؤلات, حول ما إذا كانت تلك النزاعات نتيجة مباشرة وطبيعية للأطماع المستمرة للشركات الأجنبية, لتحقيق زيادة مضطردة في معدلات الربح, أم لمخالفات وتجاوزات يرتكبها الوكيل, قد تسيء إلي الشركة المنتجة, وتهدد مصالحها التجارية. وكيف يمكن كشف أساليب تلك الشركات, وتحقيق مصالح المستهلكين والمنتجين والوكلاء في معادلة مستقرة ومتوازنة. الواقع يؤكد زيادة معدل النزاع بين الشركات الأجنبية والوكلاء السعوديين, حيث ورد إلي الغرفة التجارية في جدة ما يقرب من50 شكوي خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة, تم عرضها علي لجنة التوفيق في منازعات الوكالات التجارية, برئاسة وكيل وزارة التجارة, التي نجحت في إنهاء بعض النزاعات بالطرق الودية, وتم إحالة ما تعذر منها إلي القضاء. وحول طبيعة القضايا المنظورة أمام تلك اللجنة يشير المستشار مصطفي صبري ـ مدير الإدارة القانونية في الغرفة التجارية في جدة ـ إلي أن أغلبها تقدم بها الوكيل السعودي, يطالب فيها بالتعويض عن إنهاء الوكالة من قبل الموكل الأجنبي.. وقليل منها قدمها الموكل الأجنبي ضد الوكيل السعودي, لرغبته في إنهاء الوكالة وتسجيل وكيل جديد, وهي قضايا وكالات لمنتجات أدوية طبية, ومستحضرات تجميل وعطور, ومواد غذائية ومنتجات أدوات صناعية, وأجهزة منزلية وخدمات سفر. وهناك قضايا يكون فيها طرف ثالث, يرغب في تسجيل الوكالة, والتعاقد مع الشركة الموكلة, وبالتالي ينشأ نزاع علي هذه الوكالة.. فالعقد ليس مؤبدا, بل محدد بعدة سنوات يتفق عليها الطرفان, ويتجدد برغبتهما, وعند انتهاء مدته يحق لأي منهما عدم التجديد. ويحدث الخلاف عادة حينما يرغب الموكل في عدم تجديد العقد, وبالتالي يطالب الوكيل بتعويض عن الوكالة.. وهنا يأتي دور لجنة التوفيق في منازعات الوكالات التجارية, في تقريب وجهات النظر, وإنهاء موضوع الخلاف بالتسوية الودية المرضية.
ظواهر غريبة
وإذا تركنا طبيعة النزاعات للبحث عن أسبابها الحقيقية, وهل تتمثل في إخلال الوكيل بنصوص العقد, أم رغبة الشركة الأجنبية في زيادة مبيعاتها, وتعيين وكيل جديد ذي قدرات مادية أفضل. بعض رجال الأعمال يؤكدون أن تلاعب المندوبين الذين يحصلون علي عمولة لإسقاط العميل الذي يعملون معه لصالح آخر, وعدهم بعمولة أكبر, يشكلون مافيا تلعب دورا كبيرا في إسقاط الوكلاء المعتمدين.. والبعض الآخر يري أن أحد رجال الأعمال, غالبا ما يبدي للشركة الأجنبية استعداده لتمثيلها, بعمولة أقل من العميل الحالي, بموجب عقد الوكالة المبرم بينهما, وتقديم وعود بتسويق أفضل, مما يحفز الشركة الأجنبية علي إنهاء وكالتها مع وكيلها. إضافة إلي عدم وجود ضمانات كافية في عقد الوكالة المبرم بينهما, مما يتيح للشركة الأجنبية إنهاء الوكالة في أي لحظة, وإعطاءها لمن يقدم عمولة أقل, وأحيانا يهمل الوكيل في خدمة وكالته التجارية, سواء في تقديم الخدمات للعملاء أم التسويق, أم في أمر يمس سمعة الشركة الأجنبية الموكلة, فلا تتردد في نقلها آخر يخدم مصالحها التجارية في المنطقة. ولكن رجل الأعمال عبدالله سلسلة يري أن هناك بعض الظواهر الغريبة والممارسات غير المبررة, التي تقوم بها بعض الشركات الأجنبية, وهي سحب أو إلغاء الوكالة من الوكيل المحلي, في الوقت الذي حقق فيه نجاحات كبيرة وملحوظة ومثبوتة, وقام بتمثيلهم في المملكة لسنوات طويلة جدا, مؤديا واجباته, ورغم ذلك تسحب الوكالات بشكل تعسفي وغير مبرر, وهذه التصرفات تخضع حتما لأنظمة دولية ممثلة في وزارة التجارة التي تحمي مصالح التجار والشركات المتضررة. أما فهد البترجي ـ رجل أعمال ـ فيؤكد أن هناك من يصل إلي غرضه بالدس بين الشركات والوكيل, لمجرد معرفته ببعض نقاط الخلاف بينهما, وكذلك بالحيلة والإغراءات, وبعض الوسائل الأخري, لكي يحقق مآربه, ويخطف الوكالات, وهذا يتناقض مع أخلاقنا وديننا السمح, الذي يحث علي عدم البيع علي البيع, والامتناع عن الاعتداء علي حقوق الآخرين, بل وضع قواعد للتعاملات بين الناس, أساسها الشرف والإخلاص وحب الخير. ويضيف البترجي: لدينا وكالات بعضها يصل إلي خمسين عاما, نتعاون معها بكل إخلاص وصدق, وقمنا بمجهود يعلمه الجميع لتأسيس اسم هذه الوكالات, وجاءتنا أخري جديدة, لا نقبلها إلا بعد إنهاء وضعهما بالتفاهم مع وكلائها السابقين. ولكن د. علي الدقاق ـ أستاذ الاقتصاد في جامعة الملك عبدالعزيز في جدة ـ يرجع السبب الرئيسي إلي غياب التشريعات الواضحة التي تحمي حقوق رجل الأعمال السعودي الوكيل تجاه الشركة الأم الموكل, مما يفتح العديد من الثغرات, التي قد تقود إلي سلوكيات غير حميدة كالسطو. وينفي المستشار صبري القول بإن الشركات المنتجة تنهي عقد الوكالة في أي وقت, وتنقلها إلي آخر مؤكدا أن ذلك يتم بانتهاء مدة الوكالة المحددة بالعقد, وتقوم بإخطار الوكيل قبل ذلك حسب المدة المحددة بالعقد, وعند المطالبة بالتعويضات المستحقة, من خلال لجنة التوفيق في منازعات الوكالات. ويختلف معه سلسلة مشيرا إلي أن الشركات الأجنبية قد تنهي عقد وكالتها مع الوكيل المحلي, وقد يحدث العكس, فالعلاقة بينهما تحكمها مصالح مشتركة, فإذا قصر طرف من الأطراف في التزاماته وواجباته, يخول للطرف المتضرر اتخاذ ما يراه محافظا لحقوقه وسمعته, وقف بنود العقد الموقع بين الطرفين, وما يقتضيه العرف التجاري. وغالبا ما يؤدي إنهاء عقد الوكالة في أي وقت, ومن طرف واحد وهو دائما الشركة الأم, ونقلها إلي وكيل آخر, إلي العديد من الآثار الاقتصادية والاجتماعية والنفسية, علي رجال الأعمال السعوديين, حيث تثير التنافس الحاد بينهم, وتؤثر علي السمعة التجارية للوكيل, الذي يرتبط اسمه باسم السلعة موضوع الوكالة, وقد تضررت كثير من التوكيلات السعوية ذات السمعة الطيبة من هذا الخطف, وخاصة التي بنت استثماراتها عليها, أملا في استمرارها وتجديدها بعد ذلك سنوات عديدة. ويشير د. الدقاق إلي الآثار الاقتصادية السلبية موضحا أنها تتمثل في تكاليف فقدان الاسم التجاري, والإجحاف في التعويضات, وخسارة الإنشاءات والتأسيسات والدراسات والجهود التسويقية السابقة, والتي يمثل بعضها, آثارا إيجابية للوكيل الجديد(Frwwride), إضافة إلي إمكانية نشوء بطالة مؤقتة, لحين إعادة التأسيس, إن لم تكن تكاليف تغيير النشاط مصحوبة بشروط تعجيزية من قبل الموكل الجديد, علاوة علي المصاريف الإدارية وتكاليف المحامين والدعاوي والسفر, والتي قد يترتب عليها ـ ولو عن طريق الشائعة ـ هزة لوضع رجل الأعمال المالي. ولا نغفل الأضرار الاجتماعية, وتتلخص في تكاليف اهتزاز السمعة التجارية والشخصية لرجل الأعمال, وعلاقاته داخليا وخارجيا, إضافة إلي الهزة التي تتعرض لها العلاقات الشخصية, والتي قد يصل بعضها إلي صلة الرحم, ولا يخفي ما تتركه هذه السلوكيات من آثار نفسية, كالشعور بالغبن والإحباط, الذي ينعكس علي إنتاجية رجل الأعمال ومنه علي محيطه.
فكرة مرفوضة
يري بعض المتخصصين أن حرب الوكالات ظاهرة صحية, وأن أسلوب الوكيل الوحيد مرفوض, لأنه يؤدي إلي الاحتكار, وغياب المنافسة الحقيقية, التي تسهم في خفض الأسعار, وتحسين مستوي الخدمات ولكن سلسلة يري أن ذلك غير صحيح, لأن المنافسة بين الشركات المثيلة للسلعة كبيرة, والبقاء للأفضل والأجود, ومن يهتمون بخدمات ما بعد البيع ويوافقه في الرأي البترجي مؤكدا أن ذلك لا ينطبق علي بعض الوكالات, فالدواء مثلا ليس سلعة رفاهية كالسيارات والثلاجات, ولا هو طعام أو مفروضات أو غيره, حتي يخطف البعض وكالاتها إن أراد, ولا يقوم التاجر بوضع أسعاره, وبالتالي يدخل في منافسه مع الغير, بل له تقاليده, ووزارة الصحة هي الجهة المختصة بتسعيره وليس الوكيل, ووضعت قواعد لذلك. ويوافق د. الدقاق علي القول بإن الوكيل الوحيد يؤدي إلي غياب المنافسة, خاصة في حالة غياب أو انعدام البدائل, وهذا الرفض موجه بالدرجة الأولي إلي الشركات الكبيرة, التي تحتكر منتجا معينا, خاصة إذا كان الطلب عليه غير مرن, وبالتالي يؤدي إلي احتكار غير مرغوب. وفي ظل تنامي النزاعات بين الشركات الأجنبية والوكلاء السعوديين, تلوح في الأفق الحاجة إلي سن مزيد من التشريعات لحماية رجل الأعمال السعودي, ولكن البعض يري أن نظام الوكالات التجارية ولائحته التنفيذية, والقرارات الوزارية الصادرة في شأن الوكالات والعقد الاستشاري الذي أعدته وزارة التجارة, يكفي لتنظيم العلاقة, بين الشركة الأجنبية الموكل بالوكيل السعودي, وتنص علي مسئوليات والتزامات وحقوق الطرفين. وأن لجنة التوفيق في منازعات الوكالات, كفيلة بذلك, حيث منحت سلطة إصدار قرار بعدم تسجيل وكالة جديدة, إلا بعد انتهاء النزاع بشأن الوكالة القديمة, إذا تأكدت من جدية النزاع. ولكن البترجي يطالب بحماية الوكيل, لمصلحة جميع الأطراف, ولتعم الثقة والأمان, وهما أساس التعامل التجاري, وذلك بوضع ضوابط تحكم انتقال الوكالات, خاصة في الحقل الطبي, للحد من خطف الوكالات.. ويقترح تشكيل لجنة لتقصي الحقائق, تجمع بين الوكيل والشركة, وتبحث في أوجه الخلاف وتطلب منهما التعاون لعلاج نقاط الخلاف تحت إشرافها. أما د. الدقاق فينصح رجال الأعمال المقبلين علي إبرام عقود مع وكالات أجنبية, بالحرص علي تسجيل وتصديق الوكالة في البلد الأم, وفي بلدهم وموطنهم, وفرض شروط جزائية تضمن لهم التعويضات المناسبة, في حالة نقض الاتفاق, أو السطو علي الوكالة, لأن الاسم والسمعة التجارية والحق الأدبي, لهما قيمتهما بلا شك.. ومن الناحية الاقتصادية, لابد من دراسة تاريخ المنتج والشركة الأم والمنافسة, وإمكانية التطوير, وتحقيق القيمة المضافة, ولو بصفة مبدئية, مما يعود بالنفع علي اقتصاد بلدهم. |
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|