215‏السنة 123-العدد2001مايو5‏11من صفر 1422 هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
علم و تكنولوجيا
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
برج الحظ
المحطة الأخيرة
مقالات

حيل وأطماع وأياد خفية
حرب الوكالات التجارية في السعودية

جدة ـ هناء طوبار

الوكالات التجارية يعتبرها رجال الأعمال في دول الخليج الدجاجة التي تبيض ذهبا‏,‏ ولذا أطلق عليها البعض الوكالات الذهبية‏.‏
بل قد يعجز بعضهم عن الولوج في عالم التجارة‏,‏ ما لم يكن صاحب وكالة‏,‏ أو لديه القدرة علي السطو علي وكالة رجل أعمال آخر‏!!‏ ولذا فالسباق محموم للجمع بين أكثر من وكالة‏,‏ وربما لأنشطة وسلع متباينة‏.‏
وفي السعودية بلغ الصراع مداه في السنوات الأخيرة‏,‏ حيث سلك البعض طرق وأساليب ملتوية‏,‏ لخطف وكالة تجارية من وكيلها الحالي‏,‏ وتأججت المشكلة بإلغاء بعض الشركات الأجنبية عقد الوكالة مع الوكيل المعتمد‏,‏ ونقلها آخر قبل انتهاء مدة العقد‏,‏ أو عدم تجديده‏.‏ والنتيجة عداءات ومشاحنات ومنافسة غير شريفة‏,‏ عكرت صفو العلاقة بين رجال الأعمال‏,‏ وكبدت بعضهم خسائر فادحة‏.‏
ووسط هذا الصراع تثار عدة تساؤلات‏,‏ حول ما إذا كانت تلك النزاعات نتيجة مباشرة وطبيعية للأطماع المستمرة للشركات الأجنبية‏,‏ لتحقيق زيادة مضطردة في معدلات الربح‏,‏ أم لمخالفات وتجاوزات يرتكبها الوكيل‏,‏ قد تسيء إلي الشركة المنتجة‏,‏ وتهدد مصالحها التجارية‏.‏
وكيف يمكن كشف أساليب تلك الشركات‏,‏ وتحقيق مصالح المستهلكين والمنتجين والوكلاء في معادلة مستقرة ومتوازنة‏.‏
الواقع يؤكد زيادة معدل النزاع بين الشركات الأجنبية والوكلاء السعوديين‏,‏ حيث ورد إلي الغرفة التجارية في جدة ما يقرب من‏50‏ شكوي خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة‏,‏ تم عرضها علي لجنة التوفيق في منازعات الوكالات التجارية‏,‏ برئاسة وكيل وزارة التجارة‏,‏ التي نجحت في إنهاء بعض النزاعات بالطرق الودية‏,‏ وتم إحالة ما تعذر منها إلي القضاء‏.‏
وحول طبيعة القضايا المنظورة أمام تلك اللجنة يشير المستشار مصطفي صبري ـ مدير الإدارة القانونية في الغرفة التجارية في جدة ـ إلي أن أغلبها تقدم بها الوكيل السعودي‏,‏ يطالب فيها بالتعويض عن إنهاء الوكالة من قبل الموكل الأجنبي‏..‏ وقليل منها قدمها الموكل الأجنبي ضد الوكيل السعودي‏,‏ لرغبته في إنهاء الوكالة وتسجيل وكيل جديد‏,‏ وهي قضايا وكالات لمنتجات أدوية طبية‏,‏ ومستحضرات تجميل وعطور‏,‏ ومواد غذائية ومنتجات أدوات صناعية‏,‏ وأجهزة منزلية وخدمات سفر‏.‏
وهناك قضايا يكون فيها طرف ثالث‏,‏ يرغب في تسجيل الوكالة‏,‏ والتعاقد مع الشركة الموكلة‏,‏ وبالتالي ينشأ نزاع علي هذه الوكالة‏..‏ فالعقد ليس مؤبدا‏,‏ بل محدد بعدة سنوات يتفق عليها الطرفان‏,‏ ويتجدد برغبتهما‏,‏ وعند انتهاء مدته يحق لأي منهما عدم التجديد‏.‏
ويحدث الخلاف عادة حينما يرغب الموكل في عدم تجديد العقد‏,‏ وبالتالي يطالب الوكيل بتعويض عن الوكالة‏..‏ وهنا يأتي دور لجنة التوفيق في منازعات الوكالات التجارية‏,‏ في تقريب وجهات النظر‏,‏ وإنهاء موضوع الخلاف بالتسوية الودية المرضية‏.‏

ظواهر غريبة


وإذا تركنا طبيعة النزاعات للبحث عن أسبابها الحقيقية‏,‏ وهل تتمثل في إخلال الوكيل بنصوص العقد‏,‏ أم رغبة الشركة الأجنبية في زيادة مبيعاتها‏,‏ وتعيين وكيل جديد ذي قدرات مادية أفضل‏.‏
بعض رجال الأعمال يؤكدون أن تلاعب المندوبين الذين يحصلون علي عمولة لإسقاط العميل الذي يعملون معه لصالح آخر‏,‏ وعدهم بعمولة أكبر‏,‏ يشكلون مافيا تلعب دورا كبيرا في إسقاط الوكلاء المعتمدين‏..‏ والبعض الآخر يري أن أحد رجال الأعمال‏,‏ غالبا ما يبدي للشركة الأجنبية استعداده لتمثيلها‏,‏ بعمولة أقل من العميل الحالي‏,‏ بموجب عقد الوكالة المبرم بينهما‏,‏ وتقديم وعود بتسويق أفضل‏,‏ مما يحفز الشركة الأجنبية علي إنهاء وكالتها مع وكيلها‏.‏
إضافة إلي عدم وجود ضمانات كافية في عقد الوكالة المبرم بينهما‏,‏ مما يتيح للشركة الأجنبية إنهاء الوكالة في أي لحظة‏,‏ وإعطاءها لمن يقدم عمولة أقل‏,‏ وأحيانا يهمل الوكيل في خدمة وكالته التجارية‏,‏ سواء في تقديم الخدمات للعملاء أم التسويق‏,‏ أم في أمر يمس سمعة الشركة الأجنبية الموكلة‏,‏ فلا تتردد في نقلها آخر يخدم مصالحها التجارية في المنطقة‏.‏
ولكن رجل الأعمال عبدالله سلسلة يري أن هناك بعض الظواهر الغريبة والممارسات غير المبررة‏,‏ التي تقوم بها بعض الشركات الأجنبية‏,‏ وهي سحب أو إلغاء الوكالة من الوكيل المحلي‏,‏ في الوقت الذي حقق فيه نجاحات كبيرة وملحوظة ومثبوتة‏,‏ وقام بتمثيلهم في المملكة لسنوات طويلة جدا‏,‏ مؤديا واجباته‏,‏ ورغم ذلك تسحب الوكالات بشكل تعسفي وغير مبرر‏,‏ وهذه التصرفات تخضع حتما لأنظمة دولية ممثلة في وزارة التجارة التي تحمي مصالح التجار والشركات المتضررة‏.‏
أما فهد البترجي ـ رجل أعمال ـ فيؤكد أن هناك من يصل إلي غرضه بالدس بين الشركات والوكيل‏,‏ لمجرد معرفته ببعض نقاط الخلاف بينهما‏,‏ وكذلك بالحيلة والإغراءات‏,‏ وبعض الوسائل الأخري‏,‏ لكي يحقق مآربه‏,‏ ويخطف الوكالات‏,‏ وهذا يتناقض مع أخلاقنا وديننا السمح‏,‏ الذي يحث علي عدم البيع علي البيع‏,‏ والامتناع عن الاعتداء علي حقوق الآخرين‏,‏ بل وضع قواعد للتعاملات بين الناس‏,‏ أساسها الشرف والإخلاص وحب الخير‏.‏
ويضيف البترجي‏:‏ لدينا وكالات بعضها يصل إلي خمسين عاما‏,‏ نتعاون معها بكل إخلاص وصدق‏,‏ وقمنا بمجهود يعلمه الجميع لتأسيس اسم هذه الوكالات‏,‏ وجاءتنا أخري جديدة‏,‏ لا نقبلها إلا بعد إنهاء وضعهما بالتفاهم مع وكلائها السابقين‏.‏
ولكن د‏.‏ علي الدقاق ـ أستاذ الاقتصاد في جامعة الملك عبدالعزيز في جدة ـ يرجع السبب الرئيسي إلي غياب التشريعات الواضحة التي تحمي حقوق رجل الأعمال السعودي الوكيل تجاه الشركة الأم الموكل‏,‏ مما يفتح العديد من الثغرات‏,‏ التي قد تقود إلي سلوكيات غير حميدة كالسطو‏.‏
وينفي المستشار صبري القول بإن الشركات المنتجة تنهي عقد الوكالة في أي وقت‏,‏ وتنقلها إلي آخر مؤكدا أن ذلك يتم بانتهاء مدة الوكالة المحددة بالعقد‏,‏ وتقوم بإخطار الوكيل قبل ذلك حسب المدة المحددة بالعقد‏,‏ وعند المطالبة بالتعويضات المستحقة‏,‏ من خلال لجنة التوفيق في منازعات الوكالات‏.‏ ويختلف معه سلسلة مشيرا إلي أن الشركات الأجنبية قد تنهي عقد وكالتها مع الوكيل المحلي‏,‏ وقد يحدث العكس‏,‏ فالعلاقة بينهما تحكمها مصالح مشتركة‏,‏ فإذا قصر طرف من الأطراف في التزاماته وواجباته‏,‏ يخول للطرف المتضرر اتخاذ ما يراه محافظا لحقوقه وسمعته‏,‏ وقف بنود العقد الموقع بين الطرفين‏,‏ وما يقتضيه العرف التجاري‏.‏
وغالبا ما يؤدي إنهاء عقد الوكالة في أي وقت‏,‏ ومن طرف واحد وهو دائما الشركة الأم‏,‏ ونقلها إلي وكيل آخر‏,‏ إلي العديد من الآثار الاقتصادية والاجتماعية والنفسية‏,‏ علي رجال الأعمال السعوديين‏,‏ حيث تثير التنافس الحاد بينهم‏,‏ وتؤثر علي السمعة التجارية للوكيل‏,‏ الذي يرتبط اسمه باسم السلعة موضوع الوكالة‏,‏ وقد تضررت كثير من التوكيلات السعوية ذات السمعة الطيبة من هذا الخطف‏,‏ وخاصة التي بنت استثماراتها عليها‏,‏ أملا في استمرارها وتجديدها بعد ذلك سنوات عديدة‏.‏
ويشير د‏.‏ الدقاق إلي الآثار الاقتصادية السلبية موضحا أنها تتمثل في تكاليف فقدان الاسم التجاري‏,‏ والإجحاف في التعويضات‏,‏ وخسارة الإنشاءات والتأسيسات والدراسات والجهود التسويقية السابقة‏,‏ والتي يمثل بعضها‏,‏ آثارا إيجابية للوكيل الجديد‏(Frwwride),‏ إضافة إلي إمكانية نشوء بطالة مؤقتة‏,‏ لحين إعادة التأسيس‏,‏ إن لم تكن تكاليف تغيير النشاط مصحوبة بشروط تعجيزية من قبل الموكل الجديد‏,‏ علاوة علي المصاريف الإدارية وتكاليف المحامين والدعاوي والسفر‏,‏ والتي قد يترتب عليها ـ ولو عن طريق الشائعة ـ هزة لوضع رجل الأعمال المالي‏.‏
ولا نغفل الأضرار الاجتماعية‏,‏ وتتلخص في تكاليف اهتزاز السمعة التجارية والشخصية لرجل الأعمال‏,‏ وعلاقاته داخليا وخارجيا‏,‏ إضافة إلي الهزة التي تتعرض لها العلاقات الشخصية‏,‏ والتي قد يصل بعضها إلي صلة الرحم‏,‏ ولا يخفي ما تتركه هذه السلوكيات من آثار نفسية‏,‏ كالشعور بالغبن والإحباط‏,‏ الذي ينعكس علي إنتاجية رجل الأعمال ومنه علي محيطه‏.‏

فكرة مرفوضة


يري بعض المتخصصين أن حرب الوكالات ظاهرة صحية‏,‏ وأن أسلوب الوكيل الوحيد مرفوض‏,‏ لأنه يؤدي إلي الاحتكار‏,‏ وغياب المنافسة الحقيقية‏,‏ التي تسهم في خفض الأسعار‏,‏ وتحسين مستوي الخدمات ولكن سلسلة يري أن ذلك غير صحيح‏,‏ لأن المنافسة بين الشركات المثيلة للسلعة كبيرة‏,‏ والبقاء للأفضل والأجود‏,‏ ومن يهتمون بخدمات ما بعد البيع ويوافقه في الرأي البترجي مؤكدا أن ذلك لا ينطبق علي بعض الوكالات‏,‏ فالدواء مثلا ليس سلعة رفاهية كالسيارات والثلاجات‏,‏ ولا هو طعام أو مفروضات أو غيره‏,‏ حتي يخطف البعض وكالاتها إن أراد‏,‏ ولا يقوم التاجر بوضع أسعاره‏,‏ وبالتالي يدخل في منافسه مع الغير‏,‏ بل له تقاليده‏,‏ ووزارة الصحة هي الجهة المختصة بتسعيره وليس الوكيل‏,‏ ووضعت قواعد لذلك‏.‏
ويوافق د‏.‏ الدقاق علي القول بإن الوكيل الوحيد يؤدي إلي غياب المنافسة‏,‏ خاصة في حالة غياب أو انعدام البدائل‏,‏ وهذا الرفض موجه بالدرجة الأولي إلي الشركات الكبيرة‏,‏ التي تحتكر منتجا معينا‏,‏ خاصة إذا كان الطلب عليه غير مرن‏,‏ وبالتالي يؤدي إلي احتكار غير مرغوب‏.‏
وفي ظل تنامي النزاعات بين الشركات الأجنبية والوكلاء السعوديين‏,‏ تلوح في الأفق الحاجة إلي سن مزيد من التشريعات لحماية رجل الأعمال السعودي‏,‏ ولكن البعض يري أن نظام الوكالات التجارية ولائحته التنفيذية‏,‏ والقرارات الوزارية الصادرة في شأن الوكالات والعقد الاستشاري الذي أعدته وزارة التجارة‏,‏ يكفي لتنظيم العلاقة‏,‏ بين الشركة الأجنبية الموكل بالوكيل السعودي‏,‏ وتنص علي مسئوليات والتزامات وحقوق الطرفين‏.‏
وأن لجنة التوفيق في منازعات الوكالات‏,‏ كفيلة بذلك‏,‏ حيث منحت سلطة إصدار قرار بعدم تسجيل وكالة جديدة‏,‏ إلا بعد انتهاء النزاع بشأن الوكالة القديمة‏,‏ إذا تأكدت من جدية النزاع‏.‏
ولكن البترجي يطالب بحماية الوكيل‏,‏ لمصلحة جميع الأطراف‏,‏ ولتعم الثقة والأمان‏,‏ وهما أساس التعامل التجاري‏,‏ وذلك بوضع ضوابط تحكم انتقال الوكالات‏,‏ خاصة في الحقل الطبي‏,‏ للحد من خطف الوكالات‏..‏ ويقترح تشكيل لجنة لتقصي الحقائق‏,‏ تجمع بين الوكيل والشركة‏,‏ وتبحث في أوجه الخلاف وتطلب منهما التعاون لعلاج نقاط الخلاف تحت إشرافها‏.‏
أما د‏.‏ الدقاق فينصح رجال الأعمال المقبلين علي إبرام عقود مع وكالات أجنبية‏,‏ بالحرص علي تسجيل وتصديق الوكالة في البلد الأم‏,‏ وفي بلدهم وموطنهم‏,‏ وفرض شروط جزائية تضمن لهم التعويضات المناسبة‏,‏ في حالة نقض الاتفاق‏,‏ أو السطو علي الوكالة‏,‏ لأن الاسم والسمعة التجارية والحق الأدبي‏,‏ لهما قيمتهما بلا شك‏..‏ ومن الناحية الاقتصادية‏,‏ لابد من دراسة تاريخ المنتج والشركة الأم والمنافسة‏,‏ وإمكانية التطوير‏,‏ وتحقيق القيمة المضافة‏,‏ ولو بصفة مبدئية‏,‏ مما يعود بالنفع علي اقتصاد بلدهم‏.‏