215‏السنة 123-العدد2001مايو5‏11من صفر 1422 هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
علم و تكنولوجيا
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
برج الحظ
المحطة الأخيرة
مقالات

توجهات واشنطن تثير القلق في المنطقة
سياسة موسكو الخارجية تلقي قبولا عربيا

تقرير ـ محمد حمدي

خلال شهر واحد شهدت العاصمة الروسية موسكو زيارات عربية مهمة بدأت بالرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة مرورا بمسئولين كبار من العراق وسوريا واليمن وأخيرا جاءت زيارة الرئيس حسني مبارك لتعيد تقليب أوراق الشرق الأوسط من جديد ويصبح السؤال الأكثر طرحا علي الساحة السياسية‏.‏ هل تعود روسيا إلي الشرق الأوسط‏,‏ وتتجه المنطقة شرقا؟
منذ اليوم الأول لوصول الرئيس مبارك إلي موسكو نشطت ماكينة الإعلام الغربية ـ التي انزعجت من هذه الزيارة في ترويج واختلاق أنباء متعددة لعل أبرزها الحديث عن قطع الرئيس مبارك زيارته إلي موسكو ثم الحديث عن التعاون النووي بين البلدين وهو ما دعا وزير الخارجية الروسي إيجور إيفانوف للتأكيد علي أن الشائعات العديدة التي رافقت الزيارة تعكس قلقا غربيا من ناحية وتؤكد نجاح هذه الزيارة من ناحية أخري‏.‏
وربما لم يكن هذا الانزعاج الأمريكي باديا للعيان في الزيارت اليمنية والعراقية والسورية وحتي الجزائرية رغم أن وضع هذه الزيارات في منظومة واحدة قد يخرج باجتهادات عن توجهات عربية جديدة‏.‏ لكن ماضي هذه الدول الأربع واستمرار علاقاتها المميزة مع روسيا بعد حل الاتحاد السوفيتي لم يكن مبعث قلق بقدر ما أحدثته زيارة مبارك التي اعتبرها محللون غربيون ـ نظرا لمكانة مصر باعتبارها بوصلة التوجه العربي ـ انقلابا في السياسات العربية تجاه موسكو وتحولا في اهتمامات موسكو الشرق أوسطية‏.‏
وجاء توقيع إعلان المباديء للصداقة والتعاون بين مصر وروسيا ليزيد من هذه المخاوف ويرجح كفة التكهنات‏,‏ باعتبار الإعلان أول إطار للعلاقة منذ‏25‏ عاما حين ألغي الرئيس الراحل أنور السادات عام‏1976‏ معاهدة الصداقة المصرية ـ السوفيتية‏,‏ واعتبر ذلك وقتها بداية تحول مصري وبالتالي عربي في اتجاه واشنطن‏.‏
ويتجلي الانزعاج الأمريكي في دراسة أعدها مركز واشنطن للدراسات السياسية والإستراتيجية أخيرا حول ملامح التقارب العربي ـ الروسي في ظل قيادة الرئيس بوتين‏.‏
وتري الدراسة أن استمرار الولايات المتحدة في العمل علي إضعاف موسكو واعتماد مبادرة الدفاع الإستراتيجي سيؤدي إلي انتهاج سياسة خارجية روسية تسمح لموسكو خلال سنوات قليلة بإحياء النظام العالمي ثنائي القطبية أو حتي متعدد الأقطاب‏.‏
وترصد الدراسة في هذا الصدد تحولات في السياسة الخارجية لروسيا يقودها العسكريون الذين ينتمي إليهم الرئيس بوتين لاستعادة النفوذ في مناطق متعددة من العالم أبرزها آسيا عبر توسيع وتمتين العلاقات مع الهند والصين وباكستان وإيران‏,‏ وأوروبيا عبر دعم العلاقة مع دول أوروبا الشرقية لعرقلة الرغبة الأمريكية في توسيع حلف شمال الأطلنطي‏(‏ الناتو‏)‏ الذي تعتبره موسكو يهدد الأمن القومي الروسي‏,‏ ووفقا للدراسة الأمريكية فإن الشرق الأوسط في صلب السياسة الروسية الجديدة حيث تسعي موسكو إلي استعادة مواقعها السابقة في المنطقة وزادت عليها مواقع في منطقة الخليج‏.‏
في المقابل ومن منظور عربي يرصد السفير صلاح بسيوني سفير مصر الأسبق في موسكو ومهندس إعادة العلاقات الدبلوماسية المصرية ـ الروسية عام‏1984‏ ملامح السياسة الروسية الجديدة في الشرق الأوسط ويؤكد أن موسكو علي سبيل المثال تعيد صياغة مفهوم أمن الخليج وفقا لرؤيا لا تقوم علي الحماية العسكرية بتكلفتها الباهظة كما يفعل الأمريكيون ولا حتي بالوجود العسكري المكثف والذي أصبح ينظر إليه بشكوك من المواطنين الخليجيين‏,‏ ويرتكز هذا المفهوم علي صياغة أمنية جديدة تقوم روسيا من خلالها بدور الضامن لأمن الدول الخليجية من خلال علاقاتها العسكرية والسياسية المميزة مع كل من إيران والعراق‏,‏ وبمعني آخر ـ كما يقول بسيوني ـ فإن موسكو قدمت للخليج احتواء من نوع جديد‏.‏
الخطاب الروسي في الخليج ليس هو المتغير الوحيد في السياسة الروسية تجاه الشرق الأوسط‏,‏ فإضافة إلي العلاقات المميزة مع سوريا باعتبارها المورد الوحيد للأسلحة إليها فإن روسيا تطرح من خلال علاقاتها مع إسرائيل خطابا جديدا يدعو إلي الاستقرار والأمن والسلام من باب كسب الثقة والمصداقية والمواقع‏,‏ وكرسالة إلي الأطراف العربية مفادها أن روسيا لا تسعي إلي توريط أي طرف عربي في مواجهة سواء مع إسرائيل أم الولايات المتحدة‏.‏
وإذا كانت موسكو منزعجة من المحاولات الأمريكية لتهميشها فإن العرب يبدون أكثر انزعاجا في ظل الإدارة الجمهورية وبدا هذا الانزعاج واضحا حين جاء وزير الخارجية الأمريكي كولن باول في جولته الأولي للشرق الأوسط والتي اعتبرها العرب بداية للتفاهم مع الإدارة الجديدة لتحديد المفاهيم التي تستمر علي أساسها عملية السلام‏.‏ لكن باول عاد إلي واشنطن من الشرق الأوسط تاركا خلفه تلالا من الإحباط‏,‏ ففي حين كان القادة العرب الذين يمتلكون علاقات وثيقة مع واشنطن يطرحون وجهة نظرهم للعملية السلمية وفقا للشرعية الدولية‏,‏ كان باول أكثر اهتماما بالحصول علي دعم عربي لإحياء تحالف دولي جديد ضد العراق‏...‏ وفي السكة ألقي باول قنبلته الأولي بإعلانه نية الإدارة الأمريكية في نقل سفارتها من تل أبيب إلي القدس‏.‏
ربما عند هذا الحد أدرك القادة العرب أن واشنطن تسير في اتجاه مخالف وتريد شحن العرب في قطار واحد لا يستطيع قائد عربي واحد أن يستقله في ضوء الإجماع الشعبي علي إنهاء الحصار علي العراق‏,‏ وعلي أن إسرائيل هي مصدر التهديد الرئيسي للأمن والاستقرار والسلام وللحق في الحياة لكن هل اتخذ العرب قرارا بالتحول شرقا؟
من السابق لأوانه القول هذه اللحظة إن هناك قرارا في هذا الاتجاه ـ حسب الدكتور حسن نافعة رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة القاهرة ـ لأنه لا توجد رؤية عربية موحدة حول أي شيء حتي توحد هذه الرؤية مع موسكو‏,‏ لكنه في نفس الوقت يشير إلي وجود إحساس عربي بضرورة استعادة الدور الروسي في المنطقة ووجود تحرك من روسيا دفاعا عن مصالحها في المنطقة وبرغم أن الدور الروسي المرتقب لا يمكن مقارنته بالدور الذي كان يلعبه الاتحاد السوفيتي السابق‏,‏ إلا أنه دور يختلف عن الدور المتردد الذي لعبته روسيا في التسعينيات واتساع هذا الدور من آسيا إلي الشرق الأوسط يتيح نظرة مختلفة للدور الروسي‏.‏
لكن دورا روسيا جديدا في الشرق الأوسط يتطلب علاقات خاصة ومميزة مع القاهرة‏,‏ فمصر هي مفتاح النفوذ في الشرق الأوسط وقد جاء السوفيت إلي المنطقة عن طريق مصر في الخمسينيات وغادروها علي يدها في السبعينيات‏.‏
المتابع للزيارة التي قام بها الرئيس مبارك إلي موسكو يلحظ تحولات عديدة ومهمة واتفاقات ربما تقوم علي أنقاض اتفاقات شبيهة كانت مصر وقعتها مع أمريكا وهناك ملاحظتان مهتمتان أولاهام‏:‏ أن الاتفاق علي آلية للتعاون السياسي والإستراتيجي والاقتصادي بين القاهرة وموسكو‏,‏ يأتي عقب تحولات أمريكية يعتبرها الخبراء سلبية كان أبرزها عدم الحماسة من جانب الإدارة الجمهورية لاستمرار الشراكة الاقتصادية المصرية ـ الأمريكية‏.‏
مبادرة مبارك ـ آل جور وانبثق عنها من آليات المجلس الرئاسي المصري ـ الأمريكي إلي جانب لجنة الحوار الإستراتيجي التي كان قد تم الاتفاق علي تأسيسهما مع الإدارة الديمقراطية السابقة‏.‏
والملاحظة الثانية أنه في ظل الأزمة الصامتة بين القاهرة وواشنطن بسبب تحميل نتائج التحقيقات الأمريكية في حادث سقوط الطائرة المصرية عام‏1999‏ مساعد الطيار مسئولية سقوطها ما يلحق الأذي الاقتصادي بشركة مصر للطيران وبسمعة طياريها‏,‏ ورفض الجانب الأمريكي التحقيق في أسباب أخري كعيوب في الطائرة طراز بوينج‏767‏ أو التشويش الراداري العسكري الأمريكي‏,‏ في ظل ذلك جاء الاتفاق علي شراء وإيجار عدد كبير من طائرات الركاب الروسية طراز توبوليف‏204‏ ربما كرسالة ذات مغزي تحمل شكوكا مصرية في صناعة الطائرات الأمريكية القاهرة ورغم العلاقات المميزة مع واشنطن لا يمكنها أن تتحمل وحدها فاتورة التراجع الأمريكي الخارجي‏,‏ وتغليب المصلحة الأمريكية‏,‏ فقط علي الدور الذي يفترض أن تقوم به واشنطن باعتبارها القوة الأولي في العالم المعنية بالحفاظ علي الأمن والاستقرار وصناعة السلام وربما لأن الرسائل المصرية والروسية وصلت وأصابت أهدافها فإن الردود التي استهدفت نشر الشائعات حول الزيارة وأهدافها تؤكد أن واشنطن أدركت حقيقة التحولات التي بدأت تدب في الشرق الأوسط وأن الفراغ الذي تركه الغياب الأمريكي لابد من أن يتم ملؤه حتي ولو بإحياء دور روسي مواز للدور الأمريكي ما قد يدفع الإدارة الجمهورية إلي إعادة التفكير مجددا في سياساتها الخارجية‏.‏