
|
الأمازيغية تنفجر عندما يهدأ الإرهاب لغز الشرارة التي أشعلت منطقة القبائل في الجزائر |
 | |
الجزائر ـ نصر القفاص
سقط الطالب جرماح ماسينيسا البالغ من العمر20 عاما, قتيلا علي يد أحد رجال الأمن في منطقة القبائل.. فانفجرت حركة تمرد واسعة, كان وقودها طلبة وتلاميذ مدارس حي أمزور في ولاية تيزي وزو ـ100 كيلو متر شرق العاصمة ـ ثم امتدت النار التي بدا أن هناك من يسكب عليها البنزين, إلي ولايتي بجاية والبويرة.. الحادث بدا للوهلة الأولي أنه عابر, ولن يحتاج لأية إجراءات استثنائية لطي صفحته.. وبالتالي لم يتوقع أحد أن يتحول حادث عابر, إلي قضية تتطلب تدخل فرق مكافحة الشغب لتطويق الشباب المتمرد, وترويض الغضب الجامح!! فإذا بالأمر يتحول إلي كارثة يسقط خلال أحداثها المثيرة أكثر من40 مواطنا قتلي ونحو300 مصابين بجروح متفاوتة الخطورة.. بينهم عدد لم يتم حصره من قوات الأمن. وتعود فصول هذه الأحداث التي هزت الجزائر إلي يوم أن انتقلت فرقة من رجال الأمن إلي إحدي المدارس الثانوية في الحي الذي اندلعت منه الشرارة.. وهناك قبضت علي3 من الطلبة, كانوا في طريقهم مع مدرس التربية الرياضية إلي ملعب المدرسة.. واقتيد الطلبة الثلاثة إلي مركز الشرطة.. لكن الشاب جرماح ماسينيسا لم يتحمل إهانات الشرطي, وحاول الهرب فما كان منه إلا أن حاول تهديده برصاصة أطلقها عليه, فأصابته لينقل علي إثرها إلي مستشفي العاصمة وهناك لفظ أنفاسه وتجمع شباب المنطقة وشرعوا في رشق الشرطة بالحجارة وبالزجاجات الحارقة.. وبسرعة البرق احتدت المواجهة التي تتفاقم يوما بعد الآخر, ولم تفلح محاولات والد الضحية, ودعوته للشباب بأن يتعقلوا ويهدأوا ويعودوا إلي منازلهم حتي إقالة رئيس إدارة أمن المنطقة وإحالة رجل الأمن الجاني للتحقيق لم توقف زحف الشباب الذين كانوا ينددون بما أسموه الحقرة أي تعسف السلطة ضد المواطنين وهذا ما أبرزه حسين آيت أحمد زعيم حزب جبهة القوي الاشتراكية ـ أحد أبرز أحزاب المعارضة ـ والذي يعتمد في عضويته علي أبناء المنطقة, في رسالة بعث بها إلي لجنة حقوق الإنسان التابعة لهيئة الأمم المتحدة, طالبها فيها بإرسال لجنة تحقيق دولية لتقصي الحقائق حول الأحداث الدامية!! وعلي جانب آخر تدخلت السلطات الرسمية بإصدار أمر تطويق المنطقة وتعزيز الإمدادات الأمنية, في عدة أحياء من ولاية تيزي وزو التي تحولت بين عشية وضحاها إلي منطقة مكنوبة.. مشلولة الحركة تسيطر عليها حالة الغضب والمظاهرات العنيفة, رفعت خلالها شعارات تندد بالنظام وانتقلت موجة العنف إلي ولايتي بجاية ـ300 كيلو مترا شرق العاصمة ـ والبويرة ـ70 كيلو متر شرق العاصمة ـ وحدث ما حدث من مواجهات عنيفة. اختلط فيها غضب الشباب مع الكبار الذين أمطروا رجال الأمن بالحجارة والزجاجات الحارقة.. ولم تنجح الشرطة في إنقاذ ما يمكن إنقاذه, من مباني المؤسسات الحكومية التي تحولت إلي حطام بعد أن أحرقها المتظاهرون.. الأمر الذي استدعي تدخل يزيد زرهوني وزير الداخلية, حيث انتقل إلي مقر ولايتي بجاية وتيزي وزو, وهناك التقي بالمسئولين عن السلطات المحلية واستقبل المواطنين الذي شكوا له أحوالهم وطالبوا الوزير بتحسين أوضاعهم الاجتماعية.. ولكن الأحداث كانت قد أخذت منعطفا آخر, لتتحول إلي انتفاضة جماهيرية تعيد للذاكرة الأحداث التي سبق أن شهدتها الجزائر في5 أكتوبر عام1988, عندما خرج آلاف المواطنين في مختلف أنحاء البلاد لمطالبة السلطة بتحسين أوضاعهم المعيشية ثم كان الانفجار الذي امتد لسنوات سقط خلالها أكثر من مائة ألف قتيل. وتقلبت صفحات أحداث منطقة القبائل هذه المرة, بغرض العودة إلي تفاصيل قضية الهوية الأمازيغية, وما يعرف بالأزمة البربرية وماذا تعني عبارة الربيع الأمازيغي؟؟ ومطالبة سكان منطقة القبائل باعتبار الأمازيغية لغة وطنية.. وما التنطيمات السياسية التي وقفت في الظل والعلن منذ ثورة الجزائر لرفع رأية القضية البربرية في الجزائر تحديدا؟ هنا يقول مبروك بلحسين مؤرخ جزائري الأمازيغ( البربر) منتشرون في شمال إفريقيا في المغرب العربي, بثقافته العربية والإسلامية منذ القرن السابع الهجري.. لكنها تحولت إلي مطلب سياسي وثقافي ولغوي خلال السنوات الأخيرة. وتبني حزب جبهة القوي الاشتراكية عقب الاستقلال المطلب البربري.. لتتأسس الحركة الأمازيغية المسلحة, وكانت الأوضاع ـ آنذاك ـ مرشحة للتصعيد, وتنذر بأزمة داخلية خطيرة خلال السنوات الأولي من استقلال البلاد.. حتي أن جريدة الشعب الرسمية وصفت حزب آيت أحمد بأنه يتبني حركة تمرد أمازيغية هدفها الانفصال.. أما الرأي العام فقد اعتبر هذه الحركة طعنة موجهة ضد الوحدة الوطنية بعد استرجاع الجزائر لاستقلالها.. وفقد الجناح المسلح لجبهة القوي الاشتراكية ـ الأفافاس ـ وعددهم500 عضو, لينتقل إلي العمل السري, بعد العفو عن حسين آيت أحمد الذي غادر البلاد إلي فرنسا وبالموازاة مع هذه الأحداث أعلن في باريس عن تأسيس الأكاديمية البربرية علي يد أمحند أعرب الذي كان ضابطا في جيش التحرير وانتقل للعيش في فرنسا قبل إعلان انتصار الثورة وهناك نشر كتابا تحت عنوان الأفافاس أمل.. أم خدعة انتقد فيه آيت أحمد ورفاقه واعتبر أن القضية البربرية قد تلقت طعنة من داخل الحزب. وقفزا علي الأحداث لنصل إلي ربيع عام1980, لتنفجر أحداث شغب لأول مرة بمنطقة القبائل في عهد الجزائر المستقلة بعد وفاة الرئيس هواري بومدين, حيث خرج مئات المتظاهرين إلي شوارع ولاية تيزي وزو وطالبوا بتأسيس اتحاد لمنطقة القبائل, وطرحوا مطلب الاستقلال اللغوي والحضاري ويقال إن حزب جبهة القوي الاشتراكية كان وراء هذه الأحداث, الذي جرت العادة علي الاحتفال بها سنويا تحت اسم الربيع الأمازيغي لتولد بعد ذلك الحركة الثقافية البربرية التي تزعمها الفنان القبائلي المعروف فرحات مهني وسعيد سعدي الذي أسس مطلع التسعينيات حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية العضو في الائتلاف الحكومي حاليا. ثم نظمت الحركة الثقافية البربرية عام1995, إضراب المحطة الذي قلب أوراق الأزمة الأمازيغية التي ما فتأت تعود للسكون وأعلنت سنة بدون دراسة شملت كل المناطق التعليمية في منطقة القبائل للضغط علي السلطة وحملها علي الاعتراف باللغة الأمازيغية ويقول فرحات مهني أحد منظمي الإضراب.. ما شجعني علي الإضراب هو قرار العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني بالاعتراف الأمازيغية كلغة وطنية وكان هذه المرة المطلب مركزا علي تعليم الأمازيغية في المدرسة وتحقق المطلب بعض مخاض عسير ليرتقي إلي إذاعة أخبار باللهجة الأمازيغية علي قناة التليفزيون الرسمية لأول مرة في تاريخ الجزائر المستقلة.. ثم إعلان تشكيل المحافظة السامية الأمازيغية التي تتكفل برعاية تعليمها. الآن وبعد سقوط الأرواح وتحطيم المباني والمؤسسات الحكومية تحركت الآلة السياسية عساها أن تطفيء نار الفتنة التي بدأت تأخذ أبعادا داخلية بعد أن انتشرت عدوي التمرد إلي ولايات أخري من الوطن كولايات وهران ـ400 كليو متر غرب العاصمة ـ وسطيف ـ350 كيلو مترا شرق العاصمة ـ وبومرداس ـ50 كيلو متر شرق العاصمة ـ وحتي إلي العاصمة حيث انتفض عشرات الطلبة في داخل الحرم الجامعي,وحاولوا الخروج في مظاهرات إلي الشوارع الرئيسية لكن قوات الأمن منعتهم من ذلك, بعد أن طوقت كل الكليات والجامعات وما أعاد السكينة إلي الطلبة والمواطنين هو إعلان رئاسة الجمهورية عن خطاب ألقاه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة علي الهواء في الإذاعة والتليفزيون وتوالت بيانات التنديد والإعراب عن الأسف التي أصدرتها الأحزاب السياسية والتنظيمات الشعبية حول الأحداث.. وطالبت الرئيس بالتدخل لتفادي الكارثة, حتي إن سعيد سعدي زعيم حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية هدد بالانسحاب من الاتئلاف الحكومي والتنازل عن الحقيبتين الوزاريتين وقال لن أشارك حكومة تقتل أبناء الجزائر بالرصاص الحي والمتفجر والواجب الوطني والالتزام بالحريات والديمقراطية يلزمان علي الحزب اتخاذ قرار سياسي حازم في أقرب الآجال واتهم زعيم الحزب السلطات الأمنية الرابضة في المنطقة بأنها وراء تفجر الأحداث.. وقال إن التجار وأصحاب الممتلكات سئموا من الإجراءات التعسفية التي يتخذها ضدهم رجال الأمن وهذا ما شجع علي اتساع رقعة الأحداث.. إلي جانب توغل عناصر من الجماعات الإسلامية المسلحة التي يقودها حسان حطاب في صفوف المتظاهرين ليهاجموا فرق الأمن ويضيف قائلا: لقد حرض الإرهابيون المواطنين للهجوم علي مقرات الأمن والثكنات العسكرية. وأيا كانت النتائج فإن مجلس الشعب الجزائري يدرس الآن مشروع فتح نقاش عام حول الوضع بحثا عن تحرك سياسي لمواجهة الخطر الذي بات يهدد استقرار البلاد.. ودعت كل الكتل البرلمانية إلي تطويق الأزمة قبل استفحالها, من خلال الاحتكام إلي الحوار الحضاري.. ومن المرتقب أن يتوجه النواب إلي منطقة القبائل للالتقاء بالمواطنين ودعوتهم إلي الهدوء ومن جهته أصدر مجلس الشوري بيانا تأسف فيه عن سقوط الضحايا وناشد كل الفئات السياسية إلي التدخل لحل الأزمة.
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|