
|
صدامات مع أوروبا والصين وانسحاب من الشرق الأوسط والبلقان تقويم عربي لمائة يوم من رئاسة بوش.. قيل في معرض للخزف |
د. جمال عبد الجواد
مبادرة الدفاع ضد الصواريخ. توتر العلاقات مع روسيا والصين وأوربا, الغارة الجوية علي العراق, الامتناع عن القيام بدور نشيط في البحث عن السلام في الشرق الأوسط, التلويح بسحب المشاركة الأمريكية من عمليات حفظ السلام في البلقان وسيناء ورفض الانضمام إلي معاهدة كيوتو للحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض. قائمة طويلة من السياسات والإجراءات التي اتبعتها إدارة الرئيس جورج بوش خلال عمرها القصير الذي لم يتجاوز المائة يوم بعد والتي كانت كفيلة بإثارة الكثير من القلق وفي تصعيد مشاعر الغضب ضد الولايات المتحدة وسياساتها في مناطق مختلفة من العالم. تعبر إدارة الرئيس بوش تعبيرا كلاسيكيا عن التيار الانعزالي في الفكر السياسي الأمريكي. ويظهر هذا الميل أكثر ما يظهر في مبادرة الدفاع ضد الصواريخ التي تعتبرها إدارة الرئيس بوش حجر الزاوية في السياسة الدفاعية للإدارة الجديدة. وجوهر هذه المبادرة هو بناء شبكة من الأسلحة القادرة علي حماية الأراضي الأمريكية ضد أي هجوم صاروخي قد تتعرض له الولايات المتحدة الأمريكية. يعلل اليمين الأمريكي تمسكه بهذه المبادرة بانتشار الصواريخ بعيدة المدي وأسلحة الدمار الشامل في دول مارقة لا تلتزم بقواعد القانون الدولي وتقودها أنظمة قد لا تتورع عن استخدام هذه الأسلحة خاصة في ظل تعرضها لظروف وأزمات داخلية اقتصادية وسياسية قد تري في الهجوم علي الولايات المتحدة مخرجا منها. وبينما لا يخلو هذا التحليل من وجاهة كافية من وجهة نظر صانعي السياسات الأمنية في الولايات المتحدة فإن وصول الولايات المتحدة إلي مستوي التأمين الكامل ضد أي هجوم صاروخي محدود قد تشنه عليها كوريا الشمالية أو إيران أو جماعة إرهابية أو حتي عصابة إجرامية جيدة التسليح والتنظيم يثير مخاوف الدول النووية الكبري في العالم فالنظام المقترح للدفاع ضد الصواريخ لا يميز بين الصواريخ علي أساس جنسيتها وحماية أمريكا لنفسها من هجوم قد تشنه عليها كوريا الشمالية أو غيرها يعني في نفس الوقت قدرتها علي التصدي لهجوم روسي أو صيني. وتري موسكو وبكين في النظام الأمريكي للدفاع ضد الصواريخ تهديدا لأمنها فالولايات المتحدة القادرة علي الدفاع عن نفسها ضد الصواريخ قد تخضع لإغراء الهجوم علي منافسيها الكبار من أمثال روسيا والصين دون خوف من العقاب الذي يمكن للأسلحة الصاروخية المملوكة لهذه الدول أن توقعه بها في ضربة عسكرية انتقامية لقد قامت معادلة الأمن في ظل الأسلحة غير التقليدية والصاروخية علي أساس اكتفاء القوي الدولية الكبري بتحقيق أمن نسبي يقوم علي الانكشاف الأمني النسبي المتبادل وهي المعادلة التي لا تروق لليمين الانعزالي في واشنطن فهو يسعي إلي تحقيق الأمن المطلق للولايات المتحدة ليس فقط علي حساب القوي الرئيسية الأخري في النظام الدولي ولكن أيضا من أجل تحقيق مكسب أمني محدود قد يكون تخيليا أكثر منه حقيقيا. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف حرصت إدارة الرئيس بوش علي إظهار مواطن الضعف في النظام الحالي للحد من انتشار الأسلحة غير التقليدية والصواريخ البعيدة المدي الحاملة لها. وبدلا من العمل بجد أكبر لسد الثغرات الموجودة في هذا النظام تعمدت إدارة الرئيس بوش إظهار ضعفه من أجل مضاعفة الشعور بالتهديد في أوساط معينة خاصة في أوساط الناخب الأمريكي الذي تعتبره الإدارة الأمريكية الطرف الوحيد المعني بهذه المسألة. وقد ظهر هذا الاتجاه واضحا في عدم حرص الإدارة الجديدة علي متابعة المفاوضات مع كوريا الشمالية حول التسلح النووي والصاروخي لهذا البلد وفي إبطاء الجهود الأمريكية الرامية للحد من التعاون العسكري بين موسكو وطهران. وباختصار فإن الإدارة الأمريكية تغامر برفع مستويات التهديد والتوتر في العالم من أجل تمرير مشروع الدفاع الصاروخي لينتهي الأمر بها في النهاية وقد عززت من أمنها القومي علي حساب جميع الأطراف الأخري في النظام الدولي. وتمثل الأزمة الأخيرة التي نشبت بين بكين وواشنطن بمناسبة حادث التصادم الذي وقع بين المقاتلة الصينية وطائرة التجسس الأمريكية نتيجة مباشرة للتغير الحادث في السياسة الأمريكية تحت إدارة الرئيس بوش. فبرغم أن الرواية الأمريكية حول مسئولية المقاتلة الصينية عن الحادث تبدو أقرب للدقة بحكم الفارق الكبير في السرعة والقدرة علي المناورة بين الطائرتين فإن الأجواء التي خلقتها إدارة بوش تعد هي المسئول الرئيسي عن وقوع الحادث. فالتجسس الأمريكي علي الصين ليس أمرا مستحدثا واستخدام الطائرات إي بي3 إي في التنصت علي شبكات الاتصالات الصينية ليس بالأمر الجديد وبينما اعتادت بكين عدم إعطاء أهمية كبيرة لهذا الأمر وربما اعتبرته جزءا من آليات الشفافية الضرورية لتمكين النظام الدقيق للأمن الدولي من العمل بكفاءة أكبر فإن هذا التسامح أو التفهم قد أصبح في غير محله في ظل السياسة الأمريكية الجديدة. وحسب التقارير الأمريكية فإن المقاتلات الصينية أصبحت في الفترة الأخيرة أكثر عدوانية في اعتراض طائرات التجسس الأمريكية الأمر الذي زادت معه احتمالات وقوع الحوادث وهو ما حدث بالفعل فتسبب في أزمة خطيرة في العلاقات بين البلدين وهي الأزمة التي يمكن لها أن تؤثر سلبيا علي الأمن العالمي. وهكذا فإن إدارة الرئيس بوش تتعامل مع الأمن الأمريكي كقيمة مطلقة وليس كقيمة نسبية ضمن ظروف وقيود معينة قائمة في النظام الدولي. وتمتد هذه النظرة للأمن الأمريكي إلي بقية جوانب ومكونات المصلحة القومية الأمريكية فالإدارة الجديدة تميل للاقتصاد الشديد في تعريف المصلحة القومية الأمريكية بحيث لا يتضمن هذا التعريف ما يمكن اعتباره- من وجهة نظر اليمين الأمريكي- اهتماما زائدا لا لزوم له. فالرئيس بوش ومنظرو سياساته الخارجية يعتقدون أن الليبراليين ممثلين في الرئيس كلينتون قد أفرطوا في إضافة قضايا واهتمامات إلي قائمة المصالح القومية الأمريكية مثل التوصل إلي سلام في الشرق الأوسط أو وضع حد للحروب العرقية والدينية في أوربا أو نشر الديمقراطية في العالم الأمر الذي حمل الولايات أعباء إضافية لا لزوم لها. وبينما يري الليبراليون الأمريكيون أن التعامل مع مثل هذه القضايا يمثل مصلحة أمريكية لأنه يوفر البيئة المناسبة لتحقيق المصالح الأمريكية الأضيق نطاقا والتي لا خلاف عليها فإن الانعزاليين الأمريكيين يظنون أن تكلفة التعامل مع مثل هذه القضايا تزيد كثيرا علي العائد الذي يمكن أن تعود به علي المصالح الأمريكية. ففي الشرق الأوسط تري إدارة بوش أن النفط هو المصلحة الأمريكية الأولي وبالتالي فإن التهديد العراقي لأمن الخليج يحتل لديها أولوية قصوي في نفس الوقت الذي لا تري فيه للصراع بين العرب وإسرائيل أهمية ذات شأن يمكن لها أن تؤثر علي إمدادات النفط القادمة من الشرق الأوسط. وبالطريقة نفسها تنظر الولايات المتحدة إلي الوضع في البلقان فالاهتمام الأمريكي بالوضع في أوربا يقف عند حدود الأمن والاستقرار المباشرين لشركاء أمريكا الأوربيين أما الأمن والاستقرار في البيئة المحيطة بأوربا في البلقان وغيره فليس له سوي أهمية ثانوية من وجهة نظر المصالح الأمريكية الأمر الذي لا يستدعي تدخلا عسكريا أمريكيا وأما إذا كان للتطورات علي التخوم الأوربية أن تهدد المصالح المباشرة لشركاء الأوربيين فإنه علي هؤلاء الشركاء أن يعتمدوا علي أنفسهم في التعامل معها. ويقدم الصراع العربي الإسرائيلي حالة نموذجية تتضح فيها طبيعة نظرة إدارة بوش للتعامل مع مثل هذه القضايا فالمصلحة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط تتلخص في تجنب نشوب حروب كبري يمكن لها أن تهدد المصالح الأمريكية أو تستدعي تدخلا عسكريا أمريكيا مباشرا لاحتوائها. وتري الإدارة الأمريكية أن الاختلال الحالي في ميزان القوي بين الدول العربية وإسرائيل يمنع نشوب هذه الحرب لأن نتيجتها معروفة سلفا لجميع الأطراف. أما المواجهات العسكرية المحدودة ومظاهر عدم الاستقرار المترتبة علي استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأرض العربية فإنه يمكن التعايش معها كما أن مسئولية التعامل معها تقع في المقام الأول علي الأطراف الذين يتأثرون بها بشكل مباشر. ويري التيار الغالب في إدارة الرئيس بوش أن الدور الأمريكي يبدأ عند اللحظة التي يكون فيها أطراف الصراع المباشرين جاهزين لاتخاذ القرارات اللازمة لتسوية الصراع أي عندما يكون الصراع ناضجا للتسوية ويري أنصار هذا التيار أن العنف الدائر الآن في المنطقة يمكن أن يلعب دور الآلية والمحفز لإنضاج الصراع للتسوية ومن ثم فإنهم لا يرون ضرورة لتدخل أطراف خارجية لوقفه بشكل يبدو لهم تعسفيا قبل أن يؤدي الوظيفة التي يمكن له أن يؤديها في مجال إنضاج الصراع للتسوية. أكثر من هذا فإن أطرافا في إدارة الرئيس بوش تري أن دور الولايات المتحدة لا يمتد إلي توفير ضمانات تنفيذ اتفاقات يتوصل إليها الأطراف المباشرون للصراع سواء بأنفسهم أم عبر مساعدة أمريكية ويتضح هذا بشكل خاص في بالون الاختبار الذي أطلقه نائب وزير الدفاع الأمريكي بشأن استمرار قوات أمريكية في العمل ضمن القوات الدولية العاملة في سيناء من أجل مراقبة التزام مصر وإسرائيل بترتيبات الأمن المنصوص عليها في اتفاقية السلام الموقعة بينهما منذ عام1979. وإذا كان للإدارة الأمريكية أن تتبني هذه الدعوة وتجعلها سياسة رسمية للولايات المتحدة فإن وصول أطراف الصراع في الشرق الأوسط إلي تسوية يصبح أمرا أبعد منالا. فعمق الكراهية وعدم الثقة المتبادل بين أطراف الصراع العربي الإسرائيلي لا يجعلهم قادرين علي الثقة بنيات بعضهم البعض للالتزام باتفاقات قد يتم التوصل إليها الأمر الذي يستدعي مشاركة طرف ثالث لديه القدرة والمصداقية لمراقبة التزام أطراف الصراع المباشرين ولإجبارهم علي الالتزام إذا لزم الأمر وهو ما لا يتوافر حتي الآن سوي للولايات المتحدة الأمريكية. وإذا كان يمكن تبرير موقف إدارة بوش من قضايا التوازن النووي والبلقان والشرق الأوسط باعتبارات المصالح الأمريكية العليا الأمنية فإن موقف الإدارة الأمريكية من اتفاقية كيوتو يبين بعدا آخر في هذه السياسة. تنص اتفاقية كيوتو الموقعة في عام1997 علي الحد من انبعاث الغازات المسببة لارتفاع درجة حرارة الأرض وهي الظاهرة التي باتت تهدد الحياة علي كوكب الأرض كما عرفناها في الألفيتين الأخيرتين لخطر شديد. ويترتب علي تطبيق هذه الاتفاقية تحميل اقتصادات الدول الصناعية المتقدمة تكلفة متساوية- بالمعني النسبي وليس المطلق- في سبيل حماية البيئة والحياة علي الكوكب غير أن الرئيس الأمريكي قرر عدم الالتزام بالاتفاقية بسبب تكلفتها الاقتصادية التي يري أنها سوف تسبب إبطاء لنمو الاقتصاد الأمريكي وإضعاف قدرته التنافسية علي الصعيد العالمي. ويعكس هذا القرار مستوي متقدما من قصر النظر يجعل الإدارة الأمريكية تفضل المنافع الاقتصادية الآنية علي حساب الحفاظ علي صلاحية الكوكب الذي نعيش عليه جميعا للحياة الآدمية. كما أنه يعكس أنانية مفرطة تجعل الإدارة الأمريكية راغبة في التمتع بأي تحسن يطرأ علي البيئة العالمية دون أن تتحمل في سبيل ذلك أي تكلفة. فالإدارة الأمريكية تدرك حساسية الدول الأوربية واليابان الشديدة لقضايا البيئة وتدرك أن عدم التزامها باتفاقية كيوتو لن يثني هذه الدول عن الالتزام بها الأمر الذي يعني تحميل هذه الدول تكلفة تنظيف البيئة التي تعد الولايات المتحدة أكبر مصدر لتلوثها. فالتيار الانعزالي الأمريكي هو تيار أناني لا يري للولايات المتحدة أي مسئولية خاصة عن العالم وإنما يري أنه من حق الولايات المتحدة أن توظف قوتها الهائلة فقط لتحقيق مصالحها القومية الخاصة. فالانعزاليون الأمريكيون ذوو النفوذ في إدارة الرئيس بوش يتعاملون مع الولايات المتحدة باعتبارها بلدا عاديا يسعي إلي تحقيق مصالحه القومية مثله مثل أي بلد آخر في العالم وهم لا يدركون الطبيعة الخاصة لبلدهم باعتبارها الأكبر والأقوي والأكثر تقدما في العالم الأمر الذي يرتب عليها مسئوليات رئيسية في قيادة عالم يضج بقوي التغير وعدم الاستقرار وأسباب الصراع وإلا عاد الضرر علي المصالح الأمريكية نفسها. فإذا اكتفت الولايات المتحدة بتوظيف طاقاتها الهائلة لتحقيق مصالحها الخاصة فإنها سوف تصبح كالفيل في معرض الخزف ويصبح للعالم أن يتوقع المزيد من الصراعات والعنف وللولايات المتحدة أن تتوقع تقدم الآخرين لملء فراغ القيادة الذي تهدد إدارة الرئيس بوش بإيجاده. لقد عرف العالم خلال السنوات الثماني الماضية إدارة أمريكية لم تكن أقل حرصا علي المصالح القومية الأمريكية ولكنها فعلت ذلك في إطار نزعة عالمية تدرك الارتباط الوثيق بين مصير الولايات المتحدة ومصير العالم. أما الآن فإن العالم يقطع الخطوات الأولي مع إدارة انعزالية تسير في الاتجاه المضاد. وفي المدي المنظور فإن هذين التيارين هما كل ما يمكن للمجتمع السياسي الأمريكي أن يقدمه ويبدو أنه سوف يكون علي شعوب وحكومات العالم أن تختار بين هذين التيارين حتي لو لم يكن لها حق التصويت في انتخابات الرئاسة الأمريكية فأمريكا هي في التحليل الأخير أكبر من أن يتركها العالم وشأنها.
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|