215‏السنة 123-العدد2001مايو5‏11من صفر 1422 هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
علم و تكنولوجيا
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
برج الحظ
المحطة الأخيرة
مقالات

فن صناعة الأمل

د‏.‏ مني حلمي

لاحظت في الفترة الأخيرة‏,‏ أن هناك فكرة بدأت تتغلغل داخل بعض العقول‏,‏ ويتردد صداها في مواقف عديدة‏.‏
تتبني هذه الفكرة مبدأ كل شيء سيء‏,‏ وكل شيء فاسد‏,‏ مادام الأمر هكذا‏,‏ فإنه لا معني لأي إنجاز‏,‏ وليس هناك أمل في الأفق القريب أو البعيد‏.‏
أنصار هذه الفكرة يسخرون من أي عمل يقوم به الآخرون‏,‏ ويزعمون أن الخير في النهاية يتساوي مع الشرور‏.‏ والإنسان الذي مازال يحتفظ بالأمل والتفاؤل‏,‏ ولايزال يري أن هناك فائدة يصفونه بالسذاجة‏,‏ وقصور الرؤية وعدم الواقعية‏.‏
هؤلاء المتشائمون‏,‏ فاقدو الأمل‏,‏ نجدهم في كل مكان‏,‏ يحاولون نشر فكرتهم‏,‏ والتحريض علي اليأس من كل شيء حولنا‏.‏
وهم يروجون للحل السحري من وجهة نظرهم‏,‏ وهو ترك البلد‏,‏ والهجرة إلي أي مجتمع آخر‏,‏ يرون فيه الأمل‏,‏ والفائدة‏,‏ والخير‏,‏ وإذا تعذر هذا الحل‏,‏ يكون نشر آرائهم المتشائمة‏,‏ وتكسير المجاديف وتسفيه أعمال الآخرين هي أضعف الإيمان‏.‏
المتأمل لأحوال هؤلاء المتشائمين‏,‏ فاقدي الأمل‏,‏ يجدهم يشتركون في عدة سمات‏.‏ أولا‏,‏ هم فاقدو الهدف في الحياة‏,‏ فهم يعيشون من أجل الأكل والشرب والتكاثر واستهلاك الأشياء‏,‏ واستهلاك العلاقات‏.‏ إن فقدان الهدف‏,‏ والقضية يجعل الإنسان أميل إلي الحكم المتشائم علي الحياة‏,‏ وأكثر حساسية للسلبيات عن الإيجابيات فانعدام الهدف يولد الملل السريع‏,‏ والملل أحادي الرؤية‏.‏
ثانيا‏:‏ هم محبطو الأحلام‏,‏ والفشل هو طابعهم العام‏.‏ إن الإحباط‏,‏ والفشل‏,‏ لهما دور كبير في إشعار الإنسان بأن الأشياء كلها تستوي في النهاية وأن الصواب مثل الخطأ‏,‏ والخير مثل الشر‏,‏ والظلام مثل النور‏,‏ وأن كل شيء سيء وفاسد ولا رجاء منه ولا فائدة فيه‏.‏ إنه ميكانزم دفاع نفسي‏,‏ يلجأ إليه كل المحبطون‏,‏ والفاشلون لتعويض إحساسهم بالإحباط‏,‏ والفشل‏.‏ وأيضا حتي يقولوا إن العيب ليس فيهم‏,‏ وإنما في الظروف والمجتمع والناس‏.‏
ثالثا‏:‏ هم فاقدو الثقة في أنفسهم وفي قدراتهم الذاتية علي الفعل‏,‏ والتحدي‏,‏ والتغيير‏.‏ وهذا يؤدي إلي أنهم فاقدو الثقة في الآخرين وفي قدراتهم الذاتية علي الفعل والتحدي والتغيير‏.‏ ومن هنا يأتي عدم تقديرهم لمجهودات الآخرين ومحاولة تقليل شأن أفعالهم‏.‏
رابعا‏:‏ هم لا يريدون بذل أي جهد‏,‏ يمكن أن يغير من فشلهم‏,‏ وإحباطهم‏.‏ وحين يروجون لفكرة ترك البلد والذهاب إلي آخر‏,‏ فإنهم يستسهلون الأمور‏,‏ ويغطون علي سلبيتهم‏,‏ وكسلهم في التصدي لمشكلات المجتمع المحيط بهم‏.‏
والغريب أن هؤلاء الناس ينسون أو يتناسون شيئا بسيطا مهما‏,‏ فالإنسان الذي يفشل في المجتمع الذي يعرف أهله‏,‏ ولغته‏,‏ وواقعه‏,‏ وتاريخه‏,‏ سيفشل أكثر في المجتمع الذي يجهل أهله ولغته‏,‏ وواقعه وتاريخه‏.‏
السمة الأخري التي تجمع هؤلاء المتشائمين فاقدي الأمل‏,‏ هي الخواء الداخلي إن ثراء الإنسان من الداخل‏,‏ يجعله يري الإيجابيات أكثر من السلبيات‏,‏ أو علي الأقل يري الصورة مكتملة‏.‏ الإنسان الممتليء داخله بالمعني‏,‏ والجمال والخير‏,‏ يري ما حوله أيضا ممتلئا بالمعني‏,‏ والجمال‏,‏ والخير‏.‏ صدق الشاعر إيليا أبو ماضي حين قال‏:‏ كن جميلا تري الوجود جميلا‏..‏ نحن نضفي ما بداخلنا من قبح علي الأشياء من حولنا‏.‏ ونحن نصبغ اللا معني الذي يكمن داخل نفوسنا علي الخارج‏.‏
هؤلاء المتشائمون فاقدو الأمل‏,‏ فاقدو الهدف‏,‏ فاقدو القضية‏,‏ فاقدو الثراء الداخلي‏,‏ فاقدو النجاح والتحقق‏,‏ يعانون مشكلة نفسية‏,‏ وأزمة وجودية حادة‏.‏
وهم بالتحريض علي اليأس‏,‏ لا يسترون مشكلتهم وأزمتهم فقط‏,‏ ولكنهم أيضا يرتكبون جريمة في حق المجتمع‏,‏ وفي حق الحياة‏..‏ نعم‏..‏ التحريض علي اليأس‏,‏ جريمة كبري‏.‏
وحينما نكون في مرحلة تاريخية‏,‏ وفترة تحول كالتي تشهدها مجتمعاتنا الآن‏,‏ يكون التحريض علي اليأس سلاحا‏,‏ خطيرا‏,‏ لابد من مواجهته‏,‏ واستئصاله قبل أن يستشري‏.‏
نحن لا ننكر وجود المشكلات والعقبات في مجتمعاتنا‏.‏ وما أكثر الإحباطات الفكرية‏,‏ والنفسية‏,‏ والعاطفية التي نعاني منها‏.‏ وهناك الكثير من السلبيات وبؤر الفساد‏.‏ ولكن هذه ليست هي القضية‏.‏ القضية هي كيف تكون لدينا القدرة دائما علي رؤية النصف الممتليء من الكوب‏,‏ القضية هي كيف نري شعاع النور وسط الظلام‏,‏ وكيف تلتقط عيوننا‏,‏ لمحة من الجمال بين القبح‏.‏
ما أسهل أن ندين‏,‏ ونشتم‏,‏ ونهدم‏,‏ وندمر‏..‏ ما أسهل اليأس‏.‏ الأصعب ألف مرة هو أن نبني ونري في كل خطوة إمكانية الخير‏,‏ والأمل‏.‏ ما أسهل أن نغلق النوافذ والأبواب‏,‏ الأصعب ألف مرة أن نفتح نافذة واحدة‏,‏ أو بابا واحدا‏.‏
لسنا في حاجة إلي هؤلاء فاقدي الأمل والتحقق والهدف والقضية‏.‏ أكثر ما نحتاج هذه المرحلة هم الذين يتمتعون بالأمل‏,‏ ولديهم القدرة علي رؤية النصف المضيء من القمر‏,‏ نحتاج من يؤمن بإمكانية التغيير إلي الأفضل عن طريق العمل والتمسك بهدف وقضية‏.‏ نحتاج من لديه الشجاعة علي مواصلة معركة التحدي إذا خسر بعض الجولات‏,‏ ومن يحول التجارب السلبية إلي تجارب إيجابية‏.‏
نحتاج في مجتمعنا الناهض الآن‏,‏ إلي أناس يؤمنون بأنفسهم‏,‏ ويؤمنون بالآخرين‏,‏ ويؤمنون بـ قانون الحياة الذي يحتم التقدم حتي لو حدثت نكسات‏.‏
نحتاج الابتسامة المتفائلة‏,‏ لا التكشيرة المتجهمة‏..‏ نحتاج الإيمان بأن لا شيء نقوله‏,‏ أو نفعله يذهب هباء‏,‏ بشرط أن نقوله‏,‏ ونفعله بـ حب وإخلاص واستغراق‏.‏ نحتاج الناس الموهوبين في فن صناعة الأمل إنها أغلي‏,‏ وأهم صناعة‏,‏ علينا التفوق فيها‏.‏
إن ما يميز إنسانا عن آخر‏,‏ ليس مقدار ما يمتلكه من أشياء‏,‏ وليس مقدار ما حصل عليه من شهادات‏,‏ وليست الفلوس والمناصب‏,‏ والسلطة‏,‏ والنفوذ‏.‏
لكنها تلك القدرة العجيبة علي الاحتفاظ بالأمل حين ييأس الآخرون‏..‏ وتلك الموهبة العالية في الإيمان بـ قوة الإنسان حين يضعف الآخرون‏.‏
من الصعب أن نغير الحياة‏,‏ والعالم من حولنا‏,‏ ونحن عاجزون عن تغيير أنفسنا‏..‏ وتغيير النفس يبدأ بـ تطهير الداخل من اليأس الذي يقتل كل شيء‏,‏ ويدمر كل شيء‏.‏
قد يسلبنا الآخرون أشياء كثيرة لكن لا أحد يستطيع أن ينتزع الأمل من نفوسنا‏.‏
ويقول لنا التاريخ‏,‏ إن هؤلاء فقط هم الذين حاربوا اليأس‏,‏ وزرعوا الآمل داخلهم وخارجهم‏,‏ هم الذين صنعوا الحضارات وغيروا معالم الحياة‏.‏
تبدأ رحلة الألف ميل بـ خطوة‏.‏ هكذا يقولون‏,‏ لكن تلك الخطوة تبقي عديمة الفائدة‏,‏ إذا لم تمتلك الأمل‏,‏ الزاد الوحيد الذي لا ينضب‏,‏ ولا يخون صاحبه‏.‏