
|
فن صناعة الأمل |
 | |
د. مني حلمي
لاحظت في الفترة الأخيرة, أن هناك فكرة بدأت تتغلغل داخل بعض العقول, ويتردد صداها في مواقف عديدة. تتبني هذه الفكرة مبدأ كل شيء سيء, وكل شيء فاسد, مادام الأمر هكذا, فإنه لا معني لأي إنجاز, وليس هناك أمل في الأفق القريب أو البعيد. أنصار هذه الفكرة يسخرون من أي عمل يقوم به الآخرون, ويزعمون أن الخير في النهاية يتساوي مع الشرور. والإنسان الذي مازال يحتفظ بالأمل والتفاؤل, ولايزال يري أن هناك فائدة يصفونه بالسذاجة, وقصور الرؤية وعدم الواقعية. هؤلاء المتشائمون, فاقدو الأمل, نجدهم في كل مكان, يحاولون نشر فكرتهم, والتحريض علي اليأس من كل شيء حولنا. وهم يروجون للحل السحري من وجهة نظرهم, وهو ترك البلد, والهجرة إلي أي مجتمع آخر, يرون فيه الأمل, والفائدة, والخير, وإذا تعذر هذا الحل, يكون نشر آرائهم المتشائمة, وتكسير المجاديف وتسفيه أعمال الآخرين هي أضعف الإيمان. المتأمل لأحوال هؤلاء المتشائمين, فاقدي الأمل, يجدهم يشتركون في عدة سمات. أولا, هم فاقدو الهدف في الحياة, فهم يعيشون من أجل الأكل والشرب والتكاثر واستهلاك الأشياء, واستهلاك العلاقات. إن فقدان الهدف, والقضية يجعل الإنسان أميل إلي الحكم المتشائم علي الحياة, وأكثر حساسية للسلبيات عن الإيجابيات فانعدام الهدف يولد الملل السريع, والملل أحادي الرؤية. ثانيا: هم محبطو الأحلام, والفشل هو طابعهم العام. إن الإحباط, والفشل, لهما دور كبير في إشعار الإنسان بأن الأشياء كلها تستوي في النهاية وأن الصواب مثل الخطأ, والخير مثل الشر, والظلام مثل النور, وأن كل شيء سيء وفاسد ولا رجاء منه ولا فائدة فيه. إنه ميكانزم دفاع نفسي, يلجأ إليه كل المحبطون, والفاشلون لتعويض إحساسهم بالإحباط, والفشل. وأيضا حتي يقولوا إن العيب ليس فيهم, وإنما في الظروف والمجتمع والناس. ثالثا: هم فاقدو الثقة في أنفسهم وفي قدراتهم الذاتية علي الفعل, والتحدي, والتغيير. وهذا يؤدي إلي أنهم فاقدو الثقة في الآخرين وفي قدراتهم الذاتية علي الفعل والتحدي والتغيير. ومن هنا يأتي عدم تقديرهم لمجهودات الآخرين ومحاولة تقليل شأن أفعالهم. رابعا: هم لا يريدون بذل أي جهد, يمكن أن يغير من فشلهم, وإحباطهم. وحين يروجون لفكرة ترك البلد والذهاب إلي آخر, فإنهم يستسهلون الأمور, ويغطون علي سلبيتهم, وكسلهم في التصدي لمشكلات المجتمع المحيط بهم. والغريب أن هؤلاء الناس ينسون أو يتناسون شيئا بسيطا مهما, فالإنسان الذي يفشل في المجتمع الذي يعرف أهله, ولغته, وواقعه, وتاريخه, سيفشل أكثر في المجتمع الذي يجهل أهله ولغته, وواقعه وتاريخه. السمة الأخري التي تجمع هؤلاء المتشائمين فاقدي الأمل, هي الخواء الداخلي إن ثراء الإنسان من الداخل, يجعله يري الإيجابيات أكثر من السلبيات, أو علي الأقل يري الصورة مكتملة. الإنسان الممتليء داخله بالمعني, والجمال والخير, يري ما حوله أيضا ممتلئا بالمعني, والجمال, والخير. صدق الشاعر إيليا أبو ماضي حين قال: كن جميلا تري الوجود جميلا.. نحن نضفي ما بداخلنا من قبح علي الأشياء من حولنا. ونحن نصبغ اللا معني الذي يكمن داخل نفوسنا علي الخارج. هؤلاء المتشائمون فاقدو الأمل, فاقدو الهدف, فاقدو القضية, فاقدو الثراء الداخلي, فاقدو النجاح والتحقق, يعانون مشكلة نفسية, وأزمة وجودية حادة. وهم بالتحريض علي اليأس, لا يسترون مشكلتهم وأزمتهم فقط, ولكنهم أيضا يرتكبون جريمة في حق المجتمع, وفي حق الحياة.. نعم.. التحريض علي اليأس, جريمة كبري. وحينما نكون في مرحلة تاريخية, وفترة تحول كالتي تشهدها مجتمعاتنا الآن, يكون التحريض علي اليأس سلاحا, خطيرا, لابد من مواجهته, واستئصاله قبل أن يستشري. نحن لا ننكر وجود المشكلات والعقبات في مجتمعاتنا. وما أكثر الإحباطات الفكرية, والنفسية, والعاطفية التي نعاني منها. وهناك الكثير من السلبيات وبؤر الفساد. ولكن هذه ليست هي القضية. القضية هي كيف تكون لدينا القدرة دائما علي رؤية النصف الممتليء من الكوب, القضية هي كيف نري شعاع النور وسط الظلام, وكيف تلتقط عيوننا, لمحة من الجمال بين القبح. ما أسهل أن ندين, ونشتم, ونهدم, وندمر.. ما أسهل اليأس. الأصعب ألف مرة هو أن نبني ونري في كل خطوة إمكانية الخير, والأمل. ما أسهل أن نغلق النوافذ والأبواب, الأصعب ألف مرة أن نفتح نافذة واحدة, أو بابا واحدا. لسنا في حاجة إلي هؤلاء فاقدي الأمل والتحقق والهدف والقضية. أكثر ما نحتاج هذه المرحلة هم الذين يتمتعون بالأمل, ولديهم القدرة علي رؤية النصف المضيء من القمر, نحتاج من يؤمن بإمكانية التغيير إلي الأفضل عن طريق العمل والتمسك بهدف وقضية. نحتاج من لديه الشجاعة علي مواصلة معركة التحدي إذا خسر بعض الجولات, ومن يحول التجارب السلبية إلي تجارب إيجابية. نحتاج في مجتمعنا الناهض الآن, إلي أناس يؤمنون بأنفسهم, ويؤمنون بالآخرين, ويؤمنون بـ قانون الحياة الذي يحتم التقدم حتي لو حدثت نكسات. نحتاج الابتسامة المتفائلة, لا التكشيرة المتجهمة.. نحتاج الإيمان بأن لا شيء نقوله, أو نفعله يذهب هباء, بشرط أن نقوله, ونفعله بـ حب وإخلاص واستغراق. نحتاج الناس الموهوبين في فن صناعة الأمل إنها أغلي, وأهم صناعة, علينا التفوق فيها. إن ما يميز إنسانا عن آخر, ليس مقدار ما يمتلكه من أشياء, وليس مقدار ما حصل عليه من شهادات, وليست الفلوس والمناصب, والسلطة, والنفوذ. لكنها تلك القدرة العجيبة علي الاحتفاظ بالأمل حين ييأس الآخرون.. وتلك الموهبة العالية في الإيمان بـ قوة الإنسان حين يضعف الآخرون. من الصعب أن نغير الحياة, والعالم من حولنا, ونحن عاجزون عن تغيير أنفسنا.. وتغيير النفس يبدأ بـ تطهير الداخل من اليأس الذي يقتل كل شيء, ويدمر كل شيء. قد يسلبنا الآخرون أشياء كثيرة لكن لا أحد يستطيع أن ينتزع الأمل من نفوسنا. ويقول لنا التاريخ, إن هؤلاء فقط هم الذين حاربوا اليأس, وزرعوا الآمل داخلهم وخارجهم, هم الذين صنعوا الحضارات وغيروا معالم الحياة. تبدأ رحلة الألف ميل بـ خطوة. هكذا يقولون, لكن تلك الخطوة تبقي عديمة الفائدة, إذا لم تمتلك الأمل, الزاد الوحيد الذي لا ينضب, ولا يخون صاحبه.
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|