215‏السنة 123-العدد2001مايو5‏11من صفر 1422 هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
علم و تكنولوجيا
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
برج الحظ
المحطة الأخيرة
مقالات

المبادرة الذكية

أسامة سرايا

أعتقد أن المبادرة المصرية ـ الأردنية لإحياء عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين‏,‏ بعد سبعة أشهر من الانتفاضة‏,‏ قد حققت أهدافها‏.‏ فقد كشفت قدرة الدبلوماسية العربية علي الحركة وسط الأجواء الصعبة‏,‏ وبين توترات إقليمية وأجواء ضبابية تجعل الرؤية غير واضحة‏,‏ فالحكومة الموجودة في إسرائيل برئاسة آرييل شارون ليست مهتمة بعملية التفاوض ورؤيتها قاصرة لمستقبل بلادها‏,‏ ولذلك فهي حكومة لا تستطيع الحركة صوب الاتجاهات الصحيحة لتحقيق الأمن والاستقرار‏,‏ كما أنها حكومة جاءت من الزمن الماضي‏,‏ ولعجز هذه الحكومة وقصورها‏,‏ فإنها كانت تحتاج إلي حركة عربية دءوب لكشف عجزها وتعرية قدرتها‏,‏ وإبراز تطرفها أمام الرأي العام العالمي‏,‏ خاصة الأمريكي‏,‏ بالإضافة إلي الرأي العام داخل إسرائيل‏,‏ الذي لخبطت الانتفاضة وثورة الشعب الفلسطيني اتجاهاته‏,‏ وشلت تفكيره‏,‏ وجعلته متخبطا‏,‏ فتصور أن ملاذه وإنقاذه في أقصي اليمين‏,‏ فأخرج طلقته الأخيرة‏,‏ شارون لتكشف وتعري المسرح السياسي الإسرائيلي‏,‏ الذي يمر بمأزق حقيقي تكشفه هذه الحكومة العاجزة‏,‏ التي قطباها شارون وبيريز في خريف عمريهما‏,‏ وفي الهزيع الأخير لمستقبلهما السياسي‏.‏ قطبان مختلفان‏,‏ ويناوران معا‏,‏ وليست بينهما إلا مصلحة شخصية واحدة هي المحافظة علي وجودهما السياسي وتصدرهما للمسرح‏,‏ وهي مصلحة بالقطع لا تحقق أهدافا سياسية لمجتمعهما‏,‏ وتصل بهما سريعا إلي الفشل‏,‏ بالرغم من التقاء هدفهما الشخصي‏,‏ فإن كليهما لا يريد للآخر نجاحا‏,‏ مع اختلافهما الجذري‏,‏ فأي سياسة ستنجح‏,‏ وكلا القطبين يتمني الفشل للآخر؟
وجاءت المبادرة المصرية ـ الأردنية كسياسة ذكية حصلت علي التأييد العالمي والرغبة الأمريكية في أن تجيء الحركة من الداخل الإقليمي‏,‏ لتعيد التفاوض إلي الصدارة‏,‏ بعد أن احتل العنف الإسرائيلي المسرح‏,‏ وظهر كأنه يهدم سنوات البناء السلمي الممتد منذ ثماني سنوات‏,‏ وظهر المتفاوضون وكأنهم يحركون آخر ما يملكون‏,‏ ويفجرون كل عناصر الكراهية والحقد البغيض بين الطرفين‏,‏ بعد أن ظن بعضهم أن سنوات التفاوض قد أذابت الجليد‏,‏ فإذا بالحائط الإسرائيلي الجديد يأتي كحائط أسمنتي صلب‏,‏ للعنف يكشف عن الوجه العنصري للصراع الإسرائيلي‏.‏ فإذا بالمبادرة المصرية ـ الأردنية‏,‏ تثبت للعالم إقليميا وعالميا أن خيار السلام الإستراتيجي حقيقة لا خداعا‏,‏ وأنه حرب حقيقية علي التطرف وصناع الحروب‏.‏
فالمبادرة جاءت كصوت مدو يكشف المتطرفين علي الجانبين‏,‏ ويجب أن يكون مفهوما أن رغبة مصر والأردن في التفاوض‏,‏ ليس من أجل التفاوض‏,‏ فهو ليس غاية في حد ذاته‏,‏ لكنه التفاوض الإيجابي‏,‏ الذي يجب أن يصل إلي الحل‏,‏ ولا يترك الحبل علي الغارب‏,‏ لكي يصبح التفاوض بمثابة المسكن لآلام الصراع‏,‏ فطالبت المبادرة بضرورة وجود جدول زمني محدد واضح‏,‏ للعودة إلي التفاوض من النقطة الأخيرة‏,‏ فالحكومات الإسرائيلية المتعاقبة‏,‏ يجب أن تحترم تعاهداتها واتفاقاتها‏,‏ وأن تسلم الحكومة الأخيرة‏,‏ بكل ما تحقق علي أرض التفاوض من الحكومة السابقة عليها‏,‏ وإلا تحولت المفاوضات إلي عملية عبثية لا طائل من ورائها‏,‏ بل إن هذا الأسلوب من العمل السياسي سوف يمكن التطرف من فرض إرادته علي المتفاوضين وتفريغ العملية السياسية الدائرة بين الأطراف المختلفة من مضمونها‏,‏ لنعود جميعا إلي حالة من الصراع والحروب التي لا تنتهي‏.‏
كما أن عملية التفاوض ليس سياسة متروكة للمتفاوضين وحدهما‏,‏ فهي مرتبطة بمرجعيات دولية واتفاقيات سابقة مرورا بقرارات الأمم المتحدة ومرجعية مدريد واتفاقيات أوسلو‏,‏ بل التزاما بالمعاهدة أو الورقة الثانية التي وقعها بيجين مع السادات عند توقيع أول اتفاقية للسلام العربي ـ الإسرائيلي عام‏1979‏ كل هذه الاتفاقيات تسلم بالأرض مقابل السلام‏,‏ ويجب أن تحترم إرادة الشعب الفلسطيني الذي قبل بالسلام مع إسرائيل مقابل الحصول علي دولة فلسطينية مستقلة علي الأراضي التي كانت محتلة قبل‏1967‏ مع القبول بعودة فلسطيني الشتات إلي الدولة المستقلة الجديدة واحترام حقوقها الدولية وسيادتها علي أراضيها وحرية شعبها في الاستقلال‏,‏ ومن الضروري احترام المرجعيات السابقة عليها‏,‏ ومن الضروري أيضا العودة إليها عند التفاوض‏,‏ عقب صدور قرارات الأمم المتحدة بالتقسيم عام‏1947,‏ وقيام دولتين في الأراضي الفلسطينية واحدة لليهود‏,‏ والثانية للفلسطينيين‏.‏
لقد نجحت المبادرة المصرية ـ الأردنية في كشف المتطرفين وأعداء السلام وأعادت إلي المنطقة هدوءها‏,‏ وأشارت إلي أن العقلاء مازالوا يتدبرون الأمر‏,‏ ولعل أهم ما حققته أنها تحمي حق الشعب الفلسطيني في الحفاظ علي مؤسساته الوطنية‏,‏ التي قامت عقب قيام السلطة الفلسطينية وعودتها إلي غزة والضفة وإدارة الأراضي المحررة‏,‏ والتي كشفت الانتفاضة وقوة المقاومة الفلسطينية عن عدم قدرة إسرائيل علي إعادة الأمور إلي ما كانت عليه عقب احتلالها قطاع غزة بالدبابات وجنود المشاة‏,‏ وفشلها تماما في الاحتفاظ بالأرض وإجبارها علي الانسحاب المفاجيء‏,‏ معترفة لأول مرة بعجز القوة ـ رغم جبروتها ـ لعودة الأمور إلي الماضي قبل بدء العملية السلمية‏,‏ ولم تنجح إسرائيل إلا في تدمير الأشجار والمنازل وتعرية العسكرية الإسرائيلية أمام نفسها وأمام العالم‏.‏
ومن المؤكد أن الشعب الإسرائيلي أصبح يفهم الآن أن الفلسطينيين فائزون ومعاناتهم تسلب إسرائيل جوهرها المعنوي‏,‏ وكلما تصرفت إسرائيل باعتبارها قوة غاشمة وظالمة‏,‏ ومضطهدة للفلسطينيين‏,‏ سيكون من المستحيل الحفاظ علي الدولة اليهودية في قلب العالم العربي‏.‏
وسيكتشف الإسرائيليون أن اليمين والمتطرفين غرروا بهم وجذبوهم إلي الطريق الذي سيكون فيه هلاك دولتهم وضياع مستقبلها‏.‏
الأهم بالنسبة للفلسطينيين التمسك بالسلام مع رفضهم للعنف‏,‏ وألا تجرفهم روح الصراع فيخلخلون دولتهم الوليدة‏,‏ ويسلمون قيادتها للتطرف‏,‏ وليفرقوا بوضوح بين حقهم في رفض الاحتلال‏,‏ ونزوعهم إلي الاستقلال وإظهار قدرتهم علي مقاومة العدوان‏,‏ وبين التحلل الداخلي والتنافس علي الزعامات الوهمية‏,‏ وليعرفوا جيدا أنهم يقامون عدوا يريد اقتلاعهم من جذورهم وتمزيقهم من الداخل‏,‏ وأن أسهل طريق إلي ذلك هو تأجيج الصراعات وإظهار التفاوض والعلمية السلمية علي أنها تسليم أو استسلام‏,‏ ليدب الفساد في الوسط الفلسطيني لتحمل الراية قوي التطرف‏,‏ وهي قوة بلا عقل أو رؤية وتعميها حماستها عن رؤية الواقع‏,‏ وتدفعها إلي هلاك حقيقي وتمزيق للكيان الفلسطيني الوليد‏.‏
أما العرب فإن ظروفهم أصعب‏,‏ وهم في حاجة إلي التماسك‏,‏ ورفع درجة التنسيق وممارسة الضغط علي المجتمع الدولي‏,‏ خاصة الولايات المتحدة لتلعب دورها‏,‏ لأن الجريمة التي ترتكبها إسرائيل في المنطقة‏,‏ فإن أمريكا شريكة لها‏.‏
ويجب علي الولايات المتحدة أن تردع إسرائيل‏,‏ خاصة بعد أن حققت علي كل أهدافها‏,‏ وأصبحت دولة في الشرق الأوسط تحظي بالاعتراف الإقليمي‏,‏ لكنها الآن تعربد في المنطقة مستغلة الغياب الأمريكي‏,‏ وبالقطع فإن هذا الوضع المؤلم في المنطقة سيكون له ثمن فادح وستدفعه أمريكا وإسرائيل معا‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا للرد على المقال أضغط هنا للرد على المقال أضغط هنا للرد على المقال أضغط هنا للرد على المقال أضغط هنا للرد على المقال أضغط هنا