350‏السنة 123-العدد2003ديسمبر6‏12 شوال 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

فاروق حسني يرد
علي الأسئلة المحرمة‏:(2‏ ـ‏2)‏

المثقفون يتجنبون وزارة الثقــافة وكأنـهــا إسـرائيل

أجري الحديث ـ محمد حبوشة
مهدي مصطفي
تصوير ـ عماد عبدالهادي


بدا فاروق حسني‏,‏ طوال هذا الحوار‏,‏ ثابتا لا يهتز‏,‏ مهما تكن الأسئلة حادة‏,‏ أو تحمل طابع الاتهام‏,‏ وكأنه تعود علي المعارك والصخب‏,‏ لكنه‏,‏ للمرة الأولي‏,‏ نشعر بأن في حلقه غصة‏,‏ من مواقف بعض المثقفين الذين ينظرون إلي وزارة الثقافة وكأنها تعمل في دولة إسرائيل حسب وصفه أو أنها تدس لهم السم في الثقافة‏,‏ علي الرغم من أن البعض منهم يعمل في لجانها وندواتها ومؤتمراتها ولكنه لا يجاهر بذلك‏.‏
وفي هذه الحلقة الثانية يقول فاروق حسني إنني أتيت بمشروع ثقافي عرضته علي كبار المثقفين أمثال زكي نجيب محمود ولويس عوض‏,‏ ويوسف إدريس وغيرهم‏,‏ فباركوه‏,‏ وتجاوزناه الآن بعد أن طال البقاء في الوزارة فنفذت ما أحلم به‏,‏ وإن كنت أتساءل لماذا يوجد من يقول إن الثقافة المصرية متراجعة ولا يفوته أن يتهم المؤامرة بأن تقف وراء كل ذلك‏.‏
لاشك أن مشروع مكتبة الأسرة مهم لكن هناك مجاملات في هذا المشروع؟
نعم‏..‏ توجد في حدود معقولة‏,‏ حوالي‏%5‏ من المجاملات‏.‏
‏‏ لا‏,‏ النسبة أكثر من ذلك بكثير مثل نشر كتب بعض رؤساء التحرير؟
قالوا لي في هيئة الكتاب إنه لابد من المجاملات‏,‏ في هذ الجانب‏,‏ حتي يتم الترويج لكتب مكتبة الأسرة‏,‏ هم يرون ذلك‏,‏ ولكنني سوف أغير كل ذلك‏,‏ وشكلنا لجانا جديدة بدءا من العام القادم‏.‏
‏‏ قبل أشهر عقدتم مؤتمرا حول تجديد الخطاب الثقافي وأثار لغطا‏,‏ هل لهذا المؤتمر علاقة بضغوط أحداث‏11‏ سبتمبر أم أنه ضمن استراتيجة ثابتة تسبق هذه الأحداث؟
قلت في بداية هذا الحوار إننا ننأي بالثقافة بعيدا عن السياسة‏.‏ وهنا أذكر حكاية لها علاقة بما أقول‏,‏ وهي أن إدوارد سعيد تحدث معي عن إقامة حفل من بعض العازفين الشباب من مصر وإسرائيل وعدة دول عربية‏,‏ ويقام هذا تحت قيادة واحد من أقدر وأجدر قواد الأوركسترا في العالم‏,‏ وهو إسرائيلي‏,‏ وخاض معركة داخل إسرائيل لأنه عزف فاجنر وقابله الجمهور هناك بالاستهجان والصفير‏.‏
وكان إدوارد سعيد متحمسا له‏,‏ فقلت لإدوارد أرجو أن تبعدني عن هذا الموضوع‏,‏ واقترحت عليه أن يقوم بهذا العمل وحده إذا أراد‏,‏ ولا يدخلنا نحن الرسميين فيه‏,‏ وشرحت له وجهة نظري في هذا الموضوع‏,‏ وقلت إن هذا يمكن أن يكون واقعيا إذا انتهت قضية السلام‏,‏ واستتب الأمر‏,‏ لحظتها تبدأ الثقافة ويصبح الأمر طبيعيا‏,‏ أما الآن فلا‏.‏ ولدي تصور خاص في هذا الجانب‏,‏ وهو أن قصة التطبيع هي في الأساس قضية اقتصادية‏,‏ وأنا لا أريد أن أبعثر الثقافة في هذا الخضم الهائل من النيران والدماء في الأراضي الفلسطينية المحتلة‏,‏ وأذكر أيضا أن رئيس إسرائيل عيزرا فايتسمان عندما جاء إلي القاهرة طلب مني أن يكون هناك حوار في هذا الجانب فرفضت‏,‏ وقلت له إن الثقافة هي ملك للشعوب‏,‏ وعندما تنتهي سياسة السياسيين تبدأ سياسة الشعوب‏,‏ فكما قلت إنها مسألة اقتصادية في الأساس وليست عاطفية فقط‏,‏ لأننا‏250‏ مليون عربي‏,‏ وإذا بدأنا هذا التطبيع سنصبح سوقا لثقافة إسرائيل وأنا مدرك لذلك جيدا‏.‏
وأذكر أن إدوارد سعيد حاول إثنائي عن موقفي هذا‏,‏ بذريعة أن هؤلاء العازفين ضد ثقافة إسرائيل‏,‏ فقلت له هل الشباب الإسرائيلي تحديدا ضد إسرائيل بالفعل؟‏!‏
‏‏ أليس هذا موقفا غريبا علي إدوارد سعيد؟
لا‏..‏ تحدث معي هاتفيا ثلاث مرات‏,‏ وتحدث أيضا مع د‏.‏ عاطف عبيد ـ رئيس الوزراء ـ وفي رأيي ليس موقفا غريبا بالمعني المعروف‏,‏ فهو في الأساس رجل فلسطيني ويجوز أنه يعتقد أن موقفه ذاتي‏..‏ صحيح‏.‏
‏‏ أعني أن الانطباعات في الشارع العربي عن إدوارد سعيد غير ذلك؟
لا‏..‏ هذا رجل مثقف يعمل في الفكر‏,‏ ويري أن مثل هذه الأشياء تقرب من السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين‏,‏ أما أنا فأري العكس إذا انتهينا من السلام‏,‏ وأصبح ممكنا‏,‏ ندعمه بالشعوب‏,‏ وحتي في هذا الجانب لي رأيي الخاص وهو معروف جيدا‏.‏
‏‏
إدوارد سعيد
لكنك لم تجب عن سؤال علاقة مؤتمر الثقافة بأحداث‏11‏ سبتمبر؟
ليست لنا علاقة بـ‏11‏ سبتمبر أو‏16‏ سبتمبر‏,‏ نحن نعمل في الثقافة قبل هذا الحادث‏,‏ وعملنا علي إدخال مصر في الألفية الثالثة ثقافيا‏,‏ من خلال الإعداد لذلك‏,‏ منذ القرن الماضي‏,‏ وأصبحت لدينا بنية ثقافية رهيبة جدا‏,‏ لأننا ندرك أن الحرب هي حرب ثقافية‏,‏ ولذلك أقول بصوت عال جدا إنه ليست لنا علاقة بـ‏11‏ سبتمبر أو أي سبتمبر آخر‏.‏
‏‏ لكن هناك حملة غربية شرسة علي العرب والمسلمين ما دور الثقافة في ذلك؟
الدو الحقيقي لمواجهة ذلك هو أن نعمل باجتهاد لأن هذا هو الإسلام‏,‏ لأن الآخر يدرك ويفهم لغة الثقافة والفنون والإبداع‏,‏ مثلا عندما يخرج أحد معارضنا إلي الخارج‏,‏ ثم يكسب جوائز‏,‏ فهذا يعني إسلاما عربيا‏,‏ وإذا نجحنا في تثبيت هذه الصورة فإنهم سيقولون إن هذا شيء آخر غير تلك الصورة التي علقت بنا‏.‏
‏ هل هناك ضغوط خارجية علي وزارة الثقافة مثلما يحدث في التعليم؟
لم يكلمني أحد في ذلك‏,‏ ولو أن أحدا كلمني أسمع ما يقول‏,‏ ثم أفحصه هل ما يقول يتماشي مع سياستنا أم لا‏,‏ وهل يتسق مع المنطق العام أم لا؟
‏‏ لكن هناك من يري تلافيا لهذه الضغوط‏,‏ أن وزارة الثقافة تقصي تيارات سياسية‏,‏ وثقافية معينة لها حضور في الشارع مثل الماركسية والإسلاميين والقوميين وتطرح بديلا عنهم الفن للفن؟‏!‏
أريد أن أقول شيئا محددا وهو أننا لسنا سياسيين ومع ذلك لابد أن تكون لدينا سياسة‏,‏ والسياسة في الأعم هي السياسة الاقتصادية والاجتماعية أما وزارة الثقافة فلها سياسة معينة‏,‏ وهي أنها سياسة تتجه إلي المجتمع ككل‏,‏ بغض النظر عما يكون هذا أو ذاك‏,‏ سواء أكان أحمر أم أصفر‏,‏ أم هذا تحت وذاك فوق‏,‏ وعلي سبيل المثال لدينا جريدة القاهرة فمن يكتب فيها؟‏!‏ تقريبا كل التيارات‏,‏ والثقافة لا تخص تيارا دون آخر‏,‏ ولكنها تخص المعرفة بشكل عام‏,‏ وتخص الإبداع‏,‏ والكيان المادي لملامح الشعب‏,‏ من هنا لا يستطيع أحد أن يلغي أحدا‏.‏
‏‏ ولكن ردك كان عنيفا علي صنع الله إبراهيم عندما قلت إنك سوف تقومه؟
أي أحد فينا يمكن أن يقوم ولا كبير علي الحياة‏,‏ وإن كنت أري فيما حدث خطأ في الكتابة فأنا لم أقل إننا في حاجة إلي إصلاح وتهذيب‏,‏ ولكنني أردت أن أقول ينبغي علي صنع الله أن يعود إلي نفسه‏,‏ وكيف كان موقفنا معه‏,‏ وموقفه هو معنا‏,‏ فهو الذي أدخلنا في السياسة‏,‏ وفي الوقت نفسه لم أقصد كلمة تقويم فهذا مجرد خطأ في التعبير وليس أكثر فنحن لا نقوم أحدا‏.‏
‏‏ قلت في أحد الحوارات إنه ينبغي علي الغرب أن يترجم هو تراثنا‏,‏ هل معني ذلك أننا لا ينبغي علينا ترجمة علومة وفنونه‏,‏ ونحن في عصر المعلومات؟
لدينا‏600‏ كتاب مترجم‏,‏ وصندوق التنمية تحمل عملية الترجمة بالكامل‏,‏ وأنجزنا هذا المشروع خلال أربع أو خمس سنوات فقط‏,‏ وقد جاءني د‏.‏ جابر عصفور ووضع أمامي الخطة فاعتمدت المبالغ اللازمة له علي الفور وبدأ المجلس الأعلي للثقافة في هذا المشروع الذي أصبح واحدا من أهم المشروعات الثقافية إضافة إلي أن كل هيئات وزارة الثقافة أصبحت لديها مشاريع عديدة للنشر‏.‏
‏‏ هناك تضارب في النشر بين هيئات وزارة الثقافة‏..‏ مثلا الجميع ينشر نفس السلاسل؟
هذا في صالح الأدباء والكتاب‏.‏
‏‏ ليس في مصلحة الأدباء لأن كثيرا من هذه السلاسل تنشر دون قراءة‏,‏ والدليل هو وجود منها يتشابه مع بعضه البعض؟
أسمح لي أن أوضح لك الهدف من ذلك‏,‏ وهو أن ذلك عمل أو برنامج ثقافي متكامل لدي وزارة الثقافة‏,‏ فمثلا عندما تنشر الهيئة العامة لقصور الثقافة فهي تنشر لأولادها في الأقاليم‏,‏ أما الهيئة العامة للكتاب فتنشر للأعلام الموجودين علي الساحة الثقافية‏,‏ والذين أصبحوا أكثر نضجا‏,‏ ويأتي دور المجلس الأعلي للثقافة الذي ينشر ويترجم الصناعة الثقافية الثقيلة‏,‏ وتبقي في النهاية دار الكتب تنشر وتحقق أمهات الكتب‏.‏
‏‏ لكن الواقع غير ذلك فهناك سلاسل متشابهة في كل هيئات وزارة الثقافة؟
آسف‏,‏ غير موافق علي ذلك‏,‏ هذه مستويات وكل مستوي له معيار محدد‏,‏ أعني أن النشر للشباب يبدأ في هيئة قصور الثقافة‏,‏ ثم إذا ارتفع المستوي ففي هيئة الكتاب وهكذا تماما مثل مقتنيات المتاحف وفي النهاية أقول إنه لدينا برنامج واضح للنشر‏.‏
‏‏ ما دور وزارة الثقافة في عصر المعلومات ولماذا لا يوجد لها موقع علي شبكة الإنترنت؟
دار الكتب لها موقع‏,‏ والأوبرا لها موقع‏,‏ وأيضا الفنون التشكيلية‏,‏ ونؤسس الآن موقعا شاملا لكل ما هو ثقافي لنضع عليه كل النشاطات الثقافية المصرية‏,‏ كما أننا قريبا سنبدأ في النشر الإلكتروني حتي نواكب هذا التقدم المذهل في هذا المجال‏,‏ حتي من لا يجد الكتاب المطبوع يقرأه علي الكمبيوتر‏.‏
‏‏ عودة إلي مكتبة الأسرة لا شك أن هذا المشروع أثر علي النشر الخاص؟
قولوا لنا ماذا نفعل؟ هل ننظر إلي الطلبة والفقراء أم ننظر إلي طبقة غنية وقادرة إنني أندهش عندما يسألني أحد هذا السؤال‏,‏ كيف يتم الدفاع عن النشر غالي الثمن في الوقت الذي نقدم فيه هذا النشر بسعر لا يذكر‏,‏ وفي النهاية هذا تفكيرنا‏,‏ وإذا كان لديكم تفكير آخر قولوا لنا ماذا نفعل؟
‏‏ نعني أن هناك من يري أن وزارة الثقافة عليها ألا تكون ناشرا من الأساس‏,‏ وتكتفي ببناء البنية الثقافية الثقيلة‏,‏ وتترك نشر الكتب للناشرين؟
يا سلام‏..‏ هل لأنك قادر علي أن تشتري الكتاب من النشر الخاص‏,‏ نترك أولاد الغلابة‏,‏ لتتلقفهم التيارات المتخلفة‏,‏ ولا يجدون أمامهم إلا كتب التيارات الدينية المتزمتة وكتب الجن والشعوذة المرمية علي الأرصفة‏,‏ ثم نتفرج ماذا يحدث بعد ذلك؟
‏‏ تعني أن النشر في وزارة الثقافة جاء لضرب مثل هذه الكتابات؟
طبعا‏..‏ إضافة إلي تزويد المكتبات في القري بالكتب التي ينبغي أن ننشرها في وزارة الثقافة‏,‏ وهنا أقول إنه ينبغي أن تكون لديك سياسة‏,‏ وتسأل نفسك أولا لماذا تنشر ذلك‏,‏ ومتي‏,‏ وفي أي زمن أنت‏,‏ ومن أجل من تفعل ذلك‏,‏ وكلها أسئلة لابد أن تضعها أمامك‏,‏ وتحاول الإجابة عنها‏,‏ من خلال منهج وتصورات في العمل‏,‏ فنحن مثلا في الزمن الحالي لا ينبغي علينا أن نكون في زمن الخمسينيات‏,‏ فأنت الآن تتعامل مع فرز اجتماعي جديد‏,‏ له مشاكله المختلفة عن ذلك الزمن في أوائل القرن الماضي‏,‏ زمن الاحتلال‏,‏ وما يفرزه من ثقافة تحاول الاستقلال عن الاستعمار‏,‏ أما الآن فنحن في زمن آخر‏,‏ توجد فية عولمة وأمريكا‏,‏ وتطرف الأديان‏,‏ ولا يوجد دين واحد لا يوجد فيه بعض المتطرفين‏.‏
‏‏ وهل هذه السياسة في الزمن المختلف يقوم بها رجال ينتمون إلي زمن قديم‏,‏ ويفكرون بنفس الأدوات القديمة؟
هل تقيس العمل بالعمر أم بالخبرة والأفكار والرؤية المتطورة؟‏!‏
‏‏ في الحقيقة هناك ثبات في الوجوه منذ أعوام طويلة؟‏!‏
ليس هناك ثبات‏,‏ إلا إذا كنت تنظر إلي المسئول القديم في موقعه وكأنه ثابت‏,‏ لكن لا يجب أن ننظر إلي الأمر هكذا‏,‏ بل ننظر إليه من خلال سؤال ما المنتج الذي يقدمه هذا المسئول أو ذاك؟ وإذا دققنا النظر فسوف نجد أن المنتج الثقافي متغير‏,‏ فأنت لا تستطيع أن تقول لأم كلثوم لا تغني الآن‏,‏ فأنت كنت تغنين في الخمسينيات والثلاثينيات‏,‏ ولكن عليك أن تري ما تقدمه الآن‏,‏ وهذا الأمر ينطبق علي رجال وزارة الثقافة الذين يقومون بالعمل الثقافي الحالي‏.‏
‏‏
تتهم وزارة الثقافة بأنها وزارة مهرجانات؟
بسخرية‏..‏ لدينا خمسة مهرجانات والذي لا يحب المهرجانات لا يأتي‏,‏ ولكن هناك من يحبون السينما فيأتون إلي مهرجان القاهرة الدولي السينمائي‏,‏ وآخرون يحبون الموسيقي والفنون التشكيلية والمسرح التجريبي ولكل هؤلاء نقيم هذا العدد القليل من المهرجانات في مقابل‏267‏ مهرجانا في دول أخري‏.‏
‏‏ لكن هناك مؤتمرات كثيرة يقيمها المجلس الأعلي للثقافة‏,‏ وتتكرر فيها نفس الأسماء؟
الغريب أن الكليمة هم الذين يحبون الكلام‏,‏ وفي الوقت نفسه هم الذين يرفضون هذه المؤتمرات‏,‏ أما حكاية تكرار الأسماء‏,‏ فهذه هي المرة الثانية التي يقول فيها لي أحد إن الأسماء تتكرر في مؤتمرات المجلس الأعلي للثقافة‏,‏ ويبدو لي أن هذا راجع إلي أن الذي يدعو هو ناقد‏,‏ وواحد من الكتاب الذين يدعوهم‏,‏ تماما مثلما يكون لك أصدقاء وتصبح في موقع فتأتي بهم في البداية ثم تغير بعد ذلك‏,‏ وعندما عدت من الخارج وأصبحت وزيرا للثقافة جئت بأصدقائي الذين أعرفهم حتي أقول هؤلاء هم الذين سوف أعمل بهم‏,‏ فجئت بالكاتب الإيطالي العالمي ألبرتو مورافيا إلي معرض الكتاب وأقمنا معه ندوة ناجحة‏,‏ وأخيرا حتي لو تكررت الأسماء هل أصحابها يشكلون قيمة أم لا؟
‏‏ لا‏..‏ هم يشبهون بعضهم البعض‏..‏ ويأتون من تيار واحد؟‏!‏
لا أظن ذلك‏,‏ وحتي لو كان الأمر مثلما تقول فإن هناك آخرين سوف يرغبون في الاشتراك معنا في المؤتمرات القادمة‏,‏ وساعتها تتغير الأسماء‏.‏
‏‏ أنت وزير ثقافة مصر وفي الوقت نفسه فنان تشكيلي‏,‏ كيف توافق علي مثل هذه التماثيل الموجودة في الشوارع‏,‏ لطه حسين‏,‏ وأم كلثوم‏,‏ وعبد المنعم رياض‏,‏ ونجيب محفوظ؟
أنا مالي هذه ليست مسئوليتي‏,‏ هي مسئولة المحافظ‏,‏ وعندما تصبح في أيدينا مسئولية التنسيق الحضاري سيكون لنا قول آخر‏,‏ وهذه المسئولية سوف يصدر بها مجلس الشعب في دورته الجديدة قانونا لتصبح ضمن مسئولياتنا ولكن أود أن أشير إلي أن هناك تمثالا واحدا شاركنا فيه‏,‏ هو تمثال طه حسين‏,‏ وإن فيه خطأ‏,‏ تصوري سوف يعالج بقطع جزء من القاعدة‏,‏ وقلت ذلك للمحافظ ووافق علي قطع القاعدة ليصبح التمثال في وضع صحيح‏,‏ ولا تفوتني هنا ملاحظة يجب أن ندرك أن الإنسان سجين وعيه‏,‏ والفن الآن يجب أن يواكب العصر‏,‏ لا فن القرن الثاني عشر‏.‏
‏‏ إذا انتقلنا إلي ملف الآثار هناك معركة دائمة حول هذا الأمر‏,‏ فهناك من يقول إن عهد فاروق حسني هو أكثر العهود الثقافية التي تمت فيها سرقة الآثار والمخطوطات لماذا يحدث ذلك؟
لأننا نعمل‏,‏ وما تقول عليه سرقة هو مضبوطات‏,‏ وهناك فارق كبير بين المعنيين‏,‏ مضبوطات يعني أننا نقبض علي اللصوص‏,‏ أما المسروقات فهي التي لا نجدها‏,‏ وفي هذا الموضوع تحديدا هناك أخطاء لأن هناك من يعكس الأمر تماما‏,‏ وأنا أرجو ألا يقال مسروقات‏,‏ ويقال بالبنط العريض مضبوطات‏,‏ لأننا بالفعل نسترد الآثار من مدن العالم‏,‏ ونحاكم مرتكبي السرقة فيها‏,‏ ودائما أرسل رئيس هيئة الآثار إلي أي مكان تظهر فيه قطع مصرية‏.‏
‏‏ وماذا عن الذي سرق نهائيا ولم يتم استرداده؟
أي شيء خرج بطريق شرعي بعد عام‏1972‏ نقوم باسترداده‏,‏ وأنتم تقرأون يوميا عن الاتصالات التي تجري بالأنتربول وبالوزارات والهيئات الدولية‏.‏
‏‏ هل تعني أن هناك خروجا شرعيا للآثار المصرية؟
خروج شرعي هو ما تم قبل عام‏1972,‏ فالقانون كان يقر بالإهداءات‏,‏ وحتي عام‏1983‏ كان يوجد قانون يجيز الاتجار في الآثار‏,‏ وكانت توجد في المتحف المصري قائمة للمزادات حول بيع الآثار‏,‏ وتشجيع تصديرها من القطع المكررة‏,‏ وكان الذين يقومون بذلك يحملون شهادات صالحة للعمل‏,‏ وما باعوه لا يمكن استرداده‏,‏ ولكنني بعد أن أتيت ألغيت حكاية القسمة التي كانت تبيح بالقانون‏10%‏ لهؤلاء التجار‏.‏
‏‏ يقال إنك تدخل الأزمات وتخرج منها أقوي مما كنت؟
لأننا لا نكذب‏,‏ وما لدينا هو وسام علي صدر كل مصري‏,‏ ولا يحب ونحن كذلك أن نقول نحن متخلفون ومتراجعون‏,‏ ومن يقول ذلك يسب كل المبدعين المصريين‏,‏ ويسفه من نشاطهم الموجود بالفعل‏.‏
ماذا جري يا جماعة‏,‏ هل ترون أن هناك نشاطا ثقافيا كبيرا في دولة عربية يتفوق علي ثقافة مصر ولا نعرفه‏,‏ أم أن المبدعين العرب أنفسهم هم الذين يأتون إلينا؟‏!‏ وأقول هنا علي المبدعين والمثقفين الحقيقيين أن يتصدوا لمن يقول إن الثقافة المصرية في حالة تراجع‏,‏ لأن من يقول بذلك يسرق حقوق الثقافة المصرية‏.‏
‏‏ هل لديك فندق في باب العزب؟
أنا بشكل شخصي‏..‏ هل هذا كلام؟ أولا هذا مبني مكون من أربعين غرفة‏,‏ تم بناؤه عام‏1907,‏ ولم يكن ملكا لصلاح الدين أو محمد علي باشا‏,‏ أو إسماعيل باشا‏,‏ وجاء المصمم الإيطالي وقال إنه يمكن أن يصبح هذا المبني فندقا صغيرا‏,‏ وهو كان كذلك عندما تم بناؤه‏,‏ وكان الجنود ينامون فيه كـأوشلاق وعندما فكرنا في ذلك‏,‏ رفعواعلينا قضية‏,‏ وقالوا قلعة صلاح الدين‏,‏ قلنا لا نريد فندقا‏,‏ ولكننا كنا نرغب في أن نفهم كيف نتعامل مع آثارنا الإسلامية‏,‏ لأن الآثار الفرعونية لا تستعمل‏,‏ فقط الإسلامية والقبطية هما اللتان يمكن استخدامهما حتي لا ينهارا مع مرور الزمن‏.‏
‏‏ بعد الذي قلته دفاعا عن سياسة وزارة الثقافة هناك تصور مختلف ومضاد لما تقول يؤكد أن الذين ينفذون سياسة الثقافة في مصر مازالوا نفس الوجوه التي لا تتغير؟
يجب أن نتكلم عن النتائج وليس الأشخاص‏,‏ ونسأل هل هؤلاء يعملون أم لا؟ فالثقافة هي أن تعمل فيها وأنت معارض‏,‏ وهذا مفيد جدا في تقدم الفكر‏,‏ لأنه لا يوجد فكر ثقافي غير مفيد سواء أكان معك أم ضدك‏.‏
وأيضا أريد أن أسأل بصراحة هل هناك إنتاج ثقافي مصري أم لا؟ وإذا كنا لم نشعر به فستصبح مصيبة وكارثة كبيرة‏,‏ لأن ذلك معناه أنه لا يوجد فيه مثقف واحد‏,‏ كما لا يوجد أحد يفهم‏,‏ وهذا بالطبع ليس معقولا‏,‏ لأن الذين يفهمون كثيرون‏.‏
ومرة أخري أسأل لماذا كل ما يقال عن تراجع الثقافة المصرية‏,‏ الإجابة هي أن هناك مخططا ضد كل من يعمل‏,‏ ويجب علينا أن ننتبه إلي هذا المخطط‏,‏ لأن المجد تتم سرقته منا‏,‏ وهذا المجد ليس من صنع وزارة الثقافة‏,‏ إنما من خلق هذا الشعب المصري‏,‏ وبصراحة لست أفهم لماذا لا يوجد من يتصدي لهذا العبث‏,‏ حتي الذين يقتنعون بأعمالنا يخافون من المجاهرة بذلك‏,‏ وتلك مصيبة كبيرة‏.‏
‏‏ هل تشير إلي الذين يعملون في وزارة الثقافة وصفقوا عندما رفض صنع الله جائزة الرواية العربية؟
من الواضح أننا نعمل في الثقافة وكأننا دولة ثقافية عند إسرائيل‏,‏ إنهم يتجنبوننا‏,‏ وهذا شيء غريب‏,‏ وكأننا نضع لهم سما في النشاط المقدم لهم‏,‏ علي الرغم من أنهم هم من يقومون بكل هذا النشاط‏,‏ وليس نحن‏.‏
أما الموظفون الذين يعملون في وزارة الثقافة ففي خدمة الثقافة‏,‏ ولا يقدمون لأنفسهم شيئا‏,‏ وأسأل لماذا لا يقدم المنتقدون لنا تصورا مختلفا ويقولون لنا أنتم عاطلون في كذا وكذا‏,‏ ويجب إصلاح الأخطاء بدلا من الانتقاد الدائم؟ كما أنه بدلا من أن نتحدث عن أخطار العولمة والغزو الثقافي نراهم يتقاعسون‏,‏ ولا يضعون أيديهم في أيدينا لنقوي الآلة الثقافية لا قصقصة أجنحتها‏,‏ إنها عملية غريبة لجلد الذات‏.‏
‏‏ من أين تأتي عملية جلد الذات التي تشير إليها؟
هذا جلد ذات تمثيلي وليس أصيلا‏,‏ لأن أي شريف يستطيع أن يحصي ماذا أنجز في الثقافة المصرية‏,‏ أما لو أن أحدا أراد معركة معي‏,‏ فهذه ليست المشكلة‏,‏ أنا علي استعداد لها‏,‏ حتي لو رغب في أن أترك مقعد الوزير لغيري‏.‏
‏‏ ألمح أنك توحي بأن هناك مؤامرة علي الثقافة المصرية؟
فعلا‏.‏ مثلا أنا مفاجأ بأشياء تعود إلي السطح بعد أن كنت نفيتها سابقا‏,‏ وأري أن هناك مؤامرة علي مصر‏,‏ ولا يحب أن ننكرها‏,‏ ومصر هي الثقافة فقط‏,‏ فلا توجد لدينا صناعة ونستورد الزراعة‏,‏ ولم تبق لنا إلا الحضارة المصرية‏,‏ والثقافة التي نؤديها الآن علي مستوي دولي‏,‏ إنه شيء عجيب ألا نشعر بذلك‏*‏