350‏السنة 123-العدد2003ديسمبر6‏12 شوال 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

د‏.‏ سعيد صادق يرسم الجانب الآخر لمذبحة الزمالك‏:‏
ثقافة ماء النار‏..‏ شوهت وجه مصر‏!!‏

د. سعيد صادق

أجري الحديث ـ أسامة الدليل
تصوير ـ محمد محرم


‏3‏ مسدسات ومدفع رشاش‏..‏ كيف وصلت هذه الترسانة إلي يد رجل الأعمال صاحب مجزرة الزمالك‏..‏ ومن قبله كيف وصلت بندقية القناصة ومسدس الماجنوم الفتاك إلي يد رجل الأعمال الذي صور زوجته الراقصة أثناء مضاجعتها علي فراش الزوجية‏!!..‏ الملايين التي اشتري بها جزار ذكري مطعما فاخرا علي النيل قبل شهر واحد من الفضيحة كيف توفرت له وهو الممنوع من السفر بأمر النائب العام لكونه مديونا ومتعثرا في الملايين التي اقترضها من أموال الودائع البنكية‏!!..‏ ولماذا الزواج العرفي‏,‏ ما الذي كان يمنعه عن الزواج الرسمي أوحتي الموثق في الشهر العقاري بها‏,‏ أو بمن سبقتها من الفنانات‏!..‏ ولماذا استخدم ابن الذوات الرصاص من عيار‏9‏ ملم في تأديب زوجته‏..‏ شرعيا‏,‏ وما الذي فجر كل هذا العنف الذي لا يمكن أن يوجد إلا في أفلام السينما الأمريكية في علاقة أساسها المودة والرحمة‏..‏ وفي أسرة لا تعدم الفرفشة حتي مطلع الفجر‏..‏ ولماذا ينتحر رجل الأعمال ابن رجل الصناعة العصامي؟‏!‏كانت هذه هي عينة الأسئلة التي سكبتها في ضمير الدكتور سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأمريكية‏..‏ ولكن‏..‏ كأنني ضغطت بكلماتي علي لغم‏..‏ انفجر قائلا‏:‏ الحكومة هي التي رخصت له السلاح‏..‏ ويبدوأنها لا ترخص الأسلحة إلا لهذه العينة من الناس‏..‏ فلا أنا ولا أنت يمكنهم ترخيص سلاح شخصي إلا بعد أن تزهق أرواحنا‏..‏ أما هذه الفئات‏..‏ فالظاهر أنها أصبحت طفل الحكومة المدلل‏!!‏
أركاديا وأخواتها

‏‏ قاطعته‏:‏ لكن المدفع الرشاش غير مرخص؟
قال‏:‏ المشكلة أنه في غياب المساءلة وغياب المعيار الذي يؤشر علي وجود فساد اجتماعي ما‏..‏ يصبح كل شيء مرخصا‏..‏ ودعني مرة أخري أؤكد أن الحكومة في مصر لا تتحالف مع كل طبقات الشعب‏..‏ بقدر ما تتحالف مع هذه الطبقة التي يظهر فسادها كل يوم‏..‏ دون أن يكون هناك من يراجعها‏..‏ ودعني هنا أسألك‏..‏ كم نهب الاستعمار البريطاني من خيرات وأموال مصر‏..‏ وكم نهب هؤلاء من أموال بنوك مصر‏!!...‏ النتيجة أن هؤلاء الذين ينتسبون لمصر بالجنسية أضروا بمصر في‏20‏ سنة أكثر مما أضر بها الاستعمار في‏70‏ سنة‏.‏
‏ قلت‏:‏ إذن المسألة أبعد من أن ينظر إليها كمجرد واقعة قتل جماعي‏..‏ وانتحار
أجاب‏:‏ طبعا‏..‏ ولوأننا رجعنا لحادثة أركاديا وماتم فيها من بلطجة ومذابح قام بها أفراد ينتمون لنفس العينة‏..‏ لوجدنا أسئلتك ذاتها بالكامل هناك أيضا‏..‏ والواقع أن مثل هذه الظواهر نشأت في حياتنا الاجتماعية منذ أوائل الثمانينيات‏..‏ عندما بدأ أغنياء الانفتاح في فرض أشكال من التمايز الطبقي فأقاموا سورا في منطقة المنتزه علي شواطيء الاسكندرية‏..‏ بحيث أصبح هناك شاطيء لأولاد الذوات وآخر لطبقات الشعب الأخري‏..‏ ووصل بهم الأمر لإقامة مقابر سوبر لوكس‏..‏ ثم ما لبثت الظاهرة أن تخطت إلي أولاد هذه الطبقات الذين يعمرون المواخير وصالات الليل ويشترون السلاح بشراهة‏..‏ وهكذا أصبح المجتمع يتسم بالعنف وبات أنجال هذه الطبقة هم أدواته‏..‏ ومن ثم مللنا من سماع حوادث العنف الملازمة للبذخ السافر‏..‏ علي شاكلة حادثة أركاديا وغيرها‏..‏ وهكذا أيضا دخلت قضية البلطجة لقاعة البرلمان المصري لأول مرة في تاريخه‏.‏
فنانو مصر شاركو وداع الفنانة ذكرى
البلطجة والقانون

‏‏ قلت له إنني أتذكر أن للبرلمان مواقف واضحة من هذه الظاهرة‏..‏ ولكن هل يمكننا أن نقول إن ذكري الفنانة والزوجة قد قتلت بسبب ضعف التشريع وعجزه عن ملاحقة بلطجة هذه الفئات؟
أجاب‏:‏ أعود من جديد للتأكيد علي تحالف الحكومة مع هذه الطبقة‏..‏ ودعني أقل بصراحة أن هناك تواطوءا مع هذه الفئات فالحكومة هي التي تعطيهم تراخيص السلاح وتوفر لهم الثغرات التي ينشرون منها الفساد بعدم محاكمتهم‏..‏ وكذلك يفعل القانون الذي تشتريه هذه الفئات بأموال الكادحين‏..‏ أموال ودائع البنوك‏..‏ والدليل الأبرز علي ذلك أنه كلما ارتفع صوت ينادي بعقاب المفسدين تخرج أصوات تستنكر ذلك‏...‏ أيضا تلك الأموال التي يسرت لهم البنوك الحصول عليها وإنفاقها علي الزواج العرفي وسهر الليالي وشرب الخمور وتعاطي المخدرات‏..‏ لو كانت الحكومة وجهتها للشباب وأعطت لهم الصحراء ليبنوا فيها مستقبلهم ومستقبل بلادهم‏..‏ بدلا من بيعها بتراب الفلوس لهؤلاء المفسدين الذين يكسبون من بيع فيللا واحدة في الصحراء أكثر من‏500‏ بالمائة‏..‏ لكان الأمر قد تغير تماما‏..‏ الحكومة مسئولة ولو أدبيا أوأخلاقيا عن هذا الانفلات‏..‏ لأنه لوكان لديها نظام للمحاسبة والمساءلة لاختفت كل هذه الظواهر الشاذة
الحب بضرب الرصاص

‏‏ سألته‏..‏ أي تشريع وأي آلية حكومية لمنع الفساد كان بوسعها أن تحمي زوجة من نذالة رصاص طيش زوجها؟
قال‏:‏ الفساد الاجتماعي ليس بعيدا عن ثقافة العنف وثقافة كراهية المرأة في مصر‏..‏ ومنذ أيام نشرت الصحف حادثا كان لابد أن نقف جميعا عنده‏..‏ واقعة تتعلق بفتاتين من إمبابة كانتا تسبحان في شاطيء سيدي بشر فتحرش بهما شابان أحدهما‏15‏ سنة والآخر‏17‏ سنة قادمين من الصعيد‏..‏ فسبت الفتاتان أحدهما فترك ماء البحر وخرج وأحضر سكينا طويلة وذبح واحدة وانهال طعنا علي الأخري‏..‏ فإذا نظرنا إلي أن الطبقات المنفلتة هي أيضا نتاج هيمنة النظام الأبوي والفكر البدوي علي الجميع بما فيهم الحكومة‏..‏ لوجدنا الخيط الرفيع الذي يربط كل هذه الظواهر ببعضها البعض
ويضيف‏:‏ لقد تم ضبط إحدي التنظيمات الإرهابية في أواخر الثمانينيات قبل أن تنفذ هجوما علي النساء في أحد الفنادق الفاخرة بماء النار‏..‏ لقد كان الإرهاب فسادا أمكن بشكل أو آخر احتواؤه ولومؤقتا‏..‏ الآن نحن أمام إرهاب جديد وتطرف جديد‏..‏ نحن أمام طبقة تفرض التغريب علي الناس‏..‏ بعادات وتقاليد مختلفة تماما عما هوسائد في المجتمع‏..‏ ولكن بالعقل البدوي ذاته‏..‏ الذي يلجأ للقتل إذا لم تستجب لنزواته المريضة‏..‏ ومع انسحاب دور المثقف الحقيقي‏..‏ الذي يضحي بمصالحه الشخصية من أجل الآخرين‏..‏ تتعقد المشكلة أكثر فأكثر‏..‏ لقد كنت ذات مرة في أحد الشوارع غير المضاءة ليلا‏-‏ وما أكثرها‏-‏ في القاهرة أنتظر أحد الأصدقاء في سيارتي عندما توقف بالقرب مني شاب وفتاة وهما في حالة توتر شديد‏..‏ ووجدته يقول لها أنا وأنت لا نصلح لبعضنا البعض ويجب أن نفسخ الخطبة أو أن ألقي علي وجهك بماء النار حتي لا يتزوجك سواي طيلة عمرك‏..‏ وصمتت الفتاة‏..‏ وسارا بعيدا‏..‏ ولا أدري إن كان هذا قد تم أم أن الزيجة ذاتها قد تمت‏..‏ ومن يدري أيضا‏..‏ فقد تكون هذه الفتاة الآن زوجة‏..‏ تواجه رصاص‏..‏ العريس الغني‏!!*‏