350‏السنة 123-العدد2003ديسمبر6‏12 شوال 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

من صدام حسين إلي نبيلة عبيد

داود الفرجان


في عز صيف عام ألفين اختفي صدام حسين في قصره السري المنحوت في قلب سلسلة جبال حمرين التي تمتد شرقي العراق من الجنوب إلي الشمال والتي تتداخل فيها الحدود في بعض المواقع بين العراق وإيران‏.‏ واعتكف صدام لمدة شهر في ذلك القصر الذي تعرض في عام‏1998‏ لقصف عنيف ثم تكرر القصف مرة أخري بقنابل ضخمة في الحرب الأخيرة‏.‏ وظهر صدام يوم‏8‏ أغسطس‏2000‏ في التليفزيون ليلقي خطابا غير مسبوق في ذكري توقف الحرب العراقية ـ الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات وراح ضحيتها مئات الآلاف من شباب العراق وإيران‏.‏ كان الخطاب يضم‏58‏ وصية تفتق عنها دماغ الرئيس المناضل وطلب من الشعب العراقي المنكوب حفظها عن ظهر قلب وترديدها ليل ـ نهار في الإذاعة والتليفزيون والاجتماعات والندوات والجامعات والمدارس ورياض الأطفال والسجون ومانشيتات جميع الصحف‏.‏ وظلت تلك الوصايا تنشر يوميا في أجهزة الإعلام العراقية منذ ذلك التاريخ إلي‏9‏ إبريل‏(‏ نيسان‏)2003‏ حين سحل العراقيون تمثال الرئيس القائد في شوارع بغداد بعد انهيار النظام الدكتاتوري‏.‏
الوصية الأولي التي وجهها صدام إلي العراقيين تقول‏:'‏ لا تستفز الأفعي قبل أن تبيت النية والقدرة علي قطع رأسها‏..‏ ولن يفيدك القول إنك لم تبتديء إن هي فاجأتك بالهجوم عليك‏'.‏ والغريب أن صدام استفز أمريكا وهو يعلم جيدا أنه غير قادر علي قطع رأسها أو ذيلها‏,‏ والأغرب أنه يعترف مقدما بأنه لن يفيده القول بأنه لم يبدأ الهجوم وأن أمريكا فاجأته بالهجوم عليه‏..‏ وكان الذي كان وحصل الذي حصل‏.‏
ويضيف صدام في وصيته الرابعة‏:'‏ لتكن الضربة الكبيرة منك والضربة الحاسمة لك‏'.‏ لكن الضربة الكبيرة كانت أمريكية‏..‏ وكذلك الضربة الحاسمة‏.‏ فأم الحواسم كانت أمريكية في البداية والنهاية بعد أن خلع صدام بدلة‏(‏ المهيب الركن‏)‏ وتحول إلي طريد هارب يتخفي في السراديب والوديان والحقول والجبال‏.‏ وأغلب الظن أنه يقبع الآن في‏(‏ زاغور‏)‏ ما في جبال حمرين علي مسافة قصيرة من تكريت مسقط رأسه‏.‏ وأنا أحتفظ بحقي في المكافأة الكبري التي رصدتها واشنطن لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلي القبض علي ذلك الطاغية الذي باع شعبه قبل أن يبيع بلده ويترك العراق العظيم فريسة للاحتلال الغاشم‏.‏
والوصية السابعة تقول‏:'‏ إن حكمت‏..‏ فاحكم بالعدل‏'.‏ والدليل علي ذلك المقابر الجماعية وحفلات الإعدام وقطع الألسن والسجون المليئة وملايين المشردين خارج البلاد‏.‏ أما الوصية التاسعة‏(‏ وأنا أقفز فوق بعض الوصايا التي لا معني لها‏)‏ فتقول‏:'‏ اجعل الحكمة بديلا عن التهور‏..‏ والعقل بديلا عن الحماقة‏'.‏ ويعلم الجميع أن البضاعة الرائجة للنظام المخلوع هي التهور والحماقة التي أعيت من يداويها‏.‏
وهذه وصية أخري‏:'‏اجعل عدوك أمام عينك واسبقه ولا تدعه خلف ظهرك‏'.‏ ومعني هذا أن يكون عدوك أمامك وأنت أمامه في نفس الوقت‏..‏ وهات القزازة والمزة تازة‏!‏ وأطرف من هذه الوصية واحدة تحدد مواصفات القائد بالقول‏:'‏ إن قيادة الناس بحاجة إلي من يغضب ويرضي ويثور ويهدأ ويقطب ما بين حاجبيه ويبتسم ويرجف شاربه لأمر مرفوض أو يزهو لما يريح النفس وأن يعتدل في الطعام والشراب ولا يفرط فيهما‏'.‏ هذه هي مواصفات القائد في نظر صدام الذي كان معظم مساعديه من حملة الشهادة الابتدائية الذين يجيدون تحريك الحاجبين والشارب والراقصات‏.‏
ولأن صدام شكوك في الآخرين فهو يوصي بالحذر من الأصدقاء قبل الخصوم‏.‏ ويعلم العراقيون أن أجهزة الإنصات كانت مزروعة في بيوت أعضاء مجلس قيادة الثورة والوزراء وقادة الحزب وكبار المسئولين العسكريين والمدنيين ليسمع صدام آراء هؤلاء فيه‏..‏ فربما يتورط أحدهم في انتقاد بدلة السيد الرئيس القائد الرمز مما يؤثر علي المسيرة ويعطل انتصار القضية المصيرية‏.‏
واخيرا وليس آخرا تقول إحدي وصايا صدام‏:'‏ استفد من دروس غيرك قبل أن تدفع ثمنها‏,‏ فإن لم تستطع فاستفد من دروسك قبل أن يثقلك ثمن ما تدفعه عن المتراكم منها فتغرق وتوصف بالغباء والحمق ويكون مصيرك التعاسة والهلاك‏'.‏ وهكذا استفاد صدام فعلا من دروس الآخرين ودروسه وتجنب التعاسة والهلاك ومازال يحلم بالعودة إلي كرسي السلطان الذي كان ياما كان‏.‏
وقد دفعني إلي كتابة هذا المقال عن تلك الوصايا السخيفة الحملة الصحفية التي تتعرض لها الفنانة نبيلة عبيد بسبب مسلسلها التلفزيوني‏'‏ العمة نور‏'‏ الذي امتلأ بالنصائح والإرشادات والتوجيهات والوصايا الساذجة من‏(‏ أستاذة علم السلوك الاجتماعي‏)‏ القادمة من الولايات المتحدة لتعطينا دروسا في فن الحياة‏.‏
تريدون الحق أو ابن عمه‏..‏
لا فرق بين العم صدام والعمة نور‏.‏ كله محصل بعضه‏!‏