
|
مبادرات شرق أوسطية جديدة..! |
 | |
د. عبدالمنعم سعيد في الوقت الذي يمر فيه الشرق الأوسط في بأسوأ حالاته من تراجع في عملية السلام, وتواضع في معدلات الأداء الاقتصادي, وانتشار كبير للإرهاب حتي وصل إلي السعودية, حيث الديار الإسلامية المقدسة, وإلي تركيا التي يحكمها حزب إسلامي, وكل ذلك مع حالة من اليأس وذيوع الإحباط ونقص الهمة, لمعت في سماء المنطقة مجموعة من المبادرات الجديدة التي قد تكون طريقا جديدا للخروج من كل ذلك. أولي هذه المبادرات حدثت في العراق وجاءت من جانب الولايات المتحدة, حيث وصل الأمريكيون إلي أن التصورات العظمي لتغيير العراق لكي يكون مثل ألمانيا واليابان لم يعد ممكنا ولا حتي مطلوبا من قبل العراقيين. وبعد أن وصل عدد الضحايا الأمريكيين إلي400 قتيل غيرت أمريكا من خطتها, وأعلنت نقل السلطة والسيادة للعراقيين مع نهاية شهر يونيو المقبل, وعلي الطريق لتحقيق ذلك بدأ الأمريكيون في نقل الواجبات الأمنية في المدن العراقية من الجيش العراقي إلي قوات الأمن العراقية, وجيش عراقي جديد, ولأن الوقت لم يعد يحتمل فقد بات محتما ومقبولا التعاون مع البعثيين السابقين, فأهل مكة أدري بشعابها, وأمن العراق يحل معضلاته رجال الأمن العراقيون بما عرف عنهم من كفاءة غير مسبوقة في حل المعضلات الأمنية. وثاني المبادرات جاء من قبل جماعات أهلية فلسطينية بقيادة ياسر عبد ربه- الوزير السابق في السلطة الوطنية الفلسطينية- مع جماعات إسرائيلية بقيادة يوسي بيلين الوزير في حكومة العمل الأخيرة, وكليهما توصل إلي اتفاق تفصيلي بين الفلسطينيين والإسرائيليين حول السلام النهائي فيما بينهما. وتفاصيل هذه المبادرة باتت معروفة الآن وهي تقوم من ناحية علي استكمال مفاوضات طابا المصرية علي أساس ما بات معروفا بمقاييس كلينتون التي وضعها قبل رحيله من البيت الأبيض, والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام1967, وقيام دولة فلسطينية مستقلة علي الأراضي التي سيتم الانسحاب منها مع تقاسم السيادة علي القدس بحيث يكون للعرب ما للعرب, وما لليهود لليهود. والمبادرة الثالثة لم تختلف كثيرا عن المبادرة الثانية إلا أنها جاءت من قبل حزب العمل الإسرائيلي مع اختلاف في بعض التفاصيل, لكن تبنيها من قبل أكبر أحزاب المعارضة في الدولة العبرية يعطيها بعدا مؤسسيا وهو ما يعني أنها سوف تكون الأساس الذي تجري عليه المفاوضات حال استئنافها في يوم من الأيام. ويبدو أن شارون وجد نفسه مسئولا عن الأوضاع الراهنة بينما يتسابق الجميع علي الخروج منها فقرر هو الآخر أن يطرح مبادرة له تقوم علي الانسحاب من غزة وإزالة المستوطنات بها مع عدد من مستوطنات الضفة الغربية لتوفير مساحة من الأرض والسكان لإعلان دولة فلسطينية مؤقتة عليها تبدأ مفاوضات طويلة المدي مع الإسرائيليين. ولأن اليمين الإسرائيلي المتشدد لا يريد دولة فلسطينية فقد اقترح دولة واحدة للطرفين الإسرائيلي والفلسطيني تقوم علي نظا م الكانتونات السويسري يكون فيها ستة كانتونات لليهود واثنان للفلسطينيين مع رئيس يهودي دائم للدولة يمكن أن يكون له نائب عربي. والمبادرة الرابعة وهي أهم المبادرات علي الإطلاق, هي المبادرة التي قام بها الرئيس مبارك بقيادته الحصيفة من خلال مبعوثه القدير اللواء عمر سليمان من أجل التوصل إلي وقف لإطلاق النار بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني. فيعلم الجميع في فلسطين وإسرائيل ودول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية أنه بدون وقف إطلاق النار فسوف تكون قيمة مبادرات السلام لا تزيد علي ثمن الورق الذي كتبت عليه, كما أن حلا للمسألة العراقية لن يحدث ما لم تجد المسألة الفلسطينية طريقها هي الأخري إلي الحل. وتشير البوادر الأولية إلي أن المبعوث المصري قد نجح في جهوده, وأن آفاق فترة من الهدوء العسكري لم تعد مستبعدة. فهل بات ممكنا لهذه المبادرات كلها أن تغير من الأحوال التعيسة في الشرق الأوسط, أم أنها مجرد محاولات لملء الفراغ السياسي والدبلوماسي الناشئ في المنطقة نتيجة انشغال الولايات المتحدة بعملية الانتخابات الرئاسية الطويلة؟ الإجابة عن ذلك ليست سهلة, لكن الثابت أن الأمر يتوقف علي رغبة الأطراف المباشرة, وإذا كان العراقيون جادين, والعرب المهتمون بشأن العراق جادين, فربما لن يمر وقت طويل حتي يعود العراق بلدا عربيا مستقلا وخاليا من الاحتلال مرة أخري. فالقضية حتي الآن ليست عما إذا كانت الولايات المتحدة أو المجتمع الدولي لهما خطة فيما يخص التغيير في العراق, وإنما ماذا يريد العراقيون والعرب في هذا الشأن. ورغم أن هناك الكثير من الشكوي العربية حول تأخر نقل السلطة والسيادة للعراقيين, إلا أن الأفكار بعد ذلك قليلة حول الدستور العراقي القادم. فالكل لا يريد نظاما مثل نظام صدام حسين, والكل لا يريد دولة طائفية, ولكن بعد ذلك لا يوجد الكثير مما يمكن الركون إليه. ولا يختلف الأمر كثيرا في فلسطين عما هو عليه في العراق, ومن بين الأفكار المختلفة فإن هناك حاجة لأن تستقر الدول العربية علي ما تريده حقا في عملية السلام المقبلة إذا ما قدر لها أن تعود إلي الساحة. نعلم أن الدول العربية لديها مبادرة تقوم علي مبادلة الأرض مقابل السلام والتطبيع, لكن بعد ذلك يوجد القليل من التفاصيل, والأقل في التعامل مع التنازلات المؤلمة لكل المبادرات المطروحة. فكما هو واضح أن حق العودة للفلسطينيين وفق أفضل المبادرات المطروحة قد تم قصره علي الأراضي الواقعة تحت سيطرة الدولة الفلسطينية بما فيها الأراضي التي سوف تتنازل عنها دولة إسرائيل في عملية تبادل الأراضي بين الطرفين. ومعني ذلك أن الغالبية العظمي من لاجئي عام1948 لن تعود إلي ديارها التي طردت منها, وهي مسألة بالغة الحساسية والتعقيد لأنها من جانب تمثل إخلالا بالعدالة والحقوق التاريخية. لكن من جانب آخر فإن عدم تقديم هذا التنازل سوف يعني استمرار الصراع إلي مدي لا يعلمه إلا الله, وفي هذا المدي فإن اللاجئين لن يعودوا أيضا إلي ديارهم, وتبقي بقية الفلسطينيين بلا دولة وتحت الاحتلال. ولعل حل هذا الموضوع لا يكون من جانب العرب, بقدر ما يكون من جانب الفلسطينيين, بمعني أنه لا يوجد حق لأحد في تقديم تنازل بهذا الشكل إلا الشعب الفلسطيني نفسه, وهو ما لا يتحقق إلا من خلال استفتاء الشعب الفلسطيني بمن فيه اللاجئون أنفسهم علي هذا الأمر. ومن الثابت أن%72 من اللاجئين الفلسطينيين يوجدون في معسكرات للاجئين في الضفة الغربية وقطاع غزة والأردن, وتزيد النسبة علي ذلك إذا ما ضم اللاجئين في سوريا ولبنان, وبالتالي فإن الاستفتاء ليس واجبا فقط, لكنه ممكن أيضا. ولكن دعونا لا نعبر الجسر قبل الوصول إليه.
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|