350‏السنة 123-العدد2003ديسمبر6‏12 شوال 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

إتفاق جنيف مثل الساعات السويسرية لا يقدم ولا يؤخر

‏3.8‏ مليون لاجيء فلسطيني فـــي مهب الريح

مباحثات ثلاثية بين أبو مازن رئيس الوزراء الفلسطينى السابق وبوش وشارون حول خريطة الطريق

تقرير ـ سوزي الجنيدي


الملل واليأس والخداع‏,‏ ثلاثة عناوين تعكس الوضع الفلسطيني الراهن‏.‏ إسرائيل تفعل ما يحلو لها وفي الوقت الذي ترغب فيه وهذا ليس جديدا‏.‏ إسرائيل تواصل بناء الجدار العازل‏,‏ وفي نفس الوقت يغازل رئيس وزرائها العالم بإمكانية الانسحاب من مستوطنات وهمية لا تحرك القضية شبرا واحدا إلي الأمام‏.‏ وهذا أيضا ليس جديدا‏,‏ حتي المبادرات المتوالية والتي يرتدي بعضها الزي الرسمي فيما يرتدي أغلبها الزي غير الرسمي تتفق في استبعاد حق العودة لـ‏8,3‏ مليون لاجيء فلسطيني‏.‏
فجأة انهمرت المبادرات والخطط لاستئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية وتجاوز عددها الست مبادرات مما يشير إلي استمرار بقاء خريطة الطريق في حالة وفاة إكلينيكية في حجرة إنعاش الشرق الأوسط لحين إشعار آخر‏,‏ بل إن البعض يؤكد أن تلك الخريطة قد توفيت بالفعل‏,‏ وبقي فقط نشر النعي رسميا‏,‏ فمنذ إطلاقها‏,‏ وهي لم تتحرك في طريقها خطوة واحدة‏,‏ والكل يرفضها أحيانا بشكل علني وكثيرا بشكل ضمني‏.‏
إسرائيل أبدت مائة تحفظ علي خريطة الطريق قلصتها إلي‏14‏ تحفظا‏,‏ والفلسطينيون قبلوها علي مضض حتي لا يكونوا الطرف الرافض خاصة أنها تسعي لقيام دولة فلسطينية في نهاية المطاف‏.‏
فهل حقا ماتت الخريطة؟ وهل تحل إحدي المبادرات المطروحة مكانها‏,‏ وخاصة وثيقة جنيف؟ وما تلك المبادرات المطروحة علي الساحة‏,‏ وما الفرق بينها؟‏!‏
يوضح مصدر دبلوماسي مطلع لـ الأهرام العربي أن خريطة الطريق هي الأسلوب الذي مازال مطروحا حاليا علي الساحة نظرا لأنها تحظي بتبني أوروبا والولايات المتحدة والأمم المتحدة وقد وافق عليها كل من الجانب الإسرائيلي والفلسطيني‏,‏ ولذلك يجب التمسك ببخريطة الطريق وتنفيذها برغم كل المبادرات الأخري المطروحة حاليا علي الساحة ولا يجب إعطاء الفرصة لإسرائيل للتنصل من خريطة الطريق الحاصلة علي تأييد دولي بالفعل جريا وراء مبادرات أخري غير رسمية ولم تحظ بعد علي أي تأييد دولي‏.‏
وأكد أن أهمية ما طرح من مبادرات مثل ورقة جنيف تتركز في أنها خطوات جيدة ولكنها لا تحل مكان الورقة الأصلية‏,‏ واتفاقية جنيف تثبت أنه مهما كانت المسائل حساسة ومعقدة فيمكن حدوث توافق بين الفلسطينيين والإسرائيليين‏,‏ كما أنها توضح للمجتمع الإسرائيلي في الداخل أن الوضع الحالي غير مستحب أو مطلوب ولا يمكن استمراره علي ما هو عليه وهي رسالة داخلية جيدة للشعب الإسرائيلي ولقياداته تؤكد لهم أن الطريق مفتوح وأن الفلسطينيين مستعدون للتحرك وهي تمثل ورقة ضغط داخلية علي الحكومة الإسرائيلية مما قد يؤثر عليها‏,‏ وتوضح وثيقة جنيف أن هناك طرفا فلسطينيا جادا ومستعدا للتوصل إلي حلول وهو يرفض الوضع الحالي‏.‏
يري المصدر الدبلوماسي أن هناك أملا في تحريك الأمور خاصة وأن الاتصالات المصرية لم تتوقف مع كل الأطراف وهناك محاولات مستمرة لتحريك الأمور برغم التعنت الإسرائيلي وفترة الانتخابات الأمريكية القادمة‏,‏ والرسالة واضحة للإسرائيليين الآن وتؤكد لهم أن الفلسطينيين جاهزون ومطلوب من الطرف الآخر أن يكون جاهزا أيضا وهي حركة تنقل الكرة إلي الملعب الإسرائيلي‏,‏ خاصة وأن المجتمع الإسرائيلي والفلسطيني أصبح أكثر وعيا الآن بضرورة التحرك كما أصبح الجانب الأمريكي أكثر تفهما للأخطاء التي تم ارتكابها مؤخرا والتي تمت في عهد أبو مازن وأدت إلي إفشال مهمته‏.‏
وحول إمكانية تلويح مصر بورقة عودة السفير المصري إلي إسرائيل أو عقد لقاءات عالية المستوي بين مسئولين مصريين وإسرائيليين في حالة اتخاذ حكومة شارون خطوات جادة لتنفيذ خريطة الطريق أكد المصدر الدبلوماسي المطلع أن مصر عندما سحبت السفير المصري من تل أبيب رهنت عودته بتحسين الظروف والأفعال من الجانب الإسرائيلي‏,‏ وهي رسالة رمزية فهدف مصر هو السلام وأي تقدم إسرائيلي لتحقيق هذا الهدف سيقابله خطوة مصرية في اتجاه هذا الهدف خاصة أن مسألة عودة السفير أصبحت قرارا شعبيا وليس حكوميا فقط‏,‏ وكل ما يحدث هي مساع شعبية لتأهيل الرأي العام الإسرائيلي والفلسطيني والمهم أن يتم تنفيذ الالتزامات الإسرائيلية المنصوص عليها في خريطة الطريق وكذلك الالتزامات الفلسطينية‏.‏
وأكد المصدر أن مسألة بناء الجدار محكوم عليها بالفشل وهي أمور معقدة لمسيرة السلام وإذا لم يكن هناك سلام فستحتاج إسرائيل لعشرات الجدران‏,‏ والشعب الإسرائيلي بدأ يشعر بخطأ سياسات حكومة شارون ولا طريق آخر أمامهم سوي التقدم مع الفلسطينيين في اتجاه السلام فالشعبان محكوم عليهما بالتعايش معا‏.‏
الملاحظ أن ما يجمع بين كل المبادرات هو عدم الإشارة بشكل واضح إلي حق العودة للاجئين الفلسطينيين‏,‏ وهو حق أقرته قرارات الأمم المتحدة من قبل‏,‏ والتخوف من أن تكون كل تلك المبادرات بالونات اختبار لإنكار حق العودة المنصوص عليه في القرارات الدولية وتهيئة الرأي العام العربي عامة والفلسطيني خاصة لعدم المطالبة بحق العودة نهائيا‏,‏ وهو أمر خطير للغاية‏.‏
وكان تزامن مع توقيع وثيقة جنيف محاولات الكونجرس الأمريكي إصدار قرار لتوطين الفلسطينيين في الأماكن التي يعيشون فيها حاليا وهو ما رفضه الجانب العربي خاصة اللبنانيين الذين يختلفون حول كل شيء ويتفقون فقط حول ضرورة منع توطين اللاجئين الفلسطينيين الذين يتجاوز عددهم في لبنان عشرات الآلاف‏.‏
كثرة المشاريع المطروحة تؤكد وجود رغبة قوية للحل‏,‏ ولكنها تشير أيضا إلي وجود أزمة في هذا الحل‏,‏ وهناك خمسة مشاريع موجودة أمامنا حاليا علي الطاولة هي‏:‏ مشروع سري نسيبة إيالون‏,‏ وثيقة جنيف‏,‏ خطة حزب العمل المعارض التي لا تختلف كثيرا عن اتفاق جنيف‏,‏ خطة المستوطنين‏,‏ خطة شارون‏,‏ بالإضافة إلي خطة جديدة قد تسفر عنها محادثات جبريل الرجوب وعومري شارون في لندن‏,‏ وكل تلك الخطط لا تشير إلي حق العودة للاجئين الفلسطينيين في إطار الحل النهائي للصراع العربي الإسرائيلي‏.‏
وبموجب مبادرة جنيف سيستعيد الفلسطينيون الضفة الغربية بالكامل تقريبا في حين سيتم تقاسم السيادة حول القدس وفي المقابل سيتخلي الفلسطينيون عن حق العودة لحوالي‏8,3‏ ملايين لاجيء فلسطيني‏..‏ ويقترب مشروع نسيبة ـ يعالون من نفس الفكرة وكذلك خطة حزب العمل المعارض‏.‏
من جانبه رفض أحمد قريع الاعتراف رسميا بكل المبادرات والخطط المطروحة مؤكدا أن مشاركة وزراء فلسطينيين في تلك المناقشات لا يعني إعطاء صفة الرسمية لأن الوزراء يشاركون بصفتهم الشخصية‏,‏ وليست الوظيفية‏,‏ ووصف أبو علاء اتفاق جنيف بأنه مثل الساعات السويسرية لا تقدم ولا تؤخر‏.‏
أما خطة شارون فقد أثبتت فشلها فقد وعد الشعب الإسرائيلي بالأمن عن طريق استخدام القوة ضد الفلسطينيين وإلغاء اتفاقات أوسلو والتخلص من عرفات‏,‏ وفشل شارون حتي الآن في تحقيق أي من هذه النقاط وبالتالي فشلت خطته‏,‏ كما فشل شارون في الحصول علي مباركة أو حتي عبارات اقتناع أمريكي بجداره العازل بل علي العكس تزايدت الانتقادات الدولية ومن ثم الأمريكية وحتي الإسرائيلية للجدار وطالبت بتخفيف الحصار عن الفلسطينيين‏.‏
وشهد شاهد من أهلها حيث جاءت كلمات موشي يعالون ـ رئيس الأركان الإسرائيلي ـ بمثابة خنجر في صدر خطة شارون عندما ا نتقد الإجراءات المتعنتة ضد الفلسطينيين وهو أمر يحدث لأول مرة في تاريخ إسرائيل العسكري وزاد عن ذلك الانتقادات التي وجهها رؤساء الموساد علي مدي العشرين عاما الماضية لخطة شارون الفاشلة ووصفها أحدهم بالمصيبة‏,‏ وكل تلك الانتقادات تنبع من خانة عدم الرضا الأمريكي والتخوف من آثار ذلك علي إسرائيل وتصب لغير صالح إسرائيل‏.‏
وجاء ترحيب شارون باختيار أبو علاء كرئيس للوزراء الفلسطيني بمثابة مفاجأة خاصة مع التحفظ الأمريكي علي قريع لقربه من عرفات‏,‏ إلا أن شارون خشي من اتهامه بإفشال محاولات إبعاد عرفات تماما عن الصورة بعدما أفشل مهمة أبو مازن ولم يسانده فقرر الترحيب بالكلمات لا بالأفعال بأبو علاء وفي نفس الوقت حاول شارون الالتفاف لإقناع واشنطن أن حكومة أبو علاء عاجزة عن إجراء أي إصلاحات أمنية حقيقية وأن البديل الوحيد هو تجاهلها والقيام بإجراءات إسرائيلية أحادية الجانب‏,‏ ولكن واشنطن رفضت ذلك‏.‏ وسيضطر شارون إلي الالتقاء مع أبو علاء خلال الأيام القادمة بسبب الضغوط الداخلية ولكنه لن يستجيب للشروط الوطنية بإلغاء الحصار الإسرائيلي علي عرفات وإلغاء قرار الحكومة الإسرائيلية بالتخلص منه والذي صدرته قبل عدة أشهر‏,‏ ووقف بناء الجدار العازل‏.‏
وتشير تقارير إلي لجوء شارون وحكومته لمكاتب أمريكية للدعاية لتحسين صورة إسرائيل التي ازدادت سلبية وأن المتخصصين في مكاتب الدعاية نصحوا شارون باتخاذ عدة خطوات سياسية مثل لقاء أبو علاء والانسحاب من بعض المستوطنات في غزة لمحاولة تمرير مسألة الاستمرارفي بناء الجدار العازل‏.‏
أما الفلسطينيون فيريدون تمرير الفترة القادمة التي ستشهد انتخابات أمريكية بدون كوارث ومحاولة وقف بناء الجدار العازل واستصدار قرار دولي يجرم بناءه وعرفات يريد تأكيد أنه لا يزال قادرا علي الفعل والتحرك والدليل أن عومري شارون ابن رئيس الوزراء الإسرائيلي هو الذي سعي لدي محمد رشيد ـ مستشار عرفات ـ للتفاوض في لندن مع مبعوث عرفات ومستشاره للأمن القومي جبريل الرجوب‏.‏
لكن سيل المبادرات المنهمر لم يقتصر فقط علي داخل المنطقة بل جاء من الخارج أيضا حيث تم الكشف عن أن ألمانيا والدنمارك وضعتا مبادرة جديدة لإحياء خطة خريطة الطريق تعتمد علي استصدار قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة بإقامة الدولة الفلسطينية مثلما فعلت المنظمة الدولية عندما قررت في عام‏1947‏ إقامة الدولة الإسرائيلية‏,‏ وسيتم خلال الأيام القادمة التشاور أوروبيا وأمريكيا حول تلك المبادرة‏.‏
إقرار خريطة الطريق رسميا في الأمم المتحدة لم يمنع شارون من إعلان عدم التزامه بها من دون تحقيق تحفظاته الأربعة عشر عليها وهي تحفظات تنسف أساس هذه الخريطة تماما‏.‏
ويتخوف شارون من أن إقرار الخريطة دوليا سيؤدي إلي تدخل أوروبي أكبر في المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية‏*‏