350‏السنة 123-العدد2003ديسمبر6‏12 شوال 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

سادة في السلطة‏..‏ وملوك
في عالم إسرائيل السفلي

اليهود الروس‏..‏ مسيحيون ومسلمون‏!‏

جاءوا إلى إسرائيل كى يخرجوا من شظف العيش وانكسار الحلم

بقلم ـ زياد عبدالفتاح


جاء الروس‏.‏ هرعوا بالمئات ثم الآلاف فعشرات الألوف حتي إنهم اقتحموا خانة المليون وتقدموا في أرقامها‏.‏ كان قدومهم قبل سنوات أمنية عزيزة كانوا مثل الحشيش والمخدرات يجري تهريبهم أو تسريبهم من الاتحاد السوفيتي قبل انهياره‏.‏ وكانت الوكالة اليهودية والمنظرون للدولة اليهودية الصافية الخالصة من كل عرق وقومية ودين إلا الدين اليهودي يعملون بكل طاقتهم ينسجون خيوط المؤامرة يذللون العقبات ويكنسون كل مايعوقهم فلابد من تعبيد كل الطرق أمام الهجرة إلي فلسطين التاريخية القديمة‏..‏ التي أصبح اسمها اسرائيل‏.‏
لم يكن الروس بحاجة إلي تحريض‏.‏ بدوا عبر سنوات طويلة وفي ظل النظام الشمولي أنهم في مأزق أو أزمة وأنهم علي أهبة الانسلاخ عن الوطن مادام الوطن لايقدم لهم الرخاء والأمان والاطمئنان إلي مستقبل وكانت الحركة الصهيونية تعتقد بأن الاتحاد السوفيتي هو منجم الهجرة‏.‏ تستخرج منه وتنهل وتستزيد دون أن ينضب منجمها كان ذلك قبل انهيار الاتحاد السوفيتي بل كان ذلك أثناء شيخوخته الممتدة والتي استمرت طويلا‏.‏ حتي إن المواطنين سواء كانوا من الروس أو من الجمهوريات الأخري باتوا يتطلعون إلي الهجرة لا إلي بلد محدد‏,‏ ولكن إلي حيث يجدون الثروة والرزق والحياة الأفضل‏:‏
في تلك الأثناء كانت الحركة الصهيونية تعمل علي خطين‏:‏
أولا‏:‏ خط استقطاب المهاجرين اليهود بأي ثمن وكل ثمن وتهجيرهم إلي إسرائيل ليحققوا توازنا‏'‏ جغرافيا محددا‏'‏ يقطع الطريق علي النمو الديمغرافي الفلسطيني الذي يتسارع بما يسمح بوصفه بالانفجار السكاني نسبة إلي النمو الاسرائيلي أو اليهودي من جهة‏.‏ وليقدموا من جهة أخري إسهاما مقداما في خطة دحر الاتحاد السوفيتي ودفع المنظومة الاشتراكية إلي الانهيار‏.‏ وهي خطة سعت إليها الولايات المتحدة بكل ماتملك من قوة وقدرات جبارة وأدوات وتسخر لها حلف الناتو بكل إمكاناته الأمريكية والأوروبية‏.‏
ثانيا‏:‏ خط القضاء علي التحالف العربي‏-‏ السوفيتي الذي يزود العرب بالسلاح ويساند القضية الفلسطينية سياسيا ويقف عائقا أمام نفوذ الولايات المتحدة وإسرائيل بشئون المنطقة العربية وشجونها والتي بدت أكثر تحديدا ووضوحا بعد الحرب علي العراق ووصول اليمين المسيحي المتطرف المتحالف مع إسرائيل في السراء والضراء إلي سدة الحكم‏.‏ حتي إن الفلسطينيين والعرب جميعهم أصبحوا مكشوفين تماما فلا حليف لهم سوي مايستجدونه من الولايات المتحدة الأمريكية مما لايقدم كثيرا ولايؤخر‏.‏ لقد أثبتت الوقائع أن واشنطن تندفع بكل قوتها وشراستها للضغط علي كل العرب بل ولكسر إرادتهم يستوي في ذلك حلفاؤها التقليديون أو المحدثون أو الذين هم علي أهبة التحالف بأي ثمن‏!!!.‏
لقد هرع الروس إذن‏.‏ هرعوا من كل الجهات وجاءوا مهاجرين إلي إسرائيل أو إلي أي مكان آخر تحدوهم الرغبة في حياة أفضل‏.‏ وتداعبهم آمال كانوا قد فقدوها في بلادهم‏.‏ هؤلاء لم يكونوا يهودا خالصين مثلما تراءي للذين ناضلوا من أجل الهجرة اليهودية لقد كان منهم يهود وكان منهم مسيحيون ومسلمون‏!‏ حتي أن كل محاولة لإرجاع الروس إلي طوائفهم إنما هي محاولة صعبة وغاشمة وتقود إلي أوهام تحتاج إلي عشرات السنين حتي ينجلي ضبابها وتتضح حقائقها‏.‏
ولقد تواطأ السياسيون في إسرائيل ففي سبيل الأهداف تهون الوسائل ولو كانت تتعلق بالمباديء‏!‏ لم يفصح الساسة عن طبيعة المهاجرين القادمين‏.‏ ولم يدققوا ولاسمحوا للأجهزة التنفيذية أن تدقق‏.‏ فلقد كان همهم زرع المزيد من المهاجرين في أرض اللبن والعسل‏.‏ ثم تمضي السنوات ويصبح الروس كثيرين ويربون علي المليون لكن ليس هذا هو الأهم وإنما أين يصبون وإلي أين ينتهون‏!‏
يؤكد الباحثون والمراقبون أن الروس يمثلون حيزا مرموقا في الحياة الإسرائيلية وقد يمثلون أيضا نفس الموقع في الحياة التحتية أو في المجتمع السفلي الإسرائيلي ذلك أن القادمين من الروس ليسوا أيد عاملة في المقام الأول وإنما هم أيضا وقبل كل شيء نخب في مجتمعاتهم الروسية أو السوفيتية‏.‏ وهم علمانيون في غالبيتهم العظمي‏.‏ مثلما هم أصحاب مهن ومهارات وثقافات تتنوع وتتعدد‏.‏ ولذا فإن الحديث عنهم سوف يتطور إلي الحديث عن انتماءاتهم الدينية ومرجعياتهم التراثية‏.‏
ولعلنا أميل إلي القول من خلال الإحصائيات والمعلومات التي يتسع نشرها يوما بعد يوم أن المهاجرين الروس في الأساس لايهمهم أن يكونوا يهودا‏.‏ بصيغة أوضح يظل همهم الأول الدفاع عن مصالحهم بأكثر مما يدافعون عن يهوديتهم التي يدافعون عنها كلما أنتجت مصلحة لهم أو قدمت نفعا‏.‏
ولعل قراءة مدققة في تذبذب الروس في الانتخاب والتصويت واختلافهم بين أحزاب العمل و‏'‏ميرتس‏'‏ و‏'‏الليكود‏'.‏ لايجد تفسيره سوي في أنهم يتبعون مصالحهم ويمضون معها إلي أي مكان تمضي إليه‏.‏ ولذا فإن السؤال يظل مشروعا حول ما إذا كان ينبغي لنا اعتبار المهاجرين الروس السوفيتيين سابقا هم من اليهود أو أنهم فعلا يهود خالصون‏!.‏ يدفعنا إلي هذا التساؤل مايروي داخل إسرائيل من حكايات حول أولئك وهؤلاء‏.‏
حدث أحد الأصدقاء قال‏:‏ كنت أمضي إلي إحدي البقالات الضخمة وإذا بي أمام بائعة تشير ملامحها إلي أنها من بلاد السوفييت‏.‏ أردت أن أتثبت فإذا هي كذلك‏.‏ سألتها عن لحم الخنزير فيه وأردت مداعبتها بقولي أننا لانأكل الخنزير بخاصة وأننا في يوم صيام في يوم من أيام رمضان هل تعرفين رمضان أجابت دونما حرج ونحن أيضا لانأكله‏.‏ وأنا أيضا صائمة
أسرة من المهاجرين الروس كانت تحلم بالرخاء فى أرض اللبن والعسل
-‏ ماذا‏.!!‏
‏-‏ أجل فأنا مسلمة‏..‏ وأنا من طاجاكستان‏.‏ وأنا والعائلة متمسكون بتقاليد ديننا الحنيف‏.‏
نطقت الحنيف بالهاء هكذا‏'‏ الهنيف‏'‏ فأصابتني بدهشتين‏.‏ الأولي لأن الكلمة لاينطقها سوي العرب العاربة‏.‏ والثانية لأنها مسلمة يهودية في الوقت نفسه‏!‏ بددت الدهشتين معا عندما تابعت‏:‏
‏-‏ نحن لسنا يهودا وإن كنا إسرائيليين تماما مثلكم فأنتم مسلمون ولكنكم إسرائيليون أيضا‏.‏ ما وجه الغرابة؟‏!‏
وقال صاحبي الذي لم يشأ أن يدخل في حوار شائك فهو يعلم بيقين أن هناك من الروس مسيحيين يهودا‏..‏ أعني إسرائيليين يذهبون إلي الكنيسة وأن هؤلاء وإن كانوا جزءا من المجتمع الإسرائيلي إلا أنهم لايوافقون علي يهودية الدولة‏.'‏ وأن لكل فرد حرية العبادة‏.‏ وأنه لا إكراه في الدين‏!.‏
ولقد اكتشف صاحبي أمرين‏.‏ وعندما أدرك شدة فضولي مضي يقول‏:‏
‏-‏ ياعزيزي‏.‏ هذا المجتمع الإسرائيلي لم يعد مجتمع الحلم الذي يجمع اليهود واليهود فحسب‏.‏ ألا تري معي إلي أن خمسه تقريبا من العرب الفلسطينيين وأن خمسه الثاني تقريبا من الروس العلمانيين الذين يجيء قسم منهم من ديانات أخري كالمسيحية والإسلام‏.‏ تصور هذا المجتمع بعد عشرين عاما‏..‏ بعد أكثر أو أقل قليلا‏..‏ إلي أي مدي سوف يتطور أو يتغير‏.‏
وقال أيضا يتابع حوارا مضي عليه شهور طويلة‏:‏
‏-‏ ألم أقل لك إن السلام مصلحة إسرائيلية يهودية قبل أن يكون مصلحة فلسطينية وعربية لذا فإنني أعتقد تماما بأن مايفعله شارون وهؤلاء المتطرفون من حوله لايصب علي الإطلاق في المصلحة الإسرائيلية‏..‏ أعني في مصلحة اليهود‏.‏ وإن هذه الدعوة التي يدعمها بوش إلي الاعتراف بدولة يهودية أو بدولة لليهود خالصة صافية من كل مرجعية أخري‏.‏ إنما هي هراء مقام علي الخرافة والأسطورة التي يحاول الانجلو ساكسون البروتستانت في أمريكا تبنيها وإشاعتها في كل مكان وأنهم الأشد تعصبا وظلامية فهم يرون أن المهدي المنتظر لايظهر إلا بعد اكتمال الدولة اليهودية‏.‏
تركت صاحبي تلاحقة تهيؤاته وأنا أفكر‏:‏ كيف يمكن بالفعل تصور دولة دينية تخبيء في كيانها ألغاما تلغيها وتهدد فلسفتها القائمة علي نقاء عنصر موهوم‏.‏ اللهم إلا إذا كانت دولة قهر واستلاب واحتلال‏.‏
الروس قادمون‏..‏ والروس ظاهرة تحمل إرثا وتراثا مختلفا‏..‏ الروس يهود ومسيحيون ومسلمون وعلمانيون ليسوا من هؤلاء أو هؤلاء أو هؤلاء‏.‏ والروس آتون لايهمهم إن كانوا يأتون لأرض الميعاد أو لأرض الفلسطينيين فهم آتون ليعيشوا ويخرجوا من شظف العيش وانكسار الحلم‏.‏
ومثلما هم في النخبة ومقدمة الصفوة مثلما هم في مركز المجتمع السفلي فهم الأكثر ترويجا للمخدرات وهم الأعلي في سلم الجريمة المنظمة‏.‏ ومنهم تنطلق محفزات المتعة وعبرهم تتحرك الدعارة‏.‏
والروس صاعدون فهم المثقفون وأصحاب الرأي وذوو المهن‏,‏ والأشد رسوخا في عالم البحث والعلوم المختلفة والأكثر اعتدادا وتواضعا في الوقت نفسه‏.‏ وهم لهذا لايستنكفون ولايأنفون من عمل ولكنهم يعتزون بأنفسهم فيتعاملون في المجتمع بلغتهم الروسية يأنسون لها ويستأنسون بها ويستعينون عبرها علي حياة في مجتمع يسعي ليذيبهم فيزدادون صلابة وإباء‏.‏ ويعرضون عن تعلم اللغة العبرية ليظل لهم مجتمعهم الخاص الخالص وطابعهم المتميز الممهور بخاتمهم الروسي‏*‏