350‏السنة 123-العدد2003ديسمبر6‏12 شوال 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

نقل السيادة وعمليات الإصلاح مجرد أكاذيب
مقامرة أمريكية جديدة في العراق

بوش ذهب إلى العراق ولم يشاهد أى عراقى

ميادة العفيفي


في الأسابيع الأخيرة بدأ كل من الجمهوريين والمحافظين في الإدارة الأمريكية ـــ هؤلاء الذين أيدوا بوش في أخذ قرار الحرب علي العراق ــ في إبداء استيائهم من نتائج استبيانات الرأي التي تظهر مدي زيادة المخاوف الشعبية الأمريكية حول تفاقم الأوضاع في العراق‏,‏ و قد بدأوا في مطالبة بوش وممثله الرسمي في العراق بول بريمير‏,‏ في إظهار أي مؤشرات تقول إن الأمور تتطور هناك‏,‏ غير أن هذه التساؤلات والانتقادات‏,‏ لم تؤد في النهاية سوي إلي تضافر جهود العديد من كتاب الأعمدة البارزين في الصحف المعروفة بتبعيتها الشديدة للإدارة الأمريكية‏,‏ لمقالات شاكية من أن الإعلام قد بالغ في إبراز أعداد القتلي الأمريكيين بدلا من أن يبرز عمليات إعادة بناء المدارس و فتح المصانع والمستشفيات‏,‏ وأن هذا كان من شأنه أن يزيد من صعوبة و حدة الانقسامات الداخلية الأمريكية وشيوع حالة رفض لأن يدفع الشعب الأمريكي ثمن موت أبنائه‏,‏ فقط من أجل أن تستمر الإدارة في مواصلة احتلالها العنيد للعراق‏,‏ بعد أن وضح عدم قدرتها علي جذب حلفاء جدد للمشاركة في عبء حراسة العراق‏.‏أحد الأعضاء الجمهوريين في الكونجرس علق بغضب‏:‏أتمني أن تعطيني الإدارة شيئا واضحا يمكنني من أن أعلق عليه قبعتي‏,‏ مثل أطفال عراقيين جوعي تم إطعامهم‏,‏ أو محطات كهرباء تم إصلاحها‏,‏ أو رجال شرطة عراقية تم تدريبهم لحماية أنفسهم من أنفسهم‏,‏ ولكن ما أحصل عليه عوضا عن ذلك‏,‏ ذلك التكرار البغيض والممل لكلمة نحن واثقون وهي كلمة لا يمكن أن تغسل عار تزايد الضحايا من الجانبين‏.‏
في الواقع‏,‏ وكما يؤكد المحللون السياسيون الأمريكيون فإن البنتاجون يتمني لو كان في إمكانه الخروج من هذا المأزق‏,‏ ولكنه لا يريد أن يفضحه أحد وهو يقوم بهذا‏,‏ أن عدد القتلي من القوات الأمريكية في شهر سبتمبر الماضي وصل إلي‏22‏ وذلك كما أكد البنتاجون نفسه‏,‏ وهو عدد قد حرص البنتاجون علي تقليصه إلي حد كبير‏,‏ مقارنة بشهر أغسطس حيث قتل‏41‏ جنديا أمريكيا في العراق‏.‏ و مهما كانت الانقسامات داخل الكونجرس حول كيف أو لماذا وجدت القوات الأمريكية نفسها في العراق‏,‏ فإن الغالبية تؤكد أن إنقاص عدد القتلي هناك‏,‏ ليس بالتطور الذي وعدت به الإدارة علي أية حال‏.‏
ميشيل موران المراسل الحربي البارز لشبكة‏MSNBC‏ يؤكد أن البنتاجون معروف‏,‏ بحساسيته المفرطة فيما يخص استخدام مثل معايير تناقص أعداد القتلي كدلالة علي تطور الأمور في العراق‏,‏ لقد فشل تاريخيا من قبل تباطئه في الاعتراف بالعدد الحقيقي للقتلي في فيتنام‏,‏ في إقناع الشعب الأمريكي بضرورة استمرار الحرب هناك‏,‏ عندما كانت هناك رغبة ملحة من الإدارة الأمريكية وقتها لإقناع الشعب الأمريكي بأن القوات الأمريكية تحرز انتصارا‏,‏ أو حتي أن النصر جائز‏,‏ موران يؤكد أن عدد القتلي وقتها خفض عمدا إلي النصف تقريبا‏,‏ ومع ذلك فإن حيلة البنتاجون لم تفلح في الحصول علي التأييد الشعبي المرجو‏.‏
ومع استمرار تدني وضع الاحتلال الأمريكي في العراق‏,‏ وفشل مجلس الحكم المنتقي هناك في إقامة انتخابات شرعية‏,‏ فإن الرئيس بوش قرر وبشكل مفاجيء أن يعجل بنقل السلطة للعراقيين‏,‏ ولقد أمر خليفته هناك بول بريمير بالفوز بالموافقة من مجلس الحكم العراقي لاتباع سياسة جديدة‏,‏ وهذا ما قام به بريمير يوم‏15‏ نوفمبر الماضي‏,‏ المحلل السياسي أندي نايت أستاذ العلاقات الدولية بجامعة ألبيرتا‏,‏ يري أن هذه الخطة الجديدة ستفشل أيضا‏,‏ وفي رأيه أن المشكلة الرئيسية فيها‏,‏ تكمن في أنها ترجئ الانتخابات حتي ربيع أو شتاء عام‏2005,‏ مما يجعل نقل السلطة عملية مشكوكا فيها‏,‏ بل حتي مصطنعة‏.‏
إن الأمور تزداد سوءا و لا توجد حماية من أي نوع قالها بائع متجول شيعي في الناصرية‏,‏ لقد أكد الشيعة وعدد كبير من السنة والأكراد أنهم يريدون تحركات سريعة‏,‏ وليست لفترة تستمر حتي بداية عام‏2006‏ نايت يعود ويؤكد أن بوش لايمكنه أن يتحدث عن منح العراقيين الديموقراطية والحرية في الوقت الذي يؤخر فيه الانتخابات المحلية لمدة تزيد علي عامين‏,‏ إن في ذلك إهانة للعراقيين الذين يرون أنفسهم كأصحاب حضارة متقدمة‏,‏ كما أنها تزيد من الشعور بأن الولايات المتحدة تعادي الإسلام‏,‏ وتضاعف من حنق الشيعة الذي تعبوا من كونهم مواطنين من الدرجة الثانية في بلد هم الأغلبية بها‏,‏ ومن اتهامهم بالتطرف من قبل إدارة بوش‏,‏ وكما ذكر أنتوني شاديد في‏17‏ نوفمبر في الـواشنطن بوست من المثير للسخرية أن الاحتلال الأمريكي لم يدرك بعد أن الجماعات الشيعية هي من أكبر المدافعين عن الانتخابات الديموقراطية‏.‏
النيويورك تايمز‏,‏ وصفت ما يسمي خطة إصلاح سريعة للوضع في العراق‏,‏ بأنها ليست سوي مقامرة غير محسوبة النتائج‏,‏ وقال الكاتب و المحلل السياسي دافيد سانجر‏,‏ في مقال له بالصحيفة‏,‏ إن إعلان الولايات المتحدة عن يوم نهائي لتشكيل حكومة عراقية مؤقتة ونهاية الاحتلال الأمريكي الرسمي مع استمرار الوجود العسكري الأمريكي هناك‏,‏ يتعهد للعراقيين بالاستقلال الذي عبروا عن مطالبتهم به و بصخب عنيف خلال الشهور الماضية‏,‏ وأيضا قدم هذا الإعلان‏,‏ للرئيس بوش الشعار السياسي الذي سيحتاجه في الفترة القادمة‏:‏ مقدمة لاستراتيجية خروج التي يمكنها أن تكون مقبولة للناخبين الأمريكيين‏,‏ فالتسليم الذي سوف يحدث في نصف العام القادم‏,‏ سوف يمكن الرئيس بوش من التوجه إلي المرحلة الحاسمة من انتخابات عام‏2004‏ مع قوات أمريكية أقل تعرضا للهجوم في العراق‏,.‏
غير أن سانجر مثل غيره من المحللين السياسيين الأمريكيين‏,‏ عدد مساوئ ذلك التخبط الأمريكي الجديد في العراق‏,‏ فهو يري أن ثمن النقل السريع للسلطة‏,‏ بعيدا عن أن فوز بوش بدعم من ناخبيه القلقين‏,‏ سوف يكون فقدان السيطرة الأمريكية علي مسودة الدستور التي ستوضع خلال الأشهر القادمة‏,‏ علاوة علي إحباط الجهود لجعل الديموقراطية تزهر في أرض لم ترع بها أبدا من قبل‏,‏ الآن حيث أن بوش قد أعاد بنفسه تعريف المهمة الأمريكية في العراق‏,‏ فأصبحت بدلا من‏,‏ نزع أسلحة الدمار الشامل التي لم يمتلكها أبدا صدام حسين‏,‏ إلي خلق مجتمع ديموقراطي حر من شأنه أن يكون نموذجا للشرق الأوسط‏,‏ فإن أي خطة سوف تمنح العراق سيادته قبل أن تبني تلك الديموقراطية التامة‏,‏ التي حددها بوش عنوانا لمهمة قواتنا في العراق‏,‏ سوف تهدد بإخراج المهمة الضخمة عن مسارها‏.‏
خطط الإصلاح والإعمار الوهمية ذريعة لاستمرار الإحتلال
إنها مقامرة‏,‏ ومقامرة ضخمة‏,‏ هكذا أكد واحد من أبرز مهندسي حملة بوش لإسقاط صدام فمن السهل المبالغة في تقدير درجة السيطرة التي كانت لنا علي مدار الفترة السابقة و حتي الآن‏,‏ و لكننا لن نتمكن من إخفاء عدم قدرتنا علي تحديد إلي أي مدي سوف نبقي هناك‏.‏ إن التركيبة العراقية الحالية‏,‏ المكونة من تمرد مكثف وضار وسرعة في تآكل الدعم العراقي للاحتلال الأمريكي‏,‏ يترك الرئيس بوش أمام عدد ضئيل من الخيارات‏,‏ أبرزها أن يخفف قبضته علي البلد التي غزاها و يحاول الآن إعادة بنائها‏.‏ لقد ظهر في الأسابيع الأخيرة‏,‏ أن الإدارة الأمريكية التي تكره الاعتراف بأي شكوك حول مدي حكمة قراراتها‏,‏ خاصة إعادة صياغة استراتيجيتها‏,‏ يرفض أيضا مسئولوها النظر في الانتقادات التي تقترح أن العملية قد تقاد خلال الأشهر القادمة في العراق من خلال احتياجات بوش الانتخابية مع المخاطرة بتحمل عواقب أن تبدو الإدارة الأمريكية راضخة للأسلوب الجديد الذي تبناه الشعب العراقي مع قوات الاحتلال‏,‏ ذلك الذي سمته كونداليزا رايس‏,‏ مستشارة الأمن القومي المطالبة الصاخبة بسرعة نقل السلطة‏.‏
لقد كان الطريق الذي بدا بسيطا و واضحا ومنطقيا في التخطيط لأمريكي الحذر لاحتلال العراق‏,‏ من خلال الاستفادة من تاريخ الاحتلال الأمريكي لليابان وألمانيا‏,‏ طريقا لا يمكن الدفاع عنه في شوارع بغداد‏.‏ لقد كانت الفكرة الأولية لدي مهندسي خطة الاحتلال نسخة أهدأ من الطريقة التي نجح بها الجنرال دوجلاس ماك آرثر في قيادة احتلال لمدة سبع سنوات في اليابان‏,‏ حيث وضع النسخة المبدئية من الدستور للبلد المهزوم مع تنصيب حكومة أمريكية طيعة‏,‏ و لكن يبدو الآن أن بوش قد استبدل الخطة الأصلية‏,‏ بأخري أقل امبريالية من خطة ماك آرثر‏,‏ عندما طلب من العراقيين بأنفسهم كتابة الدستور‏,‏ إن الاستراتيجية الجديدة تخلق حكومة قبل الدستور‏,‏ وتنقل السلطة إلي القيادات العراقية قبل أن تكون هناك انتخابات محلية‏,‏ وربما قبل أن يكون واضحا أن الحكومة البلدية أو الانتخابات قد أسست بشكل شرعي‏.‏
وبعيدا عن استمرار الوجود الأمريكي‏,‏ فإن الولايات المتحدة سوف تستمر في تمرين عضلاتها التمويلية‏,‏ هناك‏,‏ حيث إنها قدمت‏20‏ بليون دولار في جهود إعادة أعمار العراق وراقبت تدفق المزيد من البلايين في استثمارات خاصة هناك‏,‏ سوزان ساش المحللة السياسية في النيويورك تايمز‏,‏ تقول إن معاوني بوش يصرون أنه حتي بعد أن تنقل السلطة للحكومة المؤقتة‏,‏ فإن التأثير الأمريكي سوف يظل قويا‏,‏ إن الجيش الأمريكي سوف يكون له الحق في إطلاق النار وقتما يري ذلك لازما‏,‏ والـ‏20‏ بليون دولار لإعادة الأعمار التي وافق عليها الكونجرس شريطة أن تكون تحت الإشراف الأمريكي وأن يظل تدفقها موجها لتعزيز الأحداث هناك‏,‏ تبعا لرغبات واشنطن‏,‏ ولهذا فإن الإدارة سوف تشدد علي أن يطالب المستثمرون الأمريكيون بمحاكم مستقلة وحكومة علمانية واستقرار سياسي قبل المخاطرة ببلايين الدولارات في إعادة إعمار الاقتصاد العراقي‏.‏
ميك آلين الكاتب والمحلل السياسي في الـواشنطن بوست قال في مقال له‏,‏ لكن مع سرعة التنظيمات الانتقالية‏,‏ فإن الخطة الجديدة سوف تنتج درجة جديدة من الغموض أمام الحكومة الأمريكية‏,‏ بالتنازل عن السلطة لإدارة انتقالية‏,‏ فإن الولايات المتحدة سوف تفقد سلطتها في حق النقض حول محتويات الدستور العراقي وتشكيل الحكومة‏.‏ إدارة بوش أيضا سوف لن يكون لها ضمان أن الزعماء العراقيين المنفيين سابقا‏,‏ الذين كانت لهم روابط طويلة وعميقة سوف يختارون في لجان التنظيم الحزبية‏.‏
المسئولون الأمريكيون عبروا عن تفاؤل من أن نقل السلطة مع حلول الصيف القادم سوف يساعد علي تهدئة الغضب بسبب الاحتلال ويقلل من الهجمات علي القوات الأمريكية‏,‏ التي أصبحت في تزايد مستمر في الأسابيع الأخيرة‏,‏ وإنشاء حكومة انتقالية سوف ينتج عنه أيضا أن تتولي قوات الأمن العراقية المزيد من المسئوليات عن القوات الأمريكية‏,‏ مما سوف يكون له تأثير عميق‏,‏ أكد مسئول كبير أمريكي في العراق‏:‏إن البعد السياسي للاستراتيجية الأمنية بنفس قدر أهمية البعد العسكري‏.‏
السيناتور الديموقراطي توم داشيل‏,‏ عبر عن قلقه حول ما قيل عن هذه الخطة وأكد أنها سوف تزيد من تدهور الأمور في العراق‏,‏ و قال في حوار مع شبكة فوكس نيوز الإخبارية‏,‏ لا أعرف إذا كان علينا أن نعترف بإننا نخسر هناك‏...‏ ولكنني واثق من أننا فشلنا في كسب عقول وقلوب الشعب العراقي حتي الآن وهذا في حد ذاته مصدر قلق بالغ‏,‏ أعتقد أن ما يحتاجه الرئيس أولا وقبل كل شيء‏,‏ وضع خطة تضمن له النجاح‏,‏ وليست استراتيجية للخروج‏.‏
من ناحية أخري‏,‏ وضح في الآونة الأخيرة أن ضباط الجيش والاستخبارات الأمريكية ليسوا علي بينة حتي الآن من درجة التنسيق بين الأطراف المختلفة وراء استمرار الهجمات علي القوات الأمريكية في العراق‏,‏ و التي ما زال وسطها يتراوح ما بين‏16‏ هجوما يوميا‏,‏ أن هناك حالة من عدم الاتفاق بين ضباط المخابرات العسكرية و المحللين الإستخباريين بشكل عام ما إذا كان صدام يلعب دورا مباشرا في إدارة هذه الهجمات‏,‏ و مدي حجم الدعم الذي يلقاه القائمون بها من العراقيين‏,‏ و ما احتمالات وجود جماعات متطرفة غير عراقية‏,‏ تقوم بمثل هذه الهجمات‏,‏ لجذب النظر إلي البلد في الوقت الذي تخطط فيه لهجمات مباغتة علي الولايات المتحدة ذاتها‏.‏ و لكن يبدو أن هناك شيئا واحدا يتفقون عليه جميعا‏,‏ هو أرجحية أن بعض الجماعات سوف تحاول أن تكثف هجمات كارثية في محاولة لهز ليس فقط الجيش الأمريكي في العراق‏,‏ و لكن هز الإدارة الأمريكية نفسها‏,‏ في الوقت الذي سوف تدعم فيه عملية انتشار و تعبئة لعناصرها في الولايات المتحدة‏.‏
الكولونيل المتقاعد جاك جاكوبس واحد من المؤيدين بشدة لهذا التحليل‏,‏ حيث يقول‏,‏ لا يوجد أدني شك يمكن أن ينتاب من لديه أكثر من مجرد خلايا عصبية عاملة في رأسه‏,‏ أن هناك شيئا أكثر ترويعا من مجرد مهاجمة مكامن القوات الأمريكية في العراق‏,‏ بشكل روتيني‏,‏ إن ما يتم التخطيط له الآن في رأيي‏,‏ وربما من أكثر من خلية واحدة‏,‏ مهاجمة مواقع أكثر أهمية خارج العراق‏.‏ الكولونيل الذي يعمل الآن محللا عسكريا في شبكة‏MSNBC‏ الإخبارية‏,‏ يؤكد أن أي طرف صراع في أزمة يبحث دائما عن توجيه لكمة مميتة من شأنها أن تنهي الأمور بسرعة‏,‏ وهذا ما يحدث الآن ولكنه قادم من أكثر من جهة‏,‏ و الضربات التي توجه لنا الآن إيذانا بضربات كثيرة قادمة في شتي الاتجاهات‏*‏