دهشت لأول وهلة وأنا أتصفح أوراق كتاب وجدته أمامي في إحد ي المكتبات مترجما للغة العربية وحمل عنوان' غريق علي أرض صلبة' للكاتب الكولومبي الأشهر' جابرييل جارسيا ماركيز' فالتقطته علي الفور مثلي مثل محبي ماركيز عبر العالم كله. مثار الدهشة أنني وجدت اسم صاروخ الجنس الراقص المغنية الكولومبية الشابة شاكير ا في عنوان أحد مقالات هذا الكتاب المكون من مجموعة من مقالات الكاتب الكبير التي ينشرها في مجلة' كامبيو' التي يرعاها بماله وكتاباته مذ فاز بجائزة نوبل في الثمانينيات وإنني وإن كنت مهتما دوما بمقالات ماركيز خاصة تلك التي يتحدث فيها عن طريقته في الكتابة وطقوسه أثناء العمل والأساطير والقصص الشعبية التي توحي له بأعماله التي أضحت عنوانا علي ما سماه النقاد بـ' الواقعية السحرية' وبين دفتي هذا الكتاب عدد معتبر من هذه المقالات الممتعة إلا أنني بدأت قراءة هذا الكتاب بداية من هذا المقال حتي أجد تفسيرا لدهشتي واستغرابي. ماركيز صاحب الفكر المتقدم والكتابة ذات المستوي, الكاتب الجاد إلي أقصي حد الذي يمكن اعتباره أحد مجددي الرواية في العالم ماركيز هذا يكتب عن هذه البنت المغنية من الدرجة الرابعة والتي ليست أكثر من جسد مثير وإيقاعات ساخنة تصلح لعلب الليل. لقد رأيتم طبعا المغنية الشابة وهي ترقص وتهز خلفيتها بطريقة مستمدة من الرقص الشرقي الذي صرحت في إحدي مقابلاتها بأنها تعلمته وهي في سن الرابعة من أجواء البيت فوالدها واسمه مبارك ريبول من أصل لبناني وعلي وجه التحديد من زحلة مثلها مثل يوسف شاهين ويا للغرابة ولد في نيويورك ثم رحل إلي كولومبيا ولديه ميول للكتابة مما دفع شاكيرا لتقليده منذ سن مبكرة حتي نضجت وخرطها خراط الصبايا فاحترفت الغناء وراحت أيضا تكتب أغانيها بنفسها. وشاكيرا ربما بسبب قرب العرب الروحي منها أضحت مقررة علينا في فضائياتنا العربية حتي أضحت تقليعة تقلدها فتياتنا الصغيرات لكنني للأسف لم أجد في غنائها أو إيقاعات موسيقاها شيئا مختلفا عما هو سائد من الغناء اللاتينو شرقي الخفيف سطحي الكلمات واللحن والإيقاع والذي حمل لواءه قبل شاكيرا ريكي مارتن ووجدنا صداه في بعض الأغاني الشبابية العربية وإن كانت شاكيرا علي درجة أكبر من الإثارة التي تحاول الكثيرات من المغنيات الشابات المنافسة في دربها الزلق. ونحن نعرف عن ماركيز أنه ليس ماكينة دعاية مجانية لبلده التي تموج بكثير من تيارات العنف والصراعات الأهلية وغير الأهلية بسبب تجارة المخدرات وهو كتب الكثير من النقد عن ذلك وحارب بمقالاته هذه العصابات التي جعلته هو نفسه ينأي بنفسه عن العيش في بلده, هو إذن ليس رجل دولة يمكنه أن يستغل ما حققته شاكيرا من شهرة عالمية ليستغلها في الدعاية لبلده كما فعل سفير بلادها في فرنسا ميشيل جوميز مارتينيز الذي قال عنها:' إنها خير من يمثل كولومبيا وأنا فخور بها لأن العالم كله أصبح يعرف وطننا بفضلها, هي الرمز الجميل والوحيد كذا لبلادي التي اعتادت أن تمد العالم بأخبار الحرب والمخدرات والقتل والخطف'. والغريب في شأن مقالة ماركيز عن شاكيرا أن الكاتب الكبير يعطيك انطباعا بأنه هنا يلبس لباس الصحفي الفني المحترف الذي يكتب تقريرا بناه علي معلومات حية من المصدر الذي هو هنا شاكيرا نفسها الأمر الذي يعني أنه تحدث معها وأخذ عنها هذه المعلومات. فهو يسرد الكثير من خفايا يومياتها بدقة لا تدع مجالا من شك بأنه حصل علي معلوماته منها فهي معلومات شخصية تخص أدق خلجات حركتها عبر شهور طويلة من المتابعة وهذا في حد ذاته يثير عجبي بما أري من فروق كبري بين المغنية والكاتب إن كان من ناحية القيمة أو من ناحية الاهتمامات. فماركيز في الضمير الأدبي كاتب كبير كان مهتما دوما بالقضايا الكبري فنية وفكرية سواء في رواياته أو حتي مقالاته التي يواظب علي نشرها في مجلة' كامبيو' وقد ترجم الكثير منها إلي العربية وهو وإن كان يكتب في موضوعات يومية آنية إلا أنه بعمق بصيرته يرتفع بها إلي درجة التحليل العميق. فكيف بكاتب كبير من هذا الحجم أن يتابع' حركة' مغنية بسيطة مثل شاكيرا وهي تتنقل بين الفنادق والطائرات وقاعات الغناء أو وهي تعمل في تسجيل أغانيها في الاستوديوهات والأغرب أنه يعطيك انطباعا بتعاطفه مع' تعبها' وهي ترقص ليل نهار دون أن تجد الوقت الكافي للنوم يا حرام في الوقت الذي يقرر فيه ضعفها الموسيقي في عبارة دالة. يقول ماركيز:' وعلي الرغم من أنها ـ شاكيرا ـ لا تجيد قراءة النوتة الموسيقية إلا أنها في البروفات تنتبه لكل آلة بحس نقدي حاد وأذن موسيقية ممتازة يسمحان لها بمقاطعة بروفة ما لإعادة تنسيق ما يعزفه الموسيقيون مع النوتة. فكيف لمغنية ما أن تكون ذات حس موسيقي ممتاز علي حد قوله دون أن تعرف أمرا بديهيا وبسيطا مثل قراءة النوتة الأمر الذي يحسنه لا نقول أقل عازف في أقل فرقة موسيقية بل أقل تلميذ في أقل مدرسة إعدادية تلقي حصصا بدائية في الموسيقي ثم يأتي كاتب كبير مثل ماركيز ويخصها بإحدي مقالاته بل إنه يقول عنها ويا للعجب إنها' النموذج الأمثل لقوة أرضية في خدمة سحر' كذا ويضيف:' إن موسيقي شاكيرا اكتسبت بصمة شخصية لا يضاهيها فيها أحد ولا يستطيع أحد أن يغني أو يرقص علي موسيقي شاكيرا بمثل هذا الإحساس البريء الذي يبدو وكأنه من اختراعها. وها هو يصل بها إلي مرتبة عليا مدهشة حين يؤكد أنها' بوجهها الطفولي الرائع ورقتها الخادعة كانت شاكيرا واثقة دائما من أنها ستصبح شخصية عامة ذات شهرة عالمية لم تكن تعرف في أي نوع من أنواع الفن أو في أي مكان سيتحقق ذلك ولكن لم يتسرب إلي نفسها أي قدر من الشك في ذلك كما لو كانت منذورة لمصير رسول' كذا. لا أريد إطلاقا أن أشكك في' بعد نظر' الكاتب الكبير كما لا أريد أن أتهمه بالشوفينية العمياء التي حاربها طويلا في حياته وهو يرفع مرتبة مغنية سطحية من مغنيات الدرجة الرابعة باعتبارها مثله كولومبية إنما فقط أردت التعبير عن دهشتي من هذا التقرير الغريب من كاتب عظيم لمغنية بسيطة. لكن من يعرف ربما رأي فيها هو ما لا يستطيع أمثالي من الكلاسيكيين الذين يحبون ماريا كالاس وجون باييز وسيلين ديون رؤيته. وربما كان تعاطفه مع عرق جبينها قد أغرقه في غلالة من إعجاب أعمي لرجل عجوز بشابة مثيرة تتمتع بإمكانيات جسدية عالية أنا شخصيا معجب بها تضعها حقيقة في مقام الصواريخ عابرة القارات.