326‏السنة 123-العدد2003يونيو21‏21 ربيع الثانى 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

الناقد صبحي حديدي يخاف
علي سوريا من سياسة تبييض الوجوه‏:‏

قصيدة النثر أصبحت محافظة

صبحى حديدى

أجري الحديث‏-‏ سيد محمود حسن


يعرف المتابعون للشأن الثقافي العربي قيمة ما يكتبه الكاتب والناقد السوري المقيم في باريس صبحي حديدي فمقالاته التي ينشرها علي صفحات جريدة‏'‏ القدس العربي‏'‏ كلها مهمومة ومثقلة بالأسئلة التي تستهدف قبل كل شيء النهوض بالمجتمعات العربية وتدافع عن الإبداع باعتباره شرطا لازما للنهضة ولذلك فهو يجمع قاصدا بين الشأن الثقافي والشأن السياسي عبر خيط رفيع محوره الدفاع عن الحرية كقيمة مطلقة وقد دفع حديدي ثمن مواقفه كما يليق بمثقف وطني كبير وقد لفت صبحي الأنظار بكتاباته وترجماته التي طالت أعمال مفكرين كبار أبرزهم ادوارد سعيد حتي إن مقالاته وتعقيباته علي أفكار سعيد تشكل إضافة لا غني للدارسين عنها في مختلف دول العالم كما أضاء حديدي بكتاباته النقدية أعمالا مهمة لشعراء كبار مثل محمود درويش
هنا حوار مع صبحي حديدي الذي زار القاهرة لأول مرة قبل أسبوعين للمشاركة في الاحتفالية التي أقيمت في ذكري مرور ربع قرن علي رحيل الشاعر أمل دنقل وفي الحوار يقترب حديدي من مناطق كثيرة ملغومة تتعلق بموقفه كمعارض للنظام السوري كذلك اقترب حديدي من لغم آخر يرتبط برأيه في النماذج الشائعة من قصيدة النثر التي تعاني علي حد قوله‏'‏ اغترابا دفعها لأن تكون شكلا محافظا علي عكس ما يتصور البعض‏'‏
وهنا نص الحوار‏:‏
لو بدأنا من مقالاتك الأخيرة المتعلقة بالشأن السوري وخاصة ما يرتبط منها بقراءتك لعلاقة واشنطن بالنظام السوري والسياسات التي تحاول سوريا انتهاجها وهي السياسات التي أسميتها‏'‏ سياسة تبييض الوجوه؟
في الواقع لا يحتاج المرء إلي كثير من الدهاء والتحليل لكي يدرك طبيعة الموقف السوري فالنظام السوري عاش طيلة ما يقرب من ثلاثة عقود من عهد الحركة التصحيحية وهو يحظي بسكوت ورضا أمريكي عن معظم ممارساته في الإطار الإقليمي وتحديدا في لبنان لكن معطيات واشنطون تغيرت الآن والمطلوب من سوريا أن تكون أكثر مرونة في أن تقدم تنازلات والمعضلة بالنسبة للنظام السوري أن هذه التنازلات كانت بالنسبة لدمشق أوراقا ضغط كان حافظ الأسد يحولها إلي اقتصاد سياسي وبالتالي إذا غابت هذه الأوراق سوف يخسر النظام محاولته إعادة إنتاج هذا الاقتصاد السياسي‏'‏ واللافت أن النظام السوري خسر لتوه أكثر من قرابة ملياري دولار كانت تأتي من عوائد النفط والتجارة مع العراق وهي تشكل طبقا لتقديرات معهد شاتم حوالي‏%60‏ من الميزانية السورية وبالتالي المسألة بالنسبة لواشنطون هي بالضبط كما صاغها توماس فريدمان في افتتاحية صحفية هي وقحة ولكنها للأسف تعبر عن الحالة فقد كتب‏'‏ لا تطلقوا عليهم النار فقط اصرخوا فيهم‏'‏ لأن النظام لن يستطيع أن يقاوم كثيرا وما عليه إلا أن يتنازل ويتنازل‏.‏
‏ كنت أحد أبرز المثقفين السوريين الذين وقعوا علي بيان يرفض التهديدات التي أطلقها رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي ضد سوريا هل نستطيع القول إن صبحي حديدي يختلف مع نظام بلاده فيما يتعلق فقط بالسياسات الداخلية وهناك رضا عن سياسات النظام الخارجية؟
في الحقيقة خلافي مع النظام السوري يرتبط بالسياسات الداخلية والخارجية وكما قلت لك النظام كان يحاول أن يجعل من السياسة الخارجية‏'‏ اقتصادا سياسيا‏'‏ مستثمرا في الداخل وهو بهذا المعني لعب دورا تدميريا علي الصعيد الوطني عربيا بالنسبة للمقاومة الفلسطينية في لبنان وأيضا بالنسبة لوقوفه مع إيران في الحرب العراقية‏-‏ الإيرانية ولكن موقفي الرافض لهذه السياسات لا يعني طبعا أنني سأكون سعيدا لأي غزو أمريكي لبلادي لسبب بسيط هو أن بلادي ليست ملكا للنظام الراهن وأي قوة ستحتلها بالتالي لن تحتل النظام وإنما الوطن و من ثم فأنا أدافع عن الوطن لا عن النظام لأن الوطن باق والأنظمة إلي زوال‏.‏
‏ البعض يعتقد أن الضغوط الأمريكية علي نظام الرئيس بشار الأسد ستخدم خطواته الإصلاحية التي عبرت عن نفسها فيما عرف بخطاب القسم وما تبدي من زهور في ربيع دمشق القصير هل تعتقد أن الضغط الأمريكي بإمكانه دعم هذه الإصلاحات في اتجاه توسيع هامش الحريات؟
أنا لا أنتظر خيرا من الولايات المتحدة وكما تعلم ليست كل الدول العربية في موضع العراق من حيث الثروات ولا الموقع الجغرافي وحتي النظام العراقي مهما اختلفنا حوله فهو كان يقف شوكة في حلق الولايات المتحدة ويعطل سياساتها رغم كل ما يمكن أن نقوله عنه كنظام استبدادي وديكتاتوري وفي هذه النقطة أريد أن أقول إنه بالنسبة لسوريا والأردن والسعودية ومصر والعديد من الدول العربية التي ستكون بهذا الشكل أو ذاك حليفة مع الولايات المتحدة ليست علي جدول أعمال الولايات المتحدة أية إصلاحات ديموقراطية تخص هذه الدول وفي حالة سوريا لم يطلب باول إصلاحات ديموقراطية داخلية ولن يطلب ذلك هذا جانب‏,‏ أما الجانب الآخر الموضوعي فهو يتصل بمدي اضطرار النظام لمواجهة العاصفة الأمريكية بإصلاحات موضوعية وأتحدث هنا عن الاقتصاد تحديدا فلن يستطيع النظام أن يبقي في المنطقة ما لم يكسر جمود الاقتصاد السوري كما لن يستطيع البقاء سياسيا إذا ظل بعثيا علي المستوي العقائدي وبالتالي سوف يسمح مضطرا لبعض الهوامش للتحرك والمسألة هنا تضع الكرة في أرض المعارضة السورية التي ينبغي أن تضغط لتحول التغييرات القادمة إلي تغييرات جذرية لها صفة الديمومة وقبل أن يضطر النظام للرضوخ للضغوط الأمريكية وبصورة تسمح لنا أن نحلم بتغييرات لا تأتي علي ظهر الدبابات الأمريكية‏.‏
‏ كنت في سوريا في عنفوان تجربة الحوارات حول المجتمع المدني ووجدت تشكك من جدوي هذه الحوارات من قبل مثقفين كما لمست مخاوف من تكون بعض الأسماء التي تقف وراء التجربة تراهن علي اقتسام الرغيف مع السلطة لا علي إصلاح جذري‏,‏ والسؤال هل تعتقد أن نجاح السلطة في ضبط إيقاع ما جري يمكن أن يقلل من فرص نجاح أية محاولة يمكن أن تقوم بها المعارضة أو نشطاء المجتمع المدني لكي تمنع حدوث أي تحول بالمعني الذي أشرت إليه؟
الرئيس بشار الأسد
من حيث المبدأ أعتبر بأن ما جري في سوريا هو رد فعل طبيعي لوفاة الرئيس حافظ الأسد فقد أدرك المجتمع معني رحيل الديكتاتور وحاول المثقفون أن يعكسوا في حواراتهم هذا الإدراك وأقصي ما فعلوه هو تشكيل عدد من الجمعيات وأصدروا بيانات تطالب بمطالب بسيطة ومبدئية‏,‏ ورأيي أن ما يسمي بربيع دمشق كان أيضا شكلا من أشكال الوقاية المبكرة للنظام خاصة أن هذه المطالب مع الاعتزاز بها لم تتجاوز الحد الأدني وفي ظني أن النظام السوري عاجز بنيويا عن إصلاح نفسه ما دام يعيش علي نفس الآليات والوجوه التي تدير البلد من الحرس القديم وتنهب ثرواته وهذا الحرس هو الذي جاء ببشار الأسد ومن ثم علينا ألا نتوقع منه أية إصلاحات ما لم تحسم المعركة بين الحرس القديم والجديد ورأيي أن الحرس الجديد غير موجود لان بشار عاجز إلي الآن عن تشكيل فريقه الجديد‏.‏
‏ أتيت علي ذكر العراق كنظام كان يشكل شوكة في الخاصرة الأمريكية علي حد قولك وهو أمر ذكرني بالمعركة التي كانت بينك وبين المثقف العراقي كنعان مكية الآن والسؤال كيف تنظر إلي مكية وأمثاله من المثقفين العرب الذين اعتبرتهم في واحد من مقالاتك الأخيرة أعضاء في‏'‏ نادي العراة‏'‏ ؟
أنا شخصيا توقفت حتي عن الإشارة إليه لأنني لم أتصور أن رجلا عراقيا يكتب في أسبوعية‏'‏ ريببلك‏'‏ وهي يهودية أمريكية ليكودية عشية قصف بغداد يقول إن هذا القصف هو موسيقي في أذني وأنأ أسأل ماذا يمكن أن ننتظر من رجل كهذا‏,‏ والمفارقة أن حكمة التاريخ سخرت منه لأنه بعد هذا التعري والاستربتيز السياسي لم يحصل علي حصة من الكعكة وهو لن يحصل علي أي شيء لأن الأمريكيين لديهم من الكوادر التي يمكن أن تخدم مخططهم أفضل بكثير من رجل يجعجع في الصحف ويناشد الرئيس جورج بوش ألا يأتي بمثقفين عراقيين إلي العراق من المعادين للصهيونية لأنهم سيعيدون العراق ثلاثين عاما إلي الوراء وهو يريد لبوش أن يأتي بعراقيين صهاينة
‏ ما كتبته أخيرا عمن أسميتهم‏'‏ مثقفو الرياء‏'‏ يدفع بحوارنا إلي التساؤل عن مثقفي الشاطيء الآخر وإلي سؤال طرحه عليك إدوارد سعيد حين سألك هل هناك مثقف نقدي وأظن أن ما نحتاجه اليوم هو ذلك النمط من المثقفين النقديين القادرين علي مساءلة أنفسهم ومساءلة السلطة أيضا؟
الواقع أن هناك خللا في شخصية المثقف العربي وأنا أشبه بعضهم بما نسميه في سوريا‏'‏ العطار‏'‏ وهو بائع جوال في القري يبيع كل شيء الملابس والعطور والأدوية وغيرها والمثقف الذي أ قصده بـ‏'‏ مثقف الرياء‏'‏ يبيع بضاعته لكل قرية وكل نظام وعن نفسي لم أزر العراق إلا مرة واحدة في حياتي وفي إطار رحلة مدرسية وقت أن كان عمري‏17‏ عاما وطوال حياتي ككاتب لم أكتب سطرا في صحيفة عراقية ولم أزر أي مهرجان عراقي لا مربد ولا غيره ومع ذلك يهاجمني الذين كانوا يصعدون علي ظهور الدبابات العراقية وهم اليوم في مقدمة من يهاجمون نظام صدام حسين‏.‏
‏ ولماذا يهاجمونك؟
لأنني في ظنهم كنت أخلط بين المطالبة برفع العقوبات الاقتصادية عن العراق ومهاجمة أمريكا وبالتالي ينبغي أن أطالب برفع عقوبات العراق لأنهم كانوا إنسانيا لا يجرءون علي رفض طلب رفع العقوبات لكنهم ضد الهجوم علي أمريكا بحجة أن هذا الهجوم كان يدعم حجج النظام العراقي السابق وإذا عدت إلي سؤال إدوارد سعيد فقد طرحه علي مع صدور محاضراته عن المثقف‏'‏ وسألني هل تعرف مثقفا نقديا في عالمنا العربي؟ ودون تردد قلت له هادي العلوي لأنني كنت أجد فيه نموذج المثقف المتمرد دائم التطور الذي يستهدف النهضة ولا يخدم أي سلطة‏.‏
‏ ضمن أبرز ما كتبت أخيرا مقال عن‏'‏ استشراق ذوي القربي‏'‏ قاصدا نوعا من المثقفين العرب يكتب للغرب كتابات تفتقد الحد الادني من المعلومات وتخطو الي قارئها بخطي غرائبية هل تعتقد أن مثل هذه الكتابات تؤكد علي الصورة الذهنية التي يعمل قطاع من المثقفين الغربيين علي تكريسها؟
كتبت المقال تعليقا علي باحث تم تكليفه بكتابة أنطولوجيا للشعر العربي المعاصر فوضع نجيب محفوظ ممثلا للشعر المصري علي اعتبار أنه كاتب معروف للغرب ومثل هذا الفعل ممارسة رديئة وشكل من أشكال دغدغة الغرب كأنك تقول لهم‏'‏ مادمت تعرف محفوظ الروائي فعلي أن أقدمه لك كشاعر والمؤكد أن هذا التجهيل يخدم أي مخططات إذا شئت وضمنها النيات الخبيثة التي تعمل علي تكريس صور تخلفنا‏.‏
‏ كناقد أدبي كنت من أشد النقاد العرب حماسة لقصيدة النثر في صورها الناضجة ورغم ذلك تحدثت أخيرا عما أسميته مأزق هذه القصيدة في علاقاتها بالقاريء‏..‏ في رأيك متي تتجاوز هذه القصيدة مأزقها الذي أشرت إليه؟
سوف أقول لك شيئا بدأت أردده في الآونة الأخيرة لأنني مقتنع به تماما وأحاول البرهنة عليه ولكن من موقع المدافع عن قصيدة النثر وليس المعادي لها فأنا أعتقد أن شكل قصيدة النثر بات محافظا الآن لأن البنية الإيقاعية التفعيلية بنية مفتوحة ولا تزال تعطي للشعراء الكبار الذين يحسنون إعادة تشكيلها وتأملها ويعطون لها روح جديدة وعندما يأتي شاعران كبيران مثل سعدي يوسف وأدونيس‏-‏ لكيلا أقول محمود درويش‏-‏ ويشتغلا علي التفعيلة ويقدمان أشكالا فاتنة جدا وخافتة أحيانا والقافية فيها ناعمة وهذا يثبت أن التفعيلة لاتزال شكلا حيا والآن الصراع الحقيقي الإيجابي بين شعراء وشاعرات قصيدة النثر هو فيمن يقدم استعارات أشطر أو صناعة مفارقة يومية وهذا جعل كتابة القصيدة معادلة ثابتة وسهلة وخرجت الكتابة من باب التنافس ومن جديد اضرب لك مثالا بالشاعر أمجد ناصر‏.‏
فهو من جيل آخر قد بدأ شاعر تفعيلة جيدا ثم كتب قصيدة نثر متميزة في مجموعته‏'‏ مرتقي الأنفاس‏'‏ ثم أدرك أن قصيدة النثر شكل مغلق وبدأ كتابة قصائد سردية وكف عن الدخول في صراع الديكة فيمن يصنع استعارة أفضل ولدي مثال جدير بالانتباه هو الشاعر العراقي سركون بولص الذي يعد واحدا من أنضج كتاب قصيدة النثر في الجيل الثاني نشر أخيرا قصائد تفعيلة وهو الذي لم يكتبها في حياته لكنه شعر بهاجس الإيقاع يطارده ولم يجد حرجا في كتابة قصائده بهذا الشكل‏.‏
‏ لكن البعض بإمكانه أن يقرأ هذه النماذج من زاوية تعتبرها نوعا من النكوص أو الارتداد؟
بالنسبة لي لا أعتبر تعايش الأشكال شكلا من أشكال النكوص والقياس بهذه الطريقة قياس شكلي وتعسفي ولا ينبغي أن ننظر إلي تراجع الأشكال كشكل من أشكال التقدم والنماذج الشعرية ذاتها هي مقياسنا الوحيد وأعترف لك بأنني كثيرا ما أقرأ قصائد عمودية وأراها حداثية أكثر من أي قصيدة نثر وأنا لا أظن أن عودة سركون بولص إلي التفعيلة شكل من أشكال النكوص ولكنه رجل شجاع أدرك أن قصيدة النثر يمكن أيضا أن تنتج نصا محافظا‏.‏ وإذا عدنا للإجابة عن سؤالك عن إمكانية نجاح قصيدة النثر في تجاوز مأزقها أو اغترابها وإذا كنت تقصد بالسؤال علاقتها مع القاريء فتجاوز هذا المأزق بات مسألة فردية‏,‏ لأن قصيدة النثر لم تعد حركة جماعية والآن هي مشروعات فردية يحاول كل شاعر عبرها البحث عن خلاص فردي وهذا أمر مشروع تماما ولا توجد فيه مشكلة ورأيي أن المشكلة هي قناعة أي شاعر بأن ما يكتبه هو الاقتراح النهائي الذي يلغي الاقتراحات الأخري لأنه بذلك ينهي قصيدته‏*‏